عقلي سيارة مصفحة




لم أسترح يوماً ما في سيارة أحد أو حتى في أوتوبيس نقل عام القاهرة الأحمر في أبيض، لم أسترح يوماً مع سائق يسوق بي إلى حيث يشاء، أو حيث تشاء مركبته، كنت – و مازلت – دائماً أقود دراجتي بنفسي، أبحر بلا قبطان… تمنيت دائماً سيارة خاصة بلا سائق، أقودها أنا وقتما شئت حيثما شئت.
  لم أسترح عندما ارتديت عباءة الفطرة، و لم أقاوم إغراءات النفس أمام وراثة الأخلاق، و أحياناً ما اتهمت الدين باللامنطقية و رجاله بالهمجية و التربح بكلامهم مثل العاهرات البائعات لأجسادهن، لم أسترح في أي مركبة تشكلني و تحدد خطوطي الحمراء، لم نخلق سوائل لكي يتم تشكيلنا بوعاء يحتوينا جميعاً، بل أن كوب يجبر الماء على احتوائه، حتماً يتسرب منه الماء و يزيد عن حدها و طاقتها، بل و يتفجر، فلست أنا هذا السائل، بل دائماً كنت كالحجر تترسب علي طبقاته الحفريات فتتشكل بشكلي، و تكون ساتراً خاصاً و عناداً متحجراً معاً.
لم أعبأ يوماً بالقوانين، و كثيراً ما التففت حولها بطريقة ميكيافيلية لتحقيق مكاسب ترضيني، و تشبع نهمي نحو النصر – و الإقتناع العقلي أيضاً.
  لم تتكون تلك الحفريات على عقلي الصغير، بل و لم أسلك درباً محدداً بعد، كل السدود تبدو قابلة للكسر، و كل الطرق تبدو منحدرة، بل شديدة الإنحدار، و أنا بدوري تركت كل الأوتوبيسات الجماعية التي تنقل القطيع، و كل السيارات الخاصة التي تنقل قواد القطعان المختلفة. تمردت… هربت  في أول الطريق… أبحث عن سيارة “تلمني” و ترضيني، أبحث عن جمعية فردية ترضي طموحاتي و تقاسمني أحلامي و ليس عن جماعة تجمعني و إياها فكر؛ فالإنسان خلق ليفكر بطريقته حتى إذا تبارى في سباق مع سيارة أخرى، كان السبق له.
في مهب الرياح أنا، لا أدري مواصفات سيارة أحلامي، أشاهد السباقات هنا و هناك، و العروض كثيرة للإشتراك، و لكني لن أعترك إلا بعد التدريب، و لن أدافع عن ألوان سيارة لم أشترك في صنعها، أو حتى في اختيار ألوانها… تشكك… ترقب… حيرة و قلق، لماذا؟! و لماذا؟! كثيراً ما أتأثر و أنبهر و أندهش، و هذه علامات صحية… لماذا؟! لأن الدهشة تولد نفس السؤال مرة أخرى!

إذن أنا في مرحلة البحث عن سيارة مناسبة، أو في مرحلة تعلم القيادة؟ لا أعلم حقاً، و لن أكون مبالغاً لأقول أني وجدت سيارة مناسبة لأني لم أجد بعد، و لكن مادام العقل يعمل بلا انقطاع، و يقارن، و يتسيس، و يتفلسف، و يتأثر، فإنه في مرحلة الشباب، مازال متهوراً، و متسرعاً، و أحمق، نعم فالحمق دليل على التشكك، و التشكك دليل على مرحلة جمع الأموال الكافية لشراء سيارة مناسبة… أجمع المال من مصادر مختلفة بطريقة التقارب، و لكن كلهم يدخلون نفس الجيب – جيبي.

مرحلة جمع الأموال ستتبعها مرحلة بحث، ثم شراء، ثم تعلم القيادة، و كلها مراحل يعمل فيها المخ بنسبة كفاءة عالية تتفاوت من مرحلة لأخرى، و لكنها عالية على كل حال، ثم تجئ مرحلة القيادة و التمرس و الشيخوخة أيضاً، و يقل استخدام المخ أثناء القيادة، و لكن لا تقل كفاءة القيادة، بل تزداد مع الخبرة، و هنا يمكنك تغيير السيارة بسهولة لتناسب مقامك و سنك، بل و يمكنك إضاقة الكماليات و الإكسسورات مثل تحابيش أكلة سمك بحري على خليج العقبة. و لكنها سيارتك الخاصة و أفكارك الخاصة على كل حال، و لن يتحكم فيك أحد بعد ذلك، بل جاء دور طبقات التسليح حول أفكارك، و مراحل تصفيح سيارتك.

تائه… مشرد… غريب في بلاد غريب؟ مؤكد ذلك! تافه… عديم القيمة؟ احتمال قائم! كافر… ملحد؟ قد يكون! مارق… مندهش دائمأ… معتقد في نفسي لأقصى الدرجات؟ أينعم! أناني… شهواني؟ أساسي! هوائي… متقلب المزاج… من منا ليس كذلك؟! مادي؟ بل تجريبي لأقصى الدرجات. متحرر… مؤمن بالإنسان و بحريته و بالمساواة و العدالة تحت القانون؟ جميل. أحسد كل صاحب عقيدة و مبدأ ثابت – أو سيارة ملاكي – لأن النفس تنزع إلى الراحة، و أنا مهلك و منهك القوى. بماذا أحلم؟ أحلم بحديد تسليح حول قصر منيع و ليس كوخ في مزرعة و لا مبنى حكومي و لا منزل عائلي ريفي متوسط… أحلم بعقد قوي محكم أقتنع به، فأعتقد فيه، فأعتنقه و ليس بسبحة صيني خرزها منفرط باهت ملمسها خشن و كل خرزة في اتجاه… أحلم بجزيرة ظليلة، بشاطئ عريض ينتشلني من وسط المحيط الملئ بالقروش و الغرق، بسفينة نجاة ترمي لي طوقاً أبيض لا يشوبه الخوف و القلق، ينقذني من جليد أيامي و مجون فكري و اضطراب موج عقلي الهادر. هذا الاضطراب لذيذ؟ نعم! لذة لحظات الجماع الأخيرة، و توتر متسلقي جبال الهيمالايا، و قلق نتيجة الإمتحان، و لكني أحلم بقشعريرة الاستقرار و راحة بال… أحلم بعقل قائد ماهر يعرف كل الدروب و المتاهات… أحلم بعقلي سيارة مصفحة.

* الصورة من موقع أمريكي لبيع الأزياء التنكرية.


أحمد زيدان
 
 

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s