موت النهر الحالد

    
                                                                       موسيقار الأجيال الأول و الأوحد 

   أثناء ظهر يوم من آخر أيامي الصيفية، و أنا داخل غرفتي المكيفة أنظر على الجانب الآخر من العالم الخارجي الحار المفترش أمامي، و الذي لا يحول بيني و بينه سوى الزجاج الأبيض الشفاف. أبحر بنظري بعيداً عن أشعة الشمس التي تكسب كل شئ يعكسها صفرتها المألوفة… أظل متلفتاً حتى يشدني الجزء الشمالي الشرقي و هو الجزء الأجمل من غرفتي حيث يطل على عرض النهر من موقعي هذا على كورنيش المعادي حتى قرب حلوان، حيث لا يمنع ذلك المنظر البديع شيئاً مادياً، و لكن كثيراً ما ينشغل عنه الإنسان بأفكار و هموم و مشاغل و مصاعب الحياة الفسيحة.
  وقفت برهة ناصب عيناي من خلف عدستي النظارة صوب النهر، و أنا أستمع و أستمتع بأغنيتي المفضلة "النهر الخالد" لمطربي الأعظم محمد عبد الوهاب، حيث صوت التكييف و حرارته المنخفضة – الذين أعشقهما – يولدون عندي مع المزيكا انتعاش مذهل و راحة نفسية تتفجر معهما طاقات الإبتكار الكامنة بروحي، و طلاوة الأفكار و حلاوتها، و وقود الإفتكاسات الطازجة، بل و أشياء أخرى كثيرة.
  فكرت أول ما فكرت في ذلك الفنان العظيم، عبد الوهاب ذاته، صوته العذب الأصيل الذي لا يخلو من بُعد روحي كبير، و عوده الذي لم يفارقه طيلة حياته. فكرت في موسيقار الأجيال و عشقه الحقيقي للموسيقى، و كيف كان بإمكانه – بكل سهولة – خطف – كل – الأضواء من أم كلثوم لو كان قد أعطى للغناء وقتاً و جهداً كما أعطى للتلحين و العود. محمد عبد الوهاب مبدع القصائد الشيقة مثل، "يا جارة الوادي،" "عندما يأتي المساء،" و "الجندول." محمد عبد الوهاب المتأدب بأدب شوقي الرفيع عندما غنى مسرحية "مجنون ليلى" مع أسمهان، و هو أيضاً مبدع أغاني العامية، الأغاني القوية، مرهفة الأحاسيس و المعنى، و التي تركت بصمة كبيرة في تاريخ الأغنية العربية على مر الأجيال، بصمة لا تقل بأي حال من الأحوال عن العظيم سيد درويش، فعلى سبيل المثال لا الحصر من أغاني عبد الوهاب الرائعة، "عشق الروح،" "أنا و العذاب و هواك،" "يا مسافر وحدك،" "لا مش أنا اللي أبكي،" "بفكر في اللي ناسيني،" و غيرهم الكثير جداً من الإبداعات في التلحين و الموسيقى عامة، فعبد الوهاب كان على درجة عالية من الثقافة و الإنفتاح في زمن كان الإنفتاح فيه مقتصر على الأرستقراط فقط، فأدخل كثيراً من المقامات و الآلات الغربية ليصهر مبتكراته جمعاء تحت إسم جد خالد لن يموت أبداً – محمد عبد الوهاب.
  ثم سحبني موج التفكير للكلمات العذبة المعبرة و اللحن الجميل الهادئ مع الأداء المذهل لعبد الوهاب في هذه القصيدة "النهر الخالد،" هذا الجو الموسيقي المفعم الملتهب للأحاسيس و الصور و الإستعارات، قد يشعرك – و لو كنت في الصحراء الكبرى – أنك محب من الحيارى تهيم على شاطئه الرحيب، أو تسترخي على حافة رطبة من حوافه تحت النخل الباسق في جو ربيعي هادئ، تقتبس من ضوء النهر المسكوب و ترتشف من خمرة الأصيل، في صحة محبوبتك…
  خرجت من هذا البيئة الحالمة لبيئة مختلفة تماماً أعاينها بأم عيني، و هي سكون النهر الخالد تماماً عن الحركة، و كأنه ضحية حادثة في استقبال طوارئ قصر العيني تعاني من شلل تام، أو كأنه صورة فوتوغرافية قديمة باهتة من أيام السينماتوجرافيا. جعلت أبحث في كلمات عبد الوهاب عن شئ أراه مرتشحاً أمامي، و لكن – و مع صدق عناء البحث مني، و صدق إيحاء الموسيقى من عبد الوهاب – لم أجد تماماً، و كأن عبد الوهاب يغني للأمازون مثلاً. و لكني استطردت سريعاً بعدما تذكرت أن الأغنية من زمن عبد الوهاب، و لكني أنا – بكل أسف – من زمن تامر حسني!
  المسافر الذي كان زاده الخيال، الذي شابت على أرضه ليالي العظمة و الرقي و الفن و الإبداع و التاريخ، النيل الذي اخترق مصر من جنوبها لشمالها ينشد الديار و يبث الرخاء و الأمل و السعادة من أيام الفراعنة العظماء حتى نهاية الزمان، و من يدري فلعل عظمته توغلت لسنين أعمق في تربة التاريخ الممتدة، المتشابكة، و الكثيفة… مما جعل هيرودوت يعتبر مصر كلها هبة من هبات النهر المقدس التي لا تنتهي. فهو – و كما قال عبد الوهاب – ساحر العيون، واهب الخلد للزمان، ساقي الحب و الأغاني، النهر الذي يحاكي الشمس، و يعبث بأحشاء و نتؤات القمر في سهرات الإكتمال (الصباحي)، و الذي يرتوي بمياه السحاب، و يتغذى على الطير، و يجلس حوله الصبايا يلهون في مرح بالغ، و – في نفس الوقت – ينتج تاريخاً زاخراً و خيراً كثيراً للناس حول ضفافه عبر التاريخ، في تبادل فطري طبيعي بحت بين المياه العذبة و الإنسان – الذي يتكون معظمه منها، أساساً.
أرأيتم كيف كان النهر عندما غنى له موسيقار الأجيال، و لكن كيف حاله الآن؟! – لا يسر عدو و لا حبيب! نهر النيل، النهر المقدس الضارب في أعماق الزمان الأولى، لا يكترث به أحد اليوم على الإطلاق. و قد جعل نفسه مرآة للوضع من حوله، شيمته من شيم أهل داره، فعندما كان من حوله عظماء يقدروه، أناس محترمون سلوكهم طيب و متحضر، كان خالداً متبسماً لهم و يبدو في أجمل صوره، يعكس الخير و الرخاء و الأمل و الرقي. و لكن عندما يكونوا – أهل هذا الزمان – من أقذر من عاشوا على ضفافه منذ القرون الأولى، فغدا هو بدوره مشلولاً لا تسعه أمواج، و لا تحركه نسائم، و لا يغازله طير، يعكس – كل ما يعكس – خيبة الرجاء، و فقدان الأمل، يعكس الوضع القاتم البغيض الظالم. فكأنه العجوز المشلول، هو نفس الشاهد على تاريخ هذه البلاد منذ فجرها العميق، الجد الذي هجره أحفاده، بل و حجروا على كل ما يملك، و عاملوه أقسى معاملة… الكهل يتحسر على ماضيه الآن، ماضي عنفوان أيام الشباب الأولى، و لياليه الشهوانية مع ملكة النيل في أكثر أثوابها إثارة و سخونة، عندما ارتبط بحضارة شعب مصر القديم برباط كاثوليكي وثيق لا يقبل الإنفصام، و لكن أبناء اليوم – على ما يبدو – جاءوا خارج قدسية هذا الرباط…فانقطع الرباط الوثيق…و بكي النهر…و مازال يبكي، يبكي شبابه الضائع و أحوال شعبه المذلة…يبكي بحرقة شديدة…شديدة…و يقف، يقف و لا يجري…و تهرع أمواجه في مغبة محاولات الهروب الأخيرة، لعله يهرب للماضي، يهرب…يهرب، و لا يرجع…و الآن – و بعد استغاثات و بكاء دام طويلاً – تسود جبهته من كثرة ما تعرض له من ذل و مهانة من أبناء اليوم، و تشيب معالمه و تتحطم عظامه، و لا يكمل المسير…و يلعن كل شئ…و يتألم…آلام مكتومة يلفها الأسى و الحسرة و التنهيد، و وحشة الإنفراد، و مأساة الهرم في ظل الوحدة البغيضة، فقد فقده من هم أقرب الناس إليه…فيصرخ…صراخ الإنذار الأخير…و يرتعش…إرتعاشات الإحتضار الأخيرة… و ينسى – أو يتناسى – ذاكرة السنين؛ من شدة آلام المغيب، و يقارن – بصعوبة بالغة – بين الأبناء المتعاقبين، و كأن أبناء اليوم هم أولاد سفاح، و ليسوا أولاد مصر…لم يعد خالداً، بل و لم يعد نهراً، و لن يعد؛ حيث فقد كثيراً من دماء الشباب و خلايا الأصدقاء الأوفياء… إفتقد إخناتون و نفرتيتي كثيراً، رمسيس و شجرة الدر أكثر و أكثر، إفتقد إلى قطز و محمد علي، الطهطاوي و إسماعيل، و افتقد أيضاً قاسم أمين و محمد عبده، عرابي و زغلول، ناجي و شوقي، حافظ إبراهيم و هدى شعراوي، عبد الوهاب و أم كلثوم، السادات و محفوظ، العقاد و المازني و طه حسين… و غيرهم آلالاف أثروه عبر تاريخه الحافل، و قدموا له كنوز الثقافة، و المحبة، و التحضر… و لكن ماذا قدم له أبناء اليوم؟! – عفواً أبناء السفاح؟! – قدموا له أشياء أيضاً… مثل البول و البراز و زيوت المصانع – هذا إن كانت مصر لديها مصانع، و المصانع تعمل و لديها زيوت، و هي إفتكاسة كتب عربي إبتدائي – و سحابة جميلة من حرق قش الأرز و إستحمام البني آدمين فيه، (و مش بعيد إستحمام الحيوانات أيضاً،) و إلقاء القاذورات و الحيوانات النافقة في حرمه، و البصق (و المواعين بقى و اللاذي منه)… لازم يموت…حرام عليكم…لازم يموت…و كان موت النهر الحالد…

* الصورة من ويكيميديا، و هي ذات مصدر مفتوح.
                                                                       أحمد زيدان                                                                           

Advertisements
هذا المنشور نشر في كلاسيكيات القرن التاسع عشر. حفظ الرابط الثابت.

10 Responses to موت النهر الحالد

  1. ismail Durmaz cep 05364239791 كتب:

    İSMAİL    DURMAZ

  2. fahd كتب:

    ba7ebbak ya 3abwahab
     

  3. zikas كتب:

    اكتر حاجه غاظتني , إن اوضتك مكيفه,
    انا الموضوع ده معقدني في عيشتي لأني معنديش تكيف في اوضتي ونفسي اجيب تكيف بقالي سنه  ,
    انا هدعي عليك يتحرق
    هه
    http://shitysillylife.blogspot.com/
     
     
     
     

  4. Ahmed كتب:

    طب أنا عايز عربية… ياكل؟!!!
    :d

  5. Dying كتب:

    It\’s  Great .. Its Awsome..  Iam glad cuz u   could  pass the test U make To Ur self… Hell ya  Dude

  6. shre كتب:

    منذ قرأت تعليقك الاول بمدونتىوانا اعلم علم اليقين انك انسان متميزانسان مختلفعن الوجوه الكالحه التى تطالعنا يوميا عادة استخدم هذا التعبيرمختلف انت عن القطيع المتشابهة اشكالة والوانهاقرأ كلماتكالتى تتراص كسلاسل من الذهباشعر بمكيف غرفتكامظر من وراء كتفك الى نيل المعادى واستمع الى النهر الخالدوارى معك كم الاساءه التى يتعرض لها نيلناوما يستفزنى اكثرعندما تحاول ان تشرح للناس كيف ان النيل كان مقدسا عند الفراعنهتجد الموضوع تحول الى ان نتنصل من فرعونيتنا لان الفراعنه كانوا كفرهاختنق من تفكير الناس الابلهاستفزعندما اجد من يبصق على رمسيس التانى بالمتحف المصرى لانه كان فرعون موسىلقد اصبحنا امة جاهلة غبيةمن يتنصل من تاريخهوحضارته بدعوى التدين انسان احمقنحن فى طريقنا الى التنصل من عظمة ماضيناوهذا ما يجعلنا فى الطريقان نصبح امة بلا مستقبل————————————————————–تساؤلك يا احمداذا سمحت لى ان اناديك بهذا الاسم بدون سيراوزيداناجبت لك عنهفى موضوعالجنس حتى الموتتحياتى لك ولقلمك المتمرد

  7. Ahmed كتب:

    شكراً لك شيرين على تعليقك الصادق…و شكراً لك لعقلك المستنير…شكراً على كل شئ…
    ناديني أحمد، ناديني إسحاق، المهم أن أراك تدونين و تعلقين و تضربين ظلام العقول الدامس بسيفك الذهبي اللامع، الغاية في الجمال و الروعة.إلى لقاء، يا صديقتي… 

  8. Bahy كتب:

    احمد
     
    وجدتك بتعليقك عندى
    تشكرنى على عقلى المستنير
    وتشكرنى على كل شئ
     
    اشكرك انت
    على تمدنك
    على تحضرك
    على عقلك انت المستنير
    المختلف
     
    اعذرنى انك كنت ارد على تعليقك هنا
    عندك
     
    لكنى بهذا الاسلوب
    اشعر انى اوجه اليك انت الكلام مباشرة
     
    فان كان فى هذا تعدى منى
    ارجوك اخبرنى
     
    وانت انهيت تعليقك عندى
    مخاطبا اياى بصديقتى
     
    لن تعلم ابدا مدى تأثرى بهذه لكلمه
     
    فالى لقاء قريب
    يا صديقى المقرب
    ا صديقى المختلف
    المتميز
     

  9. shre كتب:

    احمد على ردك علىفى البلوج بتاعىكل اللى اقدر اقولهi am speechless

  10. Martina كتب:

    PUZZI DI MERDAAAAAAAAAAAAAAAAAAA

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s