بين معضلة النجاة من فخّ البول في قطار نيويورك وقرار مجلس الأمن رقم 2209

image1(1)

على رصيف محطة الكنيسة، تأهبتُ لطلوع قطار خطّ البي البرتقالي المتجه لمانهاتن في ذلك الصباح الربيعي من شهر مايو، وهذه محطة قابعة وسط أحد أحياء المهاجرين في نيويورك القادمين مما وصفها ترامب بـ”بلادِ الخراء”. وهندسيًا يظلُّ رصيفها شبه نفق، فنصفها مغطّى والنصف الآخر عارٍ. اخترق القطار شبه نفق الكنيسة كطلقة، فأمسكتُ بقبّعتي مُحكِمًا موقعها على رأسي كي لا تطير مثل الأحلام في تلك المدينة. لمحتُ مقعدين خاليين في ركن العربة، وهو موقع استراتيجي لركوبة صباحية رائقة، فزعمتُ احتلالهما. وعادةً، وأنا رجل محبُّ للاعتياد، أعمدُ وضعَ نصب عينيّ على الموقع المراد، وأقصده مباشرةً متفاديًا لعبةَ طفلٍ أو عُكازَ عجوزٍ أو ساقَ فاتنةِ. ونصيبي في الربح في ذلك الروليت الصباحيّ عادةً ما يتناسب مع عزمي. وفي ذلك اليوم تحديدًا، لم تكن أيّ من المعوقات المعتادة في طريقي، نظرًا لمهارتي في تفادي ساعة الذروة وإقناع مديري بأن لا حاجة لي في المكتب قبل الحادية عشرة صباحًا. وبينما كنت أمشي قاصدًا غنيمة المقعدين، حذّرتني امرأة في منتصفِ العُمر ألا أجلس، وبما أنّي أمسيتُ أحد أبناء المدينة الخالدة، وعيتُ أن لتحذير المرأة سببًا مقنعًا ولا شك. لم أهتم لسؤالها عن السبب الوجيه لتحذيرها، واتجهت من فوري، كسوفًا ومجاملةً، للجلوسِ بجانبها، وعمومًا إذا كان الوقوفُ في القطار خيرًا من الجلوس على بَولِ متشرّد نيويوركي، فإن أي جلوس آخر بالمقارنة خيرٌ من الوقوف، خصوصًا بُعيد خضوعي لعملية جراحية مؤخرًا. ولكنها لم تتوان عن كشف السرِّ لي، قائلة إن أحدهم قد تبرّع ببولِه على المقعدين الاستراتيجيين. وقد رأيت بالفعل أربعة خطوط سائلية متداخلة على أرضية عربة القطار السوداء. استنتجت أن هذا الشخص ربما مريض، أو سكّير، أو كاره للتفّاحة الكبيرة والكادحين لتقشيرها.

فور ما وضعت سمّاعات آيبودي الأحمر، الذي تتبرّع شركة آبل جزءًا من ثمنه لعلاج السرطان، وشغًلت أغاني زياد رحباني عشوائيًا، جاء صوت جوزف صقر هاتفًا بـإحدى الـ”عتابا” من ألبوم “بما إنو”:

“بما إنو بموسكو كتار أبطال الأولمبّيك،

ودُغري انسحبت قال دبّ الألم بيك،

قرِّب لهون ومضيلي بقلم بيك،

إنّك جبان جرّست البلاد.”

ثم فتحتُ كتاب “الخلافة الرقمية” لعبد الباري عطوان فتحًا عند الصفحة التي انتهيت منها الأسبوع السابق، وتحديدًا عند تكوين مجموعة “أصدقاء سوريا” في عام 2011. انشغلت عن الأصدقاء والأعداء بمعضلة النجاة من فخّ البول، إذ أمسى ذلك مشروطًا بالوقوع في فخ الناهين عن الوقوع في فخِّ البول. وفكّرت في أن السيدة، وقد شهّدتني على واقعة البول، العمل المشين الذي ربما وقع أثناء تمتّعي بحمام ساخن في منزلي أو تمشيتي للقطار، قد ورّطتني معها في أمرين، أولًا، سينبغي عليّ الآن، كأي رجل راشد في مكاني، ولمدة أربعين دقيقة قادمة على الأقل، أن أعلن عن اشمئزازي الواضح من الواقعة المزرية وتضامني غير المشروط في دعم السيدة الفلبينية في التحذير من مغبّة الجلوس على المقعد البرتقالي، وثانيًأ، النيابة عنها في إصدار التحذيرات إن انشغلت هي بحياكة صوفها أو مهاتفة ابنها أو عشيقها من خلال هاتفها السامسونج. وأدركت فشلي المُحتّم في المهمتين سلفًا.

ثم قال زياد في “مربى الدلال”:

“ولقد، فيطيبُ لي بأن،

فإن هذه الواقعة وقعت، فهي إذًا واقعية،

وبالتالي فقد تمّ تلحين هذا اللحن بعد أن وقعت هذه الواقعة،

وكان ذلك في العام 1975. حِكمة.

لذا أودُ، لواقعيتها، أن أغني مقطعًا منها في الأول ومقطعًا في الآخر،

شكرًا جدًا جزيلًا.”

عدّت محطة “حديقة الأمل”، ولحُسن الحظ لم يطلع أحد لتلك العربة التعيسة، فتنفستُ الصعداء، واستكملت قراءة كتابي عن سوريا الأسد ونشأة الدولة الإسلامية ودور بوش الأب والتمويل الخليجي لـ”المقاومة المعتدلة”.

وصلنا لمحطة الجادة السابعة، وإذ بشاب أميركي من أصول آسيوية يقصد الجلوس على إحدى المقعدين المشؤومين، قبل أن يعتدل عن قرارِه بعد ڤيتو السيدة الفلبينية، والتي لم أجد مفرَّا معه سوى بدعمها عبر تحريك كفّي الأيمن كإشارة للاعتراض على جلوسه المحتوم مع إبداء تعبير استياء مصطنع على وجهي.

صعد آخرون للقطار في محطة جادة ديكالب، وقد أعلنتُ، سرًا، ومن طرف واحد، عن انسحابي من معاهدة التحذير بشأن الجلوس على البول، فحملت السيدة الفلبينية على عاتقها وحدها حِمل تحذير الراكبين الجدد، ووجدت في إصرارها على تحذيرهم واحدًا واحدًا أمرًا أفتقده تمامًا، وهو روحُ الخدمة العامة.

وصلنا لنهار جسر مانهاتن، ومارس 2015 في كتابي، عندما أطلق مجلس الأمن قراره رقم 2209، الذي أُقرّ في اجتماع رقم 7401 رمز S/RES/2209، وأدان استخدام المواد الكيميائية كسلاح في الحرب الأهلية السورية، ولوّح بالقوة الحربية إزاء استخدامها “مرة أخرى” في الصراع، وذلك بتأييد 14 عضوًا وامتناع فنزويلا.

في الحقيقة لم أكن مستاءًا بما فيه الكفاية من بولِ أحدهم على مقعد القطار، ولن أكترث إن جلست حسناء على بولِ المشرّد، أو حتى إن لعقه شاب أميركي من أصول آسيوية. فأنا معتني أكثر باستخدام داعش لتويتر، والخط الأحمر الوهميّ الذي رسمه أوباما.

انهمكت السيدة في كتابة شيء ما، فاعتقدت أنها أخيرًا تتبعت إثري و”باعت القضية”، فارتاح ضميري بعض الشيء. ولكن قبل نزولها في برودواي لافاييت، تركت ورقة على إحدى المقعدين المبللين، وقد كتبت عليها بحروف إنجليزية صحيحة وكبيرة: “PLEASE DO NOT SIT HERE! IT IS URINE!”

* كتبتً هذه التدوينة بإنجليزية متعثرة أولًا هنا، ولكني لم أشعر أنّي قد وفّيتَ السيدة الفلبينية حقّها المشروع، فعمدتُ كتابة القصة بلغة أممية إضافية. شكرًا جدًا جزيلًا.

Advertisements
نُشِرت في عبثيات | أضف تعليق

وفاة السيسي نتيجة وقوعه في حفرة جولف

تصاعُد الأحداث في مصر في الآونة الأخيرة وخصوصا بعد مهزلة “الانتخابات” التي خيّرنا فيها السيسي بين شخصه والمعتقل أو ما هو أسوء — ليس في الآونة الأخيرة فحسب، بل تصاعُد الأحداث منذ انقلاب 1952 — ينبؤنا بيقين عن الوضع في عام مستقبلي، ولنختر عام 2030 على سبيل المثال، أي بعد اثنى عشر عام فقط، ليس فقط لأن الأعداد الزوجية خير من الأعداد الفردية لدى المصابين بالوسواس القهري مثلي، ولكن أيضًا لأن للأرقام الكاملة سحرًا لا يُقاوم، أو لنقل أنه يمكن مقاومته، ولكن بغرض إضفاء مسحة إثارة رخيصة على تلك التدوينة، سنعتبر أنه “لا يُقاوم”. ويمكن كذلك استخدام أسلوب كناية لطيف لهذه الافتتاحية كبَهار، من نوعيّة “الجيش يده طويلة”، ويجوز من هذه الكناية إرادة المعنى الحقيقي وهو طول يد الجيش المصري وسحقه لأي خائن أو خائنة يشكك في قدراته، كما يجوز إرادة المعنى الخيالي الذي يختفي خلف المعنى الحقيقي وهو أن العسكر ثُلّة من اللصوص.

المهم، سنعود، أو سنتقدم، لعام 2030، ومصر تعجّ الآن بـ117 مليون نسمة حسب الإحصاء الرسمي، ويعيشون جميعًا في العاصمة الجديدة “مصر الجديدة” في الصحراء الشرقية. و45 مليون منهم تقريبًا أقل من 18 عامًا. والبقيّة، أكثر من 70 مليون، يعملون في القوات المسلّحة وشركاتها المختلفة، مثل شركة القوات المسلحة للبريد والإنترنت والمحمول والتليفون، وشركة القوات المسلحة لتقفيل السيارات، وشركة القوات المسلحة لتقفيل الطيارات، وشركة القوات المسلحة للإنشاءات (المقاولون العرب سابقًا)، وشركة القوات المسلحة للتموين والأمن الغذائي (بما فيها كعك العيد ولبن الأطفال)، وشركة القوات المسلحة للشرطة والسجون والمطافئ، وشركة القوات المسلحة للقطن والغزل والنسيج، وشركة القوات المسلحة للبترول والغاز الطبيعي، وشركة القوات المسلحة للمشروبات الغازية والكحولية، بالإضافة لشركة القوات المسلحة للحجّ والعُمرة.
علاقاتنا مع كوريا الشمالية والصين وطيدة للغاية، لدرجة أنها شُبّهت بأنها “طيزان في لباس” — وزير الخارجية المصري في عام 2030
كل مواطن مصري، ذكر أو أنثى، سليم أو معتل، يلتحق بعد إتمام الثانوية العامة لشركة من الشركات المذكورة أعلاه. وفئة قليلة ستلتحق بالكلية الحربية (وهي الطبقة الأعلى في هذا المجتمع الجميل الذي سنحيا في كنفه) أو بكلية أخرى من كليات القوات المسلحة لدراسة أيّ من العلوم التطبيقية. وهناك العشرات سيلتحقون إمّا بالأزهر أو بالكنيسة للعمل كدعاة يدعون للخير وينهون عن الشر. والخير كل الخير هو ضرورة الحفاظ على هيئة وهيبة الدولة العسكرية كما هي بلا تغيير لأن العالم يحيك لنا مؤامرات ذات رائحة نتنة على منوال أميركي الصنع موجود في بئر ما في إسرائيل، ويشارك بالحياكة عليه كل ولاد المتناكة أعداء القوات المسلحة المصرية، بما فيهم المصريون المنفيون خارج البلاد. المجلس الأعلى للقوات المسلّحة يعيّن هؤلاء الدعاة، ويشرف على رواتبهم، ويشكّلون الطبقة الثانية من طبقات المجتمع المصري الجميل.
هناك مسرح واحد ودار سينما واحدة في ميدان التحرير، ويعرض كلاهما الأفلام والمسرحيات المصوّرة في ستديوهات القوات المسلحة بألماظة.
الجيش المصري تغيّر اسمه، وأمسى “الحرس الثوري للمجلس الأعلى للقوات المسلحة”، ويتكوّن من حوالي 2 مليون شخص مهمتهم الأولى هي حماية نظام الدولة وهو المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحبيبة، والثانية الحفاظ على مكتسبات ثورة 2011 المجيدة.
والمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الحبيبة هو مجلس رئاسي وتشريعي وتنفيذي يشرف على دولة مصر العسكرية (اسم جديد يناسب الواقع). ولا يتغيّر أحد أعضاء المجلس سوى بالوفاة، ويعقب وفاة كل شخص جلسات طويلة يتابعها الموقع الإلكتروني الوحيد المسموح به للعمل في مصر، “دولة مسر العسكرية“، لترشيح عضو بديل. وقد شبّه أحد صحفيي موقع الدولة جلسات اختيار عضو جديد، بعد وفاة السيسي نتيجة وقوعه في حفرة جولف وُسعّت له خصيصًا كي يفوز بمباراة في مجمع القوات المسلحة للجولف والاسكواش المُطلّ على نهر العسكري، أن تلك الجلسات “تشبه في خصوصيتها جلسات مجمع الفاتيكان المقدس لاختيار بابا جديد”، وأضاف بفكاهة معهودة من صحفيي ذلك الموقع، “ولكن مصر لديها 19 بابا، وليس بابا واحدًا.” وفي أحد التعليقات، التي سريعًا ما حُذفت من على الموقع، قال أحدهم: “وفين الماما يا كسمّك؟! 😂”
نُشِرت في PowerBlog | أضف تعليق

عنِ العَرَق ولا مبالاتي

في شهر أكتوبر الماضي، نزلت مع رولا ضيفًا على أهل بيت “فراش وفطور” في مدينة بوسطن ليس بعيدًا عن البيت الذي سكنه ذات يوم جبران، ولكني لم أهتم بتقييمه على موقع “إير بي آند بي”. ومنذ عدة أيام وحتى الآن، أعكف على قراءة كتاب رائع عن زياد الرحباني لن أهتم كثيرًا بنشر ملاحظاتي عنه على الإنترنت، أو إضافته لمكتبتي الرقمية على “جود ريدز” مثلًا. وفي العموم لا أساوم على رغباتي وبهجتي إلا لو توفى عزيز مثلًا أو وُلد توأمأن. وفضلًا عن الاستمرار في كتابة هذه الأفكار، فضّلت أرشفة هذا الملفُ الإلكتروني الذي أدوّن عليه، في مجلّد رقمي على قرص جوجل السحابي (جوجل درايف) حتى أقرأه في المستقبل مع شُربِ كأس عرق مثل الذي أتناوله الآن، نصفُه عرق مسايا ذات الـ53% كحول ونصفه ماء وثلج، مسكوب من قنينة زرقاء تشبه صاروخ النادي اللبناني.

قد يستنتج نبيه، أو نبيهة، منكم، إن قررتُ في نهاية المطاف إطلاقَ هذا الهراء على الفضاء السيبراني، أني لا أكترث كثيرًا إن قرأ أحد ما أكتبه أو لا. وذلك تمامًا ما عمدتُ إليه من مقدمتي. قد أكون مدعيًا كاذبًا عندما أقول ذلك، بحيث لم أكن لأقوله لو أن عشرات الآلاف مثلًا يصطفون على باب مدونتي يوميًا لقراءة ما تنقره أناملي المُقلّمة بـعناية موزونة بخطورة، أو قد أكون صادقًا صريحًا في عدم اكتراثي بقرائتك لما أكتبه من عدمه. وهي لا مبالاة شبيهة بلا مبالاتي بنفسي المستقبلية ومعاناتها في شهر مايو 2010 عندما خطّيتُ تدوينة بعنوان “الرأسمالية تاج فوق رؤوس الأذكياء“، والتي قلت فيها إن “أحزاب اليمين الجديد تحديدًا هي حائط الصدّ الأول ضد المدّ الإسلامي الرجعي الزاحف إلى الغرب. هذا بخلاف أن اليمين الرأسمالي يضمن تقليص الضرائب، التي تعدّ قمعًا حكوميًا ضد حرية السوق، وهو النظام الذي ‘ينتشل’ أموال المنتجين والمفكرين والنبغاء، على غير إرادتهم الحرة، ليعطيه للكسالى والعاطلين، سواء مهاجرين أو سكان أصليين. تقليص الضرائب للحد الأدنى يمكّن أصحاب الأعمال والعمّال على السواء من مراكمة رأس مالهم وثرواتهم.” هذه هي تحديدًا أجندة دونالد ترمب، والتي تتبنى سياسات طرد المسلمين والمكسيكيين من أميركا بحجة الإرهاب والجريمة، وتقليص الضرائب. هل كنت لأنتخب ترمب إن كنت أميركيًا يعيش في نيويورك في عام 2010؟ لا، لأني وجدت “حقيقة مغايرة” هنا منذما عشت في الولايات المتحدة منذ عام 2013، حقيقة مغايرة لما اعتقدته قبل ثماني سنين عندما كتبت تلك التدوينة. وأضع “حقيقة مغايرة” بين قوسين كونها لفظة شبيهة بـ”ما بعد الحقيقة”، اللفظة التي اختيرت ككلمة عام 2016 لقاموس أكسفورد لما كان في ذلك العام من حرب معلومات، وأكاذيب، أدت فيما أدت لـ، أو ساهمت في، تغيير خريطة العالم الغربي “الحُر” (أقلُه على الورق) إلى عالم شعبوي يَنتخبُ ترمب، ويصوّت بانسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الآوروبي.

وهناك استنتاج آخر، وهو أنّي آخذ ولا أعطي، أستهلك ولا أنتج، أي أنّي أهتم بقراءة الأدب الجيد والاستماع للموسيقى المفضّلة وتذوق الأكل الشهيّ وجَرع البيرة الألمانية، بيد أنّي لا أهتم كثيرًا بإنتاج أيّ منها، وإن كنت أحاول إنتاج الأدب والبيرة بلا مواظبة ولا تميُّز. وأقول دومًا إنني أنتمي لأقلية تقتات على إنتاج الآخرين، ولو كنا الأغلبية لفنَت البشرية، على الأقل نظريًا.

الحقيقة الحقيقية، المغايرة لحقيقة ملتون فريدمان ومدرسة شيكاجو والمدرسة النمساوية التي آمنت بها في عام 2010، هي أن الولايات المتحدة واقعة في شِرك عنصرية تاريخية ضد السود والأقليات، وأنه لا وجود لنموذج رأسمالي يُطبّق أفكارًا رأسمالية كلاسيكية مثل سميث أو حديثة مثل لودفج فون ميسس على أرض الواقع، تمامًا مثلما اعتقدت ولا زلت أن “الشيوعية” هي محض خرافة يوتوبية تناقض رغبات الإنسان الجذرية (الحيوانية)، وأن تطبيقها سيصيبه عللُ ما، أو أكثر، يخلّ بنظريتها.

الآن أنا مخدّر تمامًا بفعلِ الإنفلونزا والعَرَق.

بدأت تلك التدوينة من سويعات، وشغَلت قبل كتابتها فيلم “هدوء نسبي” لزياد الرحباني في الخلفية، فمكثتُ أكتب وأتباحث وأصبّ العرق، وتبع ذلك “أبو علي“، ثم بعض أغاني فيروز الرحابنة، إلى أن انتهت القائمة بفيديو للأطفال حول ماكدونالد العجوز الذي امتلك مزرعة في يوم من الأيام. إنها عبثية اللوغاريتمات اليوتيوبية، مع أن فيروز لم تكن يومًا فلّاحة، وزياد قطعًا لا يحبُ منتجات ماكدونالد العجوز.

ثيمات حياتي تتكرر باستمرار، وكأن في تمديد اللحظة الراهنة يكمن شغفي الأبدي، بالرغم مما يترتب على ذلك من محدودية الإبداع ونَدرة الخيارات، وهكذا دواليك في حلقة تغذية سلبية كارثية. في هذه الصورة مثلًا، أقف منتظرًا أمام لافتة تحظر الانتظار. لا أعرف كم مرة اصطنعت ذلك الوضع في صوَري، عشر مرات على أقل تقدير.

 

الاستنتاج من كل ذلك “الهري” أنّي شخص فرديّ جدًا لا مبالٍ، لا يحب مشاركة الآخرين سوى في الشراب، ولا يتطلع لجلسة ليس فيها حسناوات أو موضوع يهمّه. وقد ترى أن ذلك عَطَبٌ آخرُه هلاك، وقد أتفق معك، ولكن جيناتي لا تتفق معنا، وتكوين الإنسان لا يكترث بنا، مثل عدم اكتراثي باتفاقك مع جيناتي من عدمه. أنا ذلك الكائي الهيدوني المحكوم بالشهوانية وقِصر النظر الأبدي.

هل أملأ كأسَ عَرقٍ جديد؟ طبعًا.

 

نُشِرت في عبثيات | أضف تعليق

صوَّت بنعم … لأن رئيس الجمهورية يحبّك أنت!

رئيس الجمهورية المصري هو رئيس الدولة، صدِّق أو لا تصدِّق، ورئيس السلطة التشريعية والتنفيذية، والإدارية (إن أراد)، والقائد الأعلى للقوات المسلّحة، ورئيس هيئة الشرطة (في خدمة الشعب)، ورئيس المجلس الأعلى للهيئات القضائية، ورئيس مجلس الوزراء إذا حضر اجتماعاته، ورئيس مجلس الدفاع الوطني، وصاحب أول ضربة جوية في حربٍ ما، ويعيّن 10 أعضاء لمجلس الشعب وثلث أعضاء الشورى، ويعيّن الحكومة كاملًا ويعزلها، ويحلّ مجلسيّ الشعب والشّورى، ويعيّن نوّابه، إذا أراد، ويعزلهم، ويصدر قرارات لها نفاذ القانون، بل ويصدر اللوائح اللازمة لتنفيذ هذه القوانين، وتُقرّ هذه القوانين وتعدّ نافذة حتى إذا كان مجلس الشعب غير قائمًا، ويرفض قرارات مجلس الشعب (حق الڤيتو)، ويصدر لوائح الضبط، ويعفي عن المتهمين أو يخفف عنهم الحكم، ويُحيل أية جريمة من جرائم الإرهاب إلى أيّة جهة قضاء يريدها، ويرشّح نفسه مدد أمدية، ويعلن حالة الطوارئ، ويشنّ الحروب (مثل أُحمُس)، ويضع الخُطة العسكرية والميدانية، ويعيّن رئيس أركان القوات المسلّحة ولا يراجع التعيين المجلس التشريعي، لأن الرئيس هو رئيس السلطة التشريعية كما عرفنا، ويُبرم الاتفاقيات السّياسية والاقتصادية والاجتماعية والسّينمائية، ويوافق عليها أيضًا بعد أن يُبرمها، وله الخيَرة، فيما اختار، في استفتاء الشّعب من عدمه في مصالح البلاد العليا، على أساس أن كل ما مضى يعدّ من مصالح البلاد السُفلى، ويُعين الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين، ويلقّنهم أدوارهم فهو المخرج الأول والكاتب والمُنتج، ويعتمد ممثّلي الدول الأجنبية، ويفوّض صلاحياته ويُرجعها، ويُشكِّل المجالس القومية المتخصصة وينظّم نشاطها ويحدد اختصاصاتها، ويسهر علي تأكيد سيادة الشعب‏، واحترام الدستور (بالطبع فهو يحبّ الدستور ويحبّك كذلك)‏،‏ وسيادة القانون‏،‏ وحماية الوحدة الوطنية‏،‏ والعدالة الاجتماعية‏،‏ ويرعى الحدود بين السلطات، مع أنه رئيس كل السّلطات، لضمان تأدية دورها في العمل الوطني‏، وهو رئيس رابطة الدوري المصري الممتاز، ورئيس النادي الأهلي، وحامل لقب كأس أفريقيا للأمم، ورئيس القمر الاصطناعي الفضائي المصري نايلسات 101، ورئيس هيئة الرقابة على المصنّفات الفنيّة، ورئيس هيئة الرقابة الدوائية، ورئيس المكتبات والنوادي والقاعات وأكاديمية الأمن، ورئيس المجلس الأعلى للأمومة والطّفولة، وإمام صلاة الجمعة، ومن العشرة المبشّرين بالجنة.

تنويه هام: لا تصدّق كل شيء في هذه التدوينة!

هذه التدوينة موسومة تحت تصنيف: “كوارث طبيعية.”

* نُشرت هذه التدوينة أولًا على موقع شباب الشرق الأوسط سابقًا (مجال حاليًا) في يوم 11 مارس 2011.

نُشِرت في PowerBlog | أضف تعليق

قناع الحرية فيه سُمٌّ قاتل

منذ اليوم الأول لحكم العسكر لمصر بعد ثورة 25 يناير، والقرارات مشوّشة وعشوائية، بل ومُريبة في أحيان أخرى. اعتقالات المدنيين ومحاكمتهم عسكريًا لا تنتهي ولن تنتهي على ما يبدو. كما أنه حُكم على بعض النشطاء عسكريًا؛ البعض ينفذ العقوبة وآخرون مع إيقاف التنفيذ، والبعض مازال محتجزًا، وحُكم على مايكل نبيل ثلاث سنين غيابيًا. لا ينقص إلا قطع الإنترنت وقنبلة واحدة مُسيلة للدموع، وتكتمل دائرة جديدة، ويقوم المجلس العسكري بإعادة اختراع العجلة، وتقوم ثورة أخرى.

دعى كثيرون لجمعة غضب جديدة يوم السابع والعشرين من مايو/آيار في الميادين العامة، وخرج البعض للدعوة لها في الشوارع بتوزيع المنشورات ولصق لوحات جدارية “جرافيتي.” فنّ الثورة كما شهدناه وشهدنا عليه من موسيقى، وفنون الشارع، وتصوير، ومعارض، وأفلام إلخ. هذا كله ليس جديدًا، ولكن الجديد القديم هو اعتقال القوات المسلحة للنشطاء “المتهمين” بتوزيع المنشورات ولصق اللوحات، مما حدى بالبعض لوصف الوضع المآساوي كله بأنه لم يختلف كثيرًا عن الأيام التي سبقت الخامس والعشرين من يناير بتحديث حالتهعلى تويتر:

@shadysamir:

“حد غيري تويتر عنده بايظ؟ عمال بيجيبلي تويتس من قبل ٢٥ يناير عن ناس اتقبض عليها لأنها بتعلق بوسترات!”

هذا هو الجو العام قبل ساعات قليلة من جمعة الغضب الثانية، أو الثالثة، لا أعرف؛ الدهشة تسيطر على البعض، ولكن انقطعت عند البعض الآخر، فأداء المجلس العسكري الباهت في الفضاء العام لم ينجح في إقناع أكثر برامج اكتشاف المواهب تفاهةً، فالبيانات العسكرية المتلاحقة تسلك اتجاهًا آخر تمامًا أقرب للخيال العلمي منه إلى الواقع. الفصل الأخير من هذه المهزلة هي القبض على فنانان بينما كانا يحاولان لصق هذه اللوحة المُعبّرة اليوم ، كما قُبض على آخرين بينما كانوا يوزعون المنشورات، وقد ذكرت مصادر غير مؤكدة أن عمليات الاعتقال والاحتجاز امتدت من القاهرة للسويس. وكأن، كما علّق أحد مستخدمي تويتر، ثورة 25 يناير قامت كي يظل موزّعي المنشورات ولاصقي اللوحات يرتعشون خوفًا ويحيطون حذرًا بينما يعبّرون عن رأيهم في سلام، وكأن هذه المنشورات “السرية” غير موجودة على الإنترنت مثلًا، وكأننا مازلنا نوزع منشورات في خمسينات القرن الماضي. إذا كان المجلس العسكري يعشق القبض على موزّعي المنشورات ولاصقي اللوحات، فليقبض على آلاف، بلا ملايين النشطاء، الذين روّجوا لهذه الصورة على الإنترنت، كإجراء احترازي لكتم الصوت تمامًا كما تعبّر هذه الصورة – منعًا للتسرّب ومن ثمّ البلل.

المفارقة التي حدثت، والتي لا تتوقعها عادةً الأنظمة الشمولية كونها أُحادية الفكر، هي أن لوحة الجرافيتي المدهشة هذه انتشرت على الإنترنت بسرعة الضوء، حتى أصبحت كل مواقع التواصل الاجتماعي تعجّ بها، ولا يتحدث أحد إلا عن قناع الحرية الذي قُبض على صاحبه، ومازال البحث جار عن صاحب القناع. إن الإعلام الاجتماعي قد ساعد، مرة أخرى، في جلب نتيجة عكسية تمامًا لافتراضات السلطات الأمنية؛ لأن توقيف الفنانيَن للحدّ من انتشار هذه الصورة، كونها صورة حقيقية تعبّر عن الوضع الحالي، لم يساعد فعلًا سوى في انتشارها السريع والڤيروسي، بصورة فاقت بالتأكيد توقعات جنزير وعايدة، اللذان رسما ولصقا اللوحة، اللوحة “الصفراء”، التيي لا يخلو صفارها من معنى. أعتقد أنهما يضحكان الآن حتمًا، كونهما استخدما، عن غير قصد، تعسّف المجلس العسكري، لنشر لوحتهما الجديدة ومشاركتها مع الملايين إلكترونيًا عبر وسائل الإعلام الاجتماعي. بل قد نجد هذه الصورة مرفوعة ومُلصقة بكثافة غدًا في ميادين التظاهرات، وقد يُقلِّد أحد المتظاهرين “المبدعين” بطل هذه الصورة، بارتداء القناع الأحمر ذاته الكاتم للصوت والمانع للضوء، بالإضافة إلى أن هذه الاعتقالات أعطت سببًا كافيًا للمترددين بالتوجه غدًا للميادين العامة.

الإعلام الحكومي على الجانب الآخر يتسطّح بأمجاد القوات المسلحة، ويتعمّق في نقد النظام القديم، ولكن الديمقراطية ليست نقد الأنظمة السابقة، بل الأنظمة الحالية، كما عبّر أحدهم على تويتر كذلك. لا أعرف ما هي نهاية المسرحية السخيفة التي يظل أبطالها دائمًا المجلس العسكري، والإسلاميين، والإعلام الحكومي – هذه المعادلة، أو المفارقة، التي لا تريد، ولا يبدو أنها تنوي، مفارقتنا! قد يكتمل العرض غدًا على مسرح التحرير، بيد أن المجلس أبى أن يخذلنا، وأصدر البيان الثامن والخمسين، البيانات التي لم يعد أحد يتابعها للملل والتكرار. تسلسل هذا البيان الحقيقي هو 5800، وليس 58، امتدادًا من انقلاب 52 حتى الآن.

إن المجلس العسكري يملك الأسلحة، ولكن يتسلّح النشطاء بوسائل الاتصال الحديثة كلها، وإن ظنّ المجلس العسكري للحظة، خاطئًا، أن أسلحته الثقيلة أقوى من جهاز آي.فون. الذي يستخدمه جنزير ذاته لخداع الأجهزة الأمنية، لأنه يدرك تمامًا أنهم لم يبلغوا بعد مرحلة التطور الطبيعي التي تتيح لأحد منهم باكتشاف فكرة عبقرية، مفادها “هيا نتابع جنزير على تويتر” مثلًا، ولذا حدّث جنزير حسابه، مطمئنًا، “قمت بخداعهم، وأنكرت رسم هذه اللوحة.” هذه التويتة التي أعاد نشرها، حتى الآن، أكثر من ثلاثين مستخدمًا على تويتر، ولكنها لم تبلغ بعد مقر النيابة العسكرية!

* نُشرت هذه المقالة على موقع شباب الشرق الأوسط سابقًا (مجال حاليًا) في يوم 26 مايو 2011.

نُشِرت في PowerBlog | أضف تعليق

ثورة نوفمبر: كلاكيت ثاني مرة

يغيّر التحرير فلسفة الثورات للأبد، ففي الماضي قامت الثورات للاستيلاء على مقر للحكم، أو الاستيلاء على مبنى له مكان تاريخية أو شعبية أو كليهما، سواء بالسلاح أو بقوة الجموع المتدفقة. أما جموع ميدان التحرير فهي تتمسك دائمًا وأبدًا بالميدان، فهو الذي يمثل عمق الثورة الاستراتيچي بالنسبة للمصريين الثائرين، سواء في ثورة يناير أو ثورة نوڤمبر.

لا ينكر أحد المتابعين المحايدين أن ضراوة الأمن المصري في التعامل مع التظاهرات قد تضاعف في ثورة نوڤمبر عنه في يناير، وكأن بين الأمن والتحريريين ثأرًا زحفوا لتخليصه بأوامر مباشرة من المجلس العسكري، وهذه اللقطة كفيلة لإثارة النقاش حول هذه الحقيقة. وسواء كان هذا ثأر وزارة الداخلية كلها، أو ثأر بعض الضباط بأعينهم، فإن الممارسات التي نشاهدها، والتي مارسها ويمارسها الأمن المصري، جيش وشرطة مجتمعان، على مدار ثورتي يناير ونوڤمبر؛ من سحل للجثث واستخدام للرصاص المطاطي والخرطوش وقنابل الغاز هي جرائم ضد الإنسانية، وقد تُسمّى جرائم حرب إذا ارتُكبت ضد عدو حربي، فما بالك وهي تُرتكب ضد شعب أعزل تظاهر في ميدان مطالبًا يحياة اجتماعية كريمة وحياة سياسية ديمقراطية.

 

محاولات تعليب الثورة

عندما أدى اللواء الفنجري تحيته الشهيرة لشهداء ثورة يناير ممثلًا للمجلس الأعلى للقوات المسلحة والجيش المصري في فبراير الماضي، كان ذلك إيذانًا بالبداية الحقيقة لاستغفال الشعب المصري والمماطلة لتحقيق مطالب الثورة برجوع العسكر لثكناتهم، لأننا لم نر أي ممارسة ديمقراطية أو شفافية عادلة للمجلس العسكري على مدار أكثر من تسعة أشهر، هي مدة تولّيه السلطة في مصر، بل ولم يُنجز المجلس العسكري أي شيء يُذكر سوى تغيير أرقام التليفونات المحمولة، وتثبيت التوقيت الشتوي، واعتقال أكثر من 12،000 مدني ومقاضاتهم عسكريًا، وكأن مصر أمست تحت إمرة ديكتاتورية عسكرية بكل المقاييس.

حاول المجلس العسكري عبر تسعة أشهر فصل ثورة 25 يناير عن سياقها، وعزل انتفاضة الثمانية عشر يومًا عن بقية العام، وكأن شهداء يناير يختلفون عن شهداء أكتوبر أو نوڤمبر. فباتت نفس التُهم المُعلّبة تردد على آذاننا نهارًا جهارًا، وكأننا ما زلنا في شتاء يناير 2011، بأن التحريريين لا يمثلون “الشعب المصري العظيم” و”سائر المواطنين الشرفاء” إلى آخر هذه الخرافات حتى “الله الموفق والمستعان”. بل مارس المجلس العسكري نفس السياسات الفاشلة، وما أشبه الليلة بالبارحة، بدايةً من مسيرة داعمة للمجلس العسكري، وليس نهايةً بوصم التحريريين بمثيري الشغب والبلطجية، وإثارة الشكوك حول أصابع خارجية وملابس داخلية، وكأن ما حدث في يناير كان بمعزل عما يحدث الآن.

إن هذه العقلية الديكتاتورية الحاكمة التي لا زالت تستعين بالدمغة لصكّ القوانين وإقرار مناهج التعليم قد خُيّل لها أن محاولات “تعليب” ثورة يناير سوف تمحي أثرها من الوجود، لتستحيل تاريخًا مؤرخًا يردده الإعلام والناس بلا وعي. وبالنسبة للمجلس العسكري الموقّر، فإن ما حدث في يناير كانت ثورة سوف تبدأ مناهج التعليم في تعليبها وحشوها في عقول الطلبة ليس أكثر، بينما ما يحدث الآن ليس ثورة لأنه لا يحدث في يناير!

ولكن الوعي الذي أتلمّسه من المعتصمين بحبل التحرير قادر تمامًا على سبر أغوار تفاصيل الشخصية الديكتاتورية الحاكمة، وكشف أكاذيبها وخداعها الذي لا يتغير، فأبناء مبارك لا زالوا في السلطة يتبعون نفس النهج ونفس السياسات. على الأقل، تعلّم المحتجون شيئًا من يناير، وهم يسعون لعدم تكرار أخطاء الأمس، بينما المجلس العسكري، كسائر الأنظمة الشمولية، لم يتعلم شيئًا، ويبدو أنه لن يتعلم حتى يحين سقوطه مثل سابقه ومعلّمه الأول. للمجلس العسكري والتاريخ، محاولات تعليب الثورة المتكررة فاشلة ومفضوحة، اِلعب غيرها!

الاستخدام المفرط للقوة

إلى يومنا هذا، لم يقدم المجلس العسكري اعتذارًا واحدًا عن أحداث 9 أكتوبر (ماسپيرو) المشينة التي دهست فيها مدرعات الجيش المصري المتظاهرين أمام مبنى ماسپيرو رغم أنه مسؤوليته الكلية عنها، وسوف يرحل قبل أن يقدم اعتذارًا أو تبريرًا لأحداث الثورة المصرية الثانية على أي حال.

بدأت الثورة المصرية الثانية باستخدام مفرط للقوة ضد مصابي الثورة المصرية الأولى الذين اعتصموا في التحرير، ورغم أن أعدادهم لم تتجاوز المئات، ولم يحولوا وتعطيل حركة المرور أو السير، إلا أن الأمن المصري، واستكمالًا لمسلسل الاستخدام المفرط للقوة، قمعهم، مما أدى لتحاشد الآلاف ثم مئات الآلاف على الميدان في مشاهد مماثلة لما حدث في الثورة الأولى. ومع زيادة الحشود، زاد الاستخدام المفرط للقوة مما أعاد لذاكرتي حلقة من المسلسل الهزلي التاريحي “المسرح الطائر” للفريق البريطاني مونتي پيثون (Monty Python)، حيث شبّهوا الاستخدام المفرط للقوة تجاه المدنيين بمن يستخدم الأسلحة لمواجهة الفواكه الطازجة.

ولكن هذا الاستخدام المفرط للأسلحة وقنابل الغاز لم يثن التحريريين عن الميدان، وسط حكايات يتداولها البعض عمّا يسطّره هؤلاء المتظاهرين من ملاحم في مواجهة أجهزة مدرّبة ومسلّحة. ويبدو أن الثورة المصرية هي كما وصفتها إحدى المغردات على تويتر أنها “شتوية الهوى!”

أسطورة اختفاء الداخلية

يشتكي كثير من المصريين بعد الثورة المصري من غياب الأمن من شوارع مصر، خاصةً منذ تبخّر أجهزة الأمن المُلفت والمُلغز يوم 28 يناير. ولكن ما حدث على مدار الأيام الماضية أثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن وزارة الداخلية المصرية القديمة ما زالت حيّة تسعى وتلدغ أعين المصريين، وتعتقلهم بتُهم مُلفّقة، بل وتسحل جثثهم لتواريها بين القمامة.

فضّ مولد الانتخابات

لم أشك يومًا أن المجلس العسكري سوف يرسب بالثلاثة في اختبار الانتخابات القادمة كما رسب من قبل في كل الاختبارات أمام الشعب، ولكن لم يمهله الوقت ولم يسعفه التاريخ لإضافة وصمة جديدة على جبينه، لأن انتخابات مجلس الشعب المصرية، التي كان مزمع إجرائها في آواخر شهر نوڤمبر الجاري، سوف تُؤجل لأجل غير مسمّى وفق تحليلي للأوضاع حاليًا. فكيف ستُجرى انتخابات بينما يُقتل المتظاهرون العُزّل وتُفقع أعينهم ويُصاب منهم أكثر من ألف شخص؟! هذه أجواء ثورة ثانية نعيشها الآن، وما الانتخابات سوى إجراءات تتسم بالشفافية والحيادية والديمقراطية لاختيار ممثلين عن الشعب، يتسم فيها أن تُجرى في جو من الأمن والأمان، بحيث تنعم الشوارع والمدن بالوسط المثالي لإجراء مثل هذه الانتخابات. وهل سيفوت المجلس العسكري أن إجراء انتخابات نزيهة سوف تأتي بممثلين حتمًا سيقاضون المجلس لانتهاكاته الجسام في حق المتظاهرين؟! أمّا الانتخابات في جوهرها فهي منافية كليًا للحالة الثورية التي نعيشها الآن، وتحت قيادة حكومة هزيلة شبه غائبة أو فاقدة للوعي. أمّا إذا أصرّ المجلس العسكري، وهو أمر شبه مستحيل، على إجراء الانتخابات في موعدها، فأنا شخصيًا، وكثير مثلي، سوف أقاطع الانتخابات التي سوف تصبح هزلية وقتها في ظل الأوضاع الراهنة.

الإسلاميون فين؟

كان لسمير غانم، الفنان المصري، تعليق قديم في أحد أفلامه يقول فيه “هي الكورة فين؟!” ينطبق هذا التعليق تمامًا على القيادات الظلامية التي تعمل كذيول متحركة للمجلس العسكري لحصد مقاعد الانتخابات. أتمنى أن تكون الرسالة قد بلغت الشعب المصري الطيب، أين الإسلاميون من التحرير؟! حيث أنهم “خلعوا” ورفضوا التوجه للتحرير حتى لا تخسر هذه التيارات الودّ مع المجلس العسكري. أتمنى ألا تعطيهم صوتك، أو أذنك، في المستقبل.

ماسپيرو مات (#MasperoMat #OccupyMaspero)

أخذ الإعلام الرسمي الموجّه يردد نفس الإشاعات القديمة، والتي أثارت فتنة طائفية بالأمس القريب، والآن تثير البلبلة وتروج دعايات رخيصة للمجلس العسكري، ولكن “الطبلة” الكبيرة التي تُدعى ماسپيرو قد خُرمت خُرمًا كبيرًا وللأبد، وأمست جثة هامدة لا تغني ولا تسمن من جوع.

وما أدلّ من الكوميديا السوداء حين يُصاب مصور التلفزيون الرسمي بعيار في كتفه، وسط تكذيب التلفزيون نفسه استخدام قوات الأمن لأي رصاص!

ثم يعلن التلفزيون المصري أن “المجلس العسكري يأمر قوات الأمن باتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين المتظاهرين” في نكتة سخيفة وثقيلة الظل، وهو ما يثبت ضحالة فكر وانعدام رؤية الشخصية الديكتاتورية، وعوزها الشديد للإبداع.

أترككم مع الصورة التالية التي التقطتها لتركيب فني في معرض تحت عنوان “ماسپيرو” في شهر يونيو/حزيران الماضي، ولمن لا يعلم، فماسپيرو هو مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون “المصري” الحكومي:

نُُشرت هذه المقالة على موقع “شباب الشرق الأوسط” سابقًا (مجال حاليًا) في يوم 22 نوفمبر 2011 أثناء أحداث محمد محمود.

نُشِرت في PowerBlog | أضف تعليق

رسالتان من جبران لماريانا

Screen Shot 2017-12-09 at 11.48.57 PM

الرسالة الأولى في عام 1927:

عزيزتي ماريانا،

نهارك سعيد يا حاتم طيّ¹، يا ساقية العطشان ومطعمة الجوعان، وبعد فاني قد سررت جداً بأن الطقس قد وافقكم في بلد المجانين وقد تمنيت ان اكون معكم وافرح بفرحكم وانشرح بانشراحكم.

صحتي جيدة جداً وكل شيء سائر مثلما أريد وكل ذلك راجع الى دعائك وصلواتك. ولكن نيويورك أرض صفرا فقرا ما فيها غير الله وحشيشة الخضرا فلا نقطة عرق نشربها قبل الأكل ولا نغمة نآي نسمعها من عساف بعد العشاء. وهذه حالة الدنيا، ناس بخير وناس بالذل والويل، ناس عندهم عرق للشرب وناس ما عندهم غير الدموع للشرب.

يا حسرتي من بعد عزّي والدلال . ما حدا بالكون يرثي لحالنا

الخلاصة اذا كان عندكم شيء² فابعثوا لي حصتي.

والسلام الى الجميع بعرق وغير عرق والله يحفظكم جميعا للفقير المعتّر العطشان

Screen Shot 2017-12-10 at 12.40.53 AM


الصفحة الأولى من الرسالة الثانية بين عاميّ 1927 و1930:

Screen Shot 2017-12-09 at 11.50.17 PM

مساء الأربعاء

عزيزتي مريانا

سلام واكرام، بعد الوقوف امامكم جميعاً بكل احترام ونظام، والسؤال عن خاطركم والاستفهام والاستعلام، أقول أن الصحّة جيدة مثل صحّة البهموط³، والأشغال كثيرة مثل تنقل القبوط*، والنتائج مثل نتائج السنديان والبلوط، وبالاجمال انا مبسوط ومغبوط.

ـــ ….. ــ

ان المشروب² الذي اشتراه الأخ عساف هو من الطبقة الأولى — عال عال فوق عالين، فاذا كان بامكانه الحصول على كميّة …


من المؤكد أن للرسالة الثانية صفحة أخرى على الأقل غير معروضة أو لم يُعثر عليها، ولكن يبدو أن غرض جبران الرئيسي من الرسالة هو الحصول على “كميّة” عرق لبناني أخرى عبر عسّاف جورج، زوج ابنة عمّه (أو ابنة عمّته) مارون. والرسالتان موجهتان لشقيقته ماريانا.

¹ إشارة لحاتم الطائي.
² الإشارة لمشروب العّرّق اللبناني.
³ من المرجّح أن “البهموط” هو كائن “البهيموث” الخرافي المذكور في سِفر أيوب، ويبدو أنه كذلك مرتبط بالخرافة القرآنية حول حوت نوح في سورة القلم. وأشار إليه القزويني كذلك كـ”بهموت“.
* القبوط تعني، بحسب بحثي، الجراد.


IMG_5723.JPG
من مقتنيات جبران: قدّاحة وعلبة سجائر مزخرفة.

التقطت الصور الثلاث لمخطوطات ومقتنيات جبران في متحف “سميّة”، زوجة البهموط المكسيكي اللبناني كارلوس سليم، في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي في شهر سبتمبر 2017، بعد حوالي تسعين سنة من رسالة جبران التي كتبها على الأرجح في نيويورك.

نُشِرت في أسفارٌ وأخبار | الوسوم: | تعليق واحد