حمدي اللاوندى

عندما أفاق البولندى جابريل دوبروبوسلاف من غيبوبته التى ألمت به، لم يدرك أنه راقداً فى غرفة مستشفى إلا عندما وجد نفسه محاطاً بأسلاك متشابكة كثيفة التشابك، أطرق للحظات، فلم يتذكر شيئاً. ثم طرق بأصابع يده اليمنى الأربعة على مقدمة وجهه بحركة غاية فى الغريزية، فلم يتذكر أيضاً
حتى بعد أن أتت إمرآته العجوز -المذهولة من رجوعه للحياة بعد عشرين عاماً فقد فيهم الحياة،- و بناته الثلاث لمعهد الأمراض النفسية و العصبية بجنوب وارسو، لم يتعرف على هويتهم، مما جعل مدير المعهد – و هو المدير الثالث المتعاقب، و دوبروبوسلاف راقد – يودع أسرته مازحاً بجملة زادت من توتر الرجل، "لا يوجد فرق بين أن يتذكر أو لا، فالحال مختلف البتة عن 1987
."
الحق يقال أن هذا الطبيب العجوز السوفيتى الحانق لم يكذب، فكون دوبروبوسلاف لا يتذكر شيئاً فى مصلحته أكثر مما هو ضده، فمن يدرى لعله خر صاعقاً إن تذكر يوماً من عنفوان الشباب الماضى؛ لأنه الآن يتكئ على بناته حتى يصل للسيارة المرسيدس الفارهة التى تملكها إحداهم. لعله فر إلى مرقده مرة أخرى من هول الدهشة إذا تذكر يوماً من أيام جمهورية بولندا الشيوعية الشعبية التى أصبحت جمهورية بولندا، حيث انقشع غبار الفكر الشيوعى مع عدة أحداث أوروبية غيرت مسار القارة العجوز، فمن عشرين عاماً كان القحط يأكل البولنديين، و كانت المظاهرات العارمة فى الشوارع هى إحدى سمات وارسو، مظاهرة ثمانينية من أجل لقمة العيش، -و ليست مظاهرة ألفينية للمطالبة بزواج المثليين،- مظاهرات شعبية جارفة و فساد شيوعى جارف أيضاً، طوابير بلا نهاية؛ لشراء أى سلعة أساسية، حيث لا تكاد ترى آخرها. كل الموارد كانت جافة، و الطوابير و الناس بطول الشوارع… فما بالكم إن تذكر دوبروبوسلاف، و رأى بولندا اليوم، بولندا الليبرالية العلمانية الديمقراطية، بولندا اليورو و الفحش الإقتصادى، بولندا قلب أوروبا و شريانه الأوسط. الشعب الذى أصبح معتماً أمسى محلقاً فوق بحور العلم و الأموال و التكنولوجيا الذكية عند عقلة إصبعه، علاوة على هذا، لا يوجد طوابير، و السلع كثيرة و متعددة، هذا و أموال البولنديين تكاد تغطيهم لآذانهم

ذكرنى حادث دوبروبوسلاف الخيالى بحادثين، كلاهما يشبهه فى الخيال إلى حد كبير،،،

الأولى للعادل الشمرى من إمارة دبى المطلة على ساحل الخليج العربى… فبعد زمن معادل لزمن دوبروبوسلاف البولندى، إستفاق العادل من غيبوبته، و كان شديد الثقة أنه المنتقل إلى آوربا، و ليست آوربا هى المنتقلة إليه… ضرب به أصحابه المقربون لقب العادل الكهفى نسبة لأصحاب الكهف، من حيث طول مرقده بلا حراك. إستقبل الشمرى الثورة النفطية فى إنتصاف شبابه تماماً، و لكن الآن و عندما تجول متذكراً أيامه الخوالى ضرب كفاً على كف من ديناميكية الأداء فى إمارة دبى، التى كانت غارقة فى اليدوية من عشرين عاماً. أخبره صديقه المقرب أن ثورة النفط و الذهب فى فورتهما، و أنه من رابع المستحيلات أن تجد فقيراً يمد لك يديه فى دبى الجديدة. ذهل الشمرى من إقتصاد دبى المتين و عملتها البراقة الجاذبة لرأس المال، مشى فى شارع الشيخ زايد فارغاً فاه تجاه ناطحات السحاب العملاقة، السيارات الفاخرة التى لم يرها حتى عندما زار شيكاجو و ركب الشيفروليه العملاقة سنة 1984، و تعجب كثيراً من الأجانب الدخلاء الذى ظن بهم أنه ليس على الكورنيش الذى يعرفه جيداً، و لكن وضع صديقه حداً لخيالاته عندما وضح له أن هؤلاء إما عمال من آسيا و إفريقيا للعمل أو سياح أو مستثمرون من كافة أنحاء العالم يهرولون فى دائرة إقتصاديات دبى الفارهة! إنبهر كثيراً من منطقة جبل على و ميناءه الضخم، لم يفهم كثيراً -أو لم يحاول فهم- مشاريع مثل القارات السبع و النخلات الثلاث الذين ينجزون على قدم و ساق فوق مياه المحيط… لم يقدر أن يخفى فرحته عندما سمع فى كل مكان الكلام عن برج دبى الذى سيكون أعلى برج سكنى و إدارى على وجه الأرض، و تمنى لو لم تسرق هذه الغيبوبة ثلث حياته تقريباً، لعله شارك – و لو بالفهم – فى إنجازات إماراته الباهرة… توقف كثيراً عند تصميم فندق برج العرب، الذى ظل يراقبه لأكثر من ثلاثة و ثلاثين دقيقة من على الكوبرى المجاور، حتى ظن صديقه -الذى لم يفارقه منذ خروجه من المستشفى منذ الأسبوع السابق- أنه غط فى غيبوبة أخرى، و لكن الشمرى كان هناك حياً سابحاً فى ذكريات عميقة، شديدة العمق و القدم، معاً…

الثانية لمصرى لا يسعنى تذكر إسمه – فالإسم ليس مهماً جد، لأن غالبية المصريين مروا بإرادتهم أو بدونها هذه الغيبوبة، بل إن أكثرهم بدأ التعايش معها بالفعل. و لكن ما أتذكره جيداً هو أنه عندما أفاق من غيبوبيه الطويلة… وجد حارته كما هى، كما يعرفها، حيث لم يندهش من الطريق المفضى إلى تقاطع حوارى قريب، فالقمامة كما هى، و كأنها فى مكانها منذ عشرين عاماً، و لكنه لحظ أشباه عمارات تنمو هنا و هناك بعشوائية لا ينقصها تكاملاً إلا الألوان البشعة التى دهنت بها واجهاتها، لم يندهش ابن البلد هذا من الأرصفة المنكسرة، و البالوعة التى مازالت مفتوحة تلتقف المواطنين و الطرق المتعرجة المتموجة تموج بحر الساحل الشمالى. بل لم يندهش من وجوه الناس، فهى (مش غريبة عليه) كما قال بالحرف الواحد، وجد الناس مازالوا هلافيط يصفقون لأطول عصا تنخر فى مؤخرتهم، وجد أهل منطقته القابعة على طرف منطقة من مناطق (أولاد الذوات) كما يطلقون عليها فى حارة السكر و الليمون مازالوا بجلاليبهم الرثة و لحاهم المقززة، وجدهم مازالوا مصنفين فئات عمال و فلاحين، وجدهم مازالوا واقفين فى طوابير التموين و عيش (الطابونة) – مع الإعتذار للرأسمالية، – وجدهم لازالوا يحبون عبد الناصر و يمجدون الإشتراكية، و وجد عادات القرن المنقشع من تقاليد و روتين مازالت تحكم الأروقة الحكومية العتيقة التى تنبعث من أدراجها رائحة ترابية عطنة، وجد الشعب مازال شعب مظاهر يقتاده فقهاء دين مزيفين، هم فى الأصل عرائس متحركة على مسرح حمدي بك اللاوندى. إندهش كثيراً من مشهد محجبات عاهرات – فالحجاب هو مشهد واحد من مسرحية سقيمة سخيفة تدعي الدين و هي في لأصل تتاجر به و تزايد عليه، إنه مظهر من مظاهر إنحطاط أخلاق دولة المظاهر – يجوبن أزقة ما تحت الكوبرى باحثات عن نسائم العشرين جنيه من موظف ميرى كحيان قد ترمى به شهوته هناك يدعمها زخم إمرآته الدهنية البدينة التي فقد منها أى أمل، و لكنه لم يندهش من أجسام البشر المترهلة و وجوههم المصفرة، فهى كما هى.
لم يندهش من منظر حمدي بك اللاوندى البيزنطى، متقلد سدنة الحكم منذ أكثر من ربع قرن، وجده هو نفس الحاكم بأمر الله و الوطن، و حزبه هم الغالبون، و وجدهم مازالوا يحتفلون بعيد ميلاده كأكبر معمر على وجه المعمورة، و حتى فى الأزقة المجاورة، لم يندهش من نفاق حاشيته، و فسادهم، و فساد أخلاقهم، لم يندهش من المحسوبية و البيروقراطية و الرشوة، بل لم يندهش من المعتقلات الجائرة التى لطالما سمع عنها قبل إنتقاله، و عرف أنها اشتدت ضراوة و ازداد جلادوها وحشية و جبروتاً و لا إنسانية من كثرة الفرائس و انعدام الرحمة. و لم يندهش – أيضاً – كون حمدي بك اللاوندى مازال محتفظاً بأقوى نفس فى الإجهاض على (أيتها) قوة داخلية – مهما تكن هشاشتها – مقارنة بعظم جنده – أن تفكر – مجرد التفكير – في الوقوف أمام نبوته الضخم.
وجد اللاوندى ازداد سعادة، و الجرابيع ازدادوا جرابيعاً! وجد إتساع الهوة بين أتباع اللاوندى و أنصاف الجرابيع على أشده. كل دهشته إنصبت على كيفية حفاظ حمدي اللاوندى بقوته رغم تقدم سنه، و ببشرته الفاتحة (من عمل المساحيق) و بوجهه المستدير المحمر كل هذا الوقت رغم انتشار كل هذه الأمراض فى الحوارى المحيطة، و أيضاً ما زاد من دهشته قيراطاً أنه لم يجد شعره قد خطه المشيب، بل على العكس تماماً إزداد كثافة و لمعاناً – و أرجع بعض المراقبين سبب لمعانه لاختراع الجل. بل و وجد كرشه منتفخاً من كثرة فلوسه و ندرة حركته، بينما يموت من حوله جيرانه جياعاً، و ينام أولادهم بلا عشاء فى كثير من الأحيان.
لم يندهش الرجل من أحوال أسرته، عندما طرق عليهم باب الكوخ الخشبى على الجانب الأيسر من الكوبرى ناحية منطقة السادات، حيث ظل الكوخ على هيئته المتواضعة، و لكنه شك أنه تزحزح بعض المترات للخلف لأن درابزين الكوبرى مائلاً بشدة يساراً فى مكان الكوخ قبل عشرين عاماً، و كان شكه فى محله… فقط، وجد إمرآته مسرطن رحمها – من خضروات نمت بمبيدات لعينة، – تملأ عينيها حسرة و ندم لا يحتملان، حيث لا تقدر على مصاريف العلاج. ولده الأصغر مات منذ تسع سنوات فى مكان قريب جراء حادث أليم، حيث دهسه (ابن ذوات) من (بتوع) حمدي اللاوندى و أعوانه، و لم تعرف الأم لضيق ذات اليد أخذ و لا حق و لا باطل، فقط أهينت فى كوخها و ضربت و خطف ابنها الأوسط لتتنازل عن القضية التى رفعها لها (محامى ابن حلال) من منطقة السادات القريبة، و اتهمها جارها قاطن كوخ على بعد أمتار (بالغباء، و برفس النعمة) لأنها لم ترض فى الأول بـ5 (تلاف باكو) للتنازل عن القضية، و تنازلت (بلوشى) غصباً عن أنفها فى الآخر. اقشعر بدنه عندما رأى إبنه و فلذة كبده الذى تعدى الثلاثين بقليل، و قد تضائلت عضلاته بشدة و (كش) على حد تعبير أمه، من قلة الأكل و كثرة (السرتنة) و شرب (السبرتو)؛ لأنه لا يجد عملاً و لا مأوى يستطيع فيه باءاً، و نصف الدريهمات التي تأخذهم أمه كل أول شهر يشترى بهم (بانجو.)
أكثر ما شرح قلبه فى ظل هذه الهموم الكثيرة، هو علمه أن إمرآته تتقاضى 35 جنيه عن تنظيف الشقة الواحدة فى اليوم، و هى التى كانت تأخذ 60 قرشاً من عشرين عاماً عن شقة فى نفس المساحة فى نفس المدة، و اندهش، كيف يكون معهم 35 جنيهاً (بحالهم،) و لازالوا يقطنون بنفس الكوخ؟ و أفزعه من أحلامه صوت ولده الكبير بعينين غاية فى الحمرة غلب عليهم الحول، و وجه شاحب سرحان، و لسان كثير اللعثمة يصدر عنه صوت رتيب محشرج، "يابا، 60 قرش من عشرين سنة أحسن مليون مرة من 35 جنبه انهارده…" فكر الرجل الأصلع قليلاً و أطرق، و تمنى لو أن يرجع لموتته الأولى…

                                                      أحمد زيدان  

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s