التعديلات التوريثيّة

 

     عندما اقترعت علي تعديل المادة 76 من الدستور المصري عام 2005 كانت دماء الشباب تجري في عروقي، و حماسة الديموقراطية مازالت تجربة أريد أن أحياها. كنت في مقتبل العمر بلا خبرة، تضلله وسائل الإعلام الحكومية و رسالة الحزب الحاكم المقدسة التي لا تقبل الزيف أو الشك و كأنها الدين الجديد. كان يسيل لعابي لصور المظاهرات الأوروبية المتحضرة، و تيقنت حينها أن إبهامي الغارق في الحبر الفوسفوري هو شعاع لشمس الديموقراطية، و كان وهماً فارع الطول.

 

     و عندما نُصب سيرك الحزب الحاكم مرة أخري في أواخر نفس العام، لم أسمع كلام الحكماء العقلاء الكافرين بالحكومة، عندما قالوا لي:"لا تذهب لأن الليلة كلها مدروسة." و كل المرشحين وقتها لرئاسة المملكة ما هم إلا عبيد يقدمون القرابين في البلاط الملكي. و الشعب البيزنطي مشغول في كيفية إزالة الحبر الفوسفوري قبل الأربع و العشرين ساعة الحساسة ليرجع و ينتخب الأب مرة أخري و ثالثة و عاشرة، باسثناء أيمن نور الذي فوجئت الحكومة بتحديه فما كان عليها إلا أن تقتلعه من جذوره، و كان أشبه بنملة في مواجهة تيار جارف في ليل يوم نحس. كنت و – لازلت – يومها مع الرئيس حسني مبارك، ليس لأكثر من عدم تمتع أي من المرشحين آنذاك لأي عنصر من عناصر المرشح للرئاسة، فما كانت إلا تمثيلية محبكة درامياً تنقصها المنافسة الجادة. و في ظل اعتراضي الشديد علي عناصر كثيرة من مقومات الحزب الحاكم كمسألة التوريث، اعتقال أيمن نور، طلعت السادات، والمدونين المصريين، و أيضاً علي هدر قيمة المواطن و ضياع حقوق الإنسان المصري، تغلغل يد الداخلية في أعراض الشعب، قضية استقلال القضاء و الصحافة، قانون الظوارئ، ضعف الأداء الإقتصادي، المعتقلات السياسية و التعذيب، و الفضاء السياسي و الحزبي الذي نعيشه، و تكللت أم المشاكل بالعشوائية الدستورية التي يستفتي عليها المصريون الآن و النتيجة محسومة للأسف. هذه كلها مساوئ الحزب الحاكم و يجب الإعتراف بها، و لكن ما تنساه حركة كفاية و أحزاب المعارضة الأخري المغلوبة علي أمرها نجاحات الرئيس مبارك التي لابد الإعتراف بها أيضاً و في مقدمتها السلام التي تعيشه مصر علي الساحة الدولية، و هو أمر يصعب علي أي قائد أخر في الوقت الراهن، لأنها معادلة سياسية غاية في التعقيد. فما يُحسب للرئيس هو هذا التوازن السياسي و عدم الانحياز بين مشاكل الشرق و ضغوطات الغرب. إذن نحن متفقين الآن أنه لا غني عن الرئيس مبارك، أو بمعني أصح غياب البديل الكفئ الذي يقدر علي قيادة سفينتنا مع التحفظ علي المشاكل سابقة الذكر. فأنا أعترف أنّي مررت بخداع و تضليل من قبل الحكومة في 2005 و ظننت أنها الشمس المنتظرة، و كان وهماً عريض المنكبين، و ما كان من الحكومة للشعب إلّا لفظتها الشهيرة المختفية بين طيّات كل قرار شموليّ لا مكان و لا مجال لرأي الشعب فيه: "عابدين الشعب!"

 

      وضحت لي الرؤية في 2007 بعد مرور عامين علي الوهم الأول و صدقت من قال لي لا تذهب، فما أشبه الليلة بالبارحة. و ما يعنينا اليوم، أو بالأحري لليوم و الغد هو أن نقول لا لتعديل الدستور و لا للتوريث، وتعديل الدستور اليوم ما هو إلا للتوريث بالغد. و مازالت تقشعر حواسي عندما أراني أتواني عن نُصرة الحق، و الذهاب بنفسي لأقول لا. و لكن أعود و أذكر نفسي أن هذا الكسل السياسي ما هو إلا نتيجة فشل الحكومة هذه المرة في إيقاعي في المصيدة، و لأنه لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين، قررت أن أنأي بنفسي عن استفتاء ذلك اليوم لأني أعلم جيداً أن رأيي لن يقدم و لن يؤخر المراكب السائرة. و لماذا أذهب و النتيجة مُفبركة قبيلاً من جانب مجلس الشعب المُفبرك قبيلاً أيضاً، ثلثي أعضاؤه ممتلئة بطونهم، موافقون. و الثلث الثالث ما بين نائمين و نافخين في إربة رثة بالية مقطوعة الأجناب. سيقاطعني بعض النابهين متهجمين: "أنت سلبي، و ابن…و ابن…" و لماذا أذهب و النتيجة محسومة من قبل بداية المعركة، و لماذا أدلي بصوتي في بلد لا تحترم هذا الصوت و لا تقيم له وزن ذبابة، قل لي لماذا إذن تحمل عناء المواصلات المصرية المذرية، و تحمل بيروقراطية عاملين الحكومة المثيرة للنرفذة. أعيب علي الحكومة عدم احترام ذكاء 70 مليون مواطن و الدعوة لتغيير سريع لمواد دستورية كثيرة، و نصف التغييرات فاسدة، و النصف الأخر من نوع العيار (اللي يدوش)، أي مواد أخري لتغطي السرطان الخبيث المنتشر في بقية المواد و التي تحول مصر لعزبة إقطاعية قبل ثورة يوليو. إنه سرطان خبيث في غلاف شوكولاتة فاخرة من مصانع سويسرا المتاخمة لحسابات عتاولة مصريين يمتصون دم الشعب الكادح. بنود من عينة تحويل النظام إلي نظام ديموقراطي، إمكانية ترشيح الأحزاب لممثلها في الانتخابات الرئاسية بحد أدني تمثيل ضئيل في مجلسي الشعب و الشوري لا يتعدي %2، زيادة تمثيل المرأة المصرية في البرلمان، و إقرار مبدأ المواطنة كانوا الممر الظاهري لتفويت أكبر عملية تشويه لدستور الزعيم الراحل السادات، لغسيل مخ 70 مليون مواطن، و وضعهم أمام أمر واقع يورث السلطة في مصر بلا شوشرة و لا وجع دماغ. التعديلات غامضة المعالم في كثير من مواضعها، و ما علي الحزب الحاكم إلا النفي، و لكن البعض الأخر لا يحمل إلا معني واحد و هو العزبة الإقطاعية السابق ذكرها، منها إمكانية حل الرئيس لمجلس الشعب في أي وقت دون الرجوع للشعب، إلغاء الإشراف القضائي علي الإنتخابات في مراحلها المتقدمة، إقرار قانون مكافحة الإرهاب بجانب قانون الطوارئ و الذي ينتشل مصر و يهوي بها لأكثر من خمسين سنة مضت، تحديداً في عصر الملكية أيام الدولة البوليسية، و الدستور المُعدل الجديد يقنن الإنتهاكات اللإنسانية التي كانت من قبل رجال القمع(الداخلية سابقاً)، و يسمح لرجال الشرطة بتفتيش عقر دارك بغير إذن نيابة، و الطامة الكبري انتقال الرئاسة لرئيس مجلس الوزراء في حالة عدم قدرة الرئيس علي القيام بمهامه، و الرسالة واضحة لذوي الألباب.

ما كنت أنتظره من التعديلات المزعومة هو تحديد مدة الرئاسة بفترتين أو أكثر، و إلزام تعيين نائب و وضع شروط ترشيحه. و لكن أيقظني كابوساً مجمله أننا نعرف من هو النائب، و من هو الأمير، و من هو الفتي المدلل!

الموضوع انتهي، و لكن لا أعرف لماذا يدفعني هاجساً الآن يقول لي: "اذهب و قل لا، و إرضي ضميرك." نعم يحركني الآن حب مصر، و آثرت إثر ذلك الهاجس الآن النزول!!!

 

*لمعرفة ال 34 مادة المعدلة، تفضل بزيارة: http://constitution.sis.gov.eg/ar/html/arconst.htm

                                                                          

                                                                                      أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في أخبار وملاحظات سياسية. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s