الدّين: موسيقى

أرقص؟؟


   
من خلف معطفها الأبيض الكثيف، جلست أشاهد الحركة و الحراك في كلّ اتجاه بمسافة ليست ببعيدًة عن جسدي المنهك و ليست قريبًة كذلك، و لقربه النسبيّ لمجال نظري، فالمعطف هو أكبر الأشياء حجمًا أمامي، ثمّ شعرها الأشقر الكثيف المتدلّي على جانبيّ الكرسي و خلفًا على المعطف، و ثمّ من بعدها الراقصون و الراقصات يتلوون بأجسادهم و أجسادهن بخفّة و رشاقة بالغتين مع اللحن المتزايدة حدّته و المنبّعث من سمّاعات ضخمة على يمين و يسار الديسكو الصغير الذي يتوسّط قاعة كبيرة. على يمين المرقص غرف لتغيير ملابس العارضات و العارضين و دورتان مياه، و على يساره بار كبير و باب الخروج، أمّا خلفه فالكواليس معتمة كالليل خاج هذه القاعة. لعل أحدًا لم يتفحّص ما تفحّصته، و لا حتى نظر للكراسي الكثيرة المصطّفة حول الديسكو، و لا حتى للتلفاز الضخم أو طاولة البليارد في أقصى يمين القاعة الكبيرة؛ فكلّ جاء لغرض وحيد – الرقص ثمّ الرقص ثمّ الرقص.
إذ استرحت من الرقص لبرهة و بدأت بلعب لعبة بسيطة تتلخّص في سد أذنيك عن كل هذه الموسيقى الصاخبة و الضحكات و الهمسات، لخيّل إليك أنّ كلّ هؤلاء الراقصين ما هم إلا مجانين يتلوون و يتمايلون في الهواء بلا أدنى سبب، و لكن إذا سمحت للألحان بالتسلّل إلى أذنيك واحدة تلو الأخرى، فسريعًا ما ستختلق لهم أعذارًا كثيرًة – إنّهم في عالم آخر… فلمّا أصمّينا أصابعنا بإرادتنا لم يكن في عالمنا موسيقى، و لكن عندما أزلنا أصابعنا، و فتحنا آذاننا، و سمحنا للموسيقى بالتسلّل إلى أعصابنا دخلت الموسيقى مجالنا، و بالتالي دخلت إلى عالمنا الخاصّ، إذن فلكلّ شخص داخل هذه القاعة عالم مختلف نسبيًّا عن بقيّة الأفراد مع أنّ المكان و الزمان واحد، و ما نفعله وقتما نتماهى بالرقص هو تمامًا ما يوازي تداخل كلّ هذه العوالم مجتمعة كحلقات مختلفة الأشكال و الألوان و الأحجام متصلّة أو منفصلة بنسب مختلطة، فيتأثّرون و يؤثّرون في بعضهم الآخر.
و أحيانًا قد نختار أن نشترك مع أحد الموجودين في عالم وحدنا دون بقيّة الناس، و أحيانًا لا. على كلّ فهذا عالمنا الذي نتحكم فيه إراديًا.
و هكذا إذا أغمضنا أعيننا، و سمحنا للضوء بالتسلّل لمجال رؤيتنا، لنعيد نفس الكرّة.
   
   و كأن الجميع يرقص حول شعرها الذهبيّ الناعم الأنيق، و كأنّ رأسها هي الشمس و من حوله الكواكب تتمايل باتزان على إيقاع موسيقى الأفلاك، أو كأنّ رأسها ليست إلا نارًا في صحراء سيناء تبعث الحرارة و النور للمجتمعين حولها ليمرحوا و يلهوا، أو لعلّها مركزًا في مجال مغناطيسي شديد الكثافة و حولها نقاط سالبة تقترب و نقاط موجبة تبتعد، و لا تفتئ النقاط أن تتبدّل إشاراتها على أضواء القاعة الخافتة و الإيقاعات المتعرّجة فتنشط مع ارتقاع الإيقاع و تتخافت مع إختفاءه.
تلتفت، و يلتفت معها الكون، لتسألني عن ولّاعة… عفوًا، لا أدخّن… شكرًا… و فجأة ينهض الكون، و كأنّ كل البراكين و الزلازل و الأعاصير قد هبّت معه، و لكنّها من الرهافة بحيث لم تنسف القاعة، فهي كالمدّ في شدّته و النسيم في رقّته، فهي قد اكتفت بإيقاد القاعة بطاقة على طاقتها و بجنون فوق مجونها – فلعلّها هي الموسيقى ذاتها قد تجسدت لي في امرأة ملائكيّة. تشعل سيجارتها البيضاء و التي تبدو لامعة على وقع أضواء الديسكو الخافتة، فأضواء الديسكو تجعل من البياض لون ساحر لامع، و لكنها تطفئ السواد، و لكن هربت من هذه القاعدة بسواد فستانها الإيطاليّ القصير، و قد ارتدت حزامًا فضيًّا و حذاءًا أسودًا طويلًا، و كان لها وجه أبيض جرئ قد لفحته حمرة شمس سواحل البحر الأحمر و كانت به حليمة، و عيناها تشعّان إثارة و فتنة تملأان قاعة الرقص بأمواج بحور زرقاء لا شواطئ لها و لا نجاة منها أيضًا. و قد أمسكت بزجاجة بيرة في يمناها تغوص في رغوتها حدّة الإيقاع و شخصي و شخوصي، الزجاجة التي بدت سوداء على أضواء المرقص المرتعشة و التي تشبه ارتعاشات سطح بارد متوتّر أو ارتعاشات مهبل جائع بعد جماع خاطف، أمّا في يدها اليسرى فكانت السيجارة بوهج اشتعالها و كأنّها نقطة حمراء وسط ظلمة كوكب الأرض فتشير إلى موقع نشاط البركان.
اندمجت هي في الرقص و ذابت وسط الجموع و انجلت على نبضات الموسيقى و النور، فلم أعد للتأمّل في رهافة جسدها أو أناقة ملبسها أو إثارة ملامحها مرّة أخرى، فهي حينما قامت قد تركت لي مساحات أكبر للرؤية كانت قد شغلتها منذ قليل و لم يكن خيار لعيناي سوى مراقبتها، و بعد اتسّاع حدقتيّ عيني ثانية كمؤثّر فسيولوجيّ ليليّ لالتقاط أكبر حزم من الأشعّة الخافتة، اتضّحت لي بعد الرؤى التي كانت توقّفت لقليل؛ فقد صطلت الموسيقى الساهرين و تسلّطت بدورها علي عقلي أيضًا، فمع الموسيقى الصاخبة و الرقص و اللهو اللائي أحبهن، أجد مساحات أرحب للتأمل في الشخوص و العلامات، و لعلّني أستنفر أقصى طاقاتي الإبداعيّة في وقت قصير للتأمّل قبل معاودتي لأخذ مكان مرّة أخرى على المرقص يتجلّى بتداخلي مع هذه العوالم الهائمة الأخرى بلا تفكير و لا وعي و لا تأمّل – عفوًا، إنّه ليس مكانًا بالضبط، فكلّ واحد من هؤلاء لا يدري أين مكانه تحديدًا، فهذه الحالة الخاصة جدًا عندما تستدرجك تحت تأثير الموسيقى و الشراب، لا تدري حقًا أين أنت؟! فروحك قد هامت و أخذت موقف الطائر الذي يدور و يصطدم بأرواح عوالم أخرى في المكان، الأرواح التي شرّفت لنفس حالتك المزاجيّة تقريبًا، أمّا جسدك الفعليّ فهو ليس بالضروريّ على الأرض، فوقتذاك تتساقط معظم الحسابات الفيزيائيّة من الإعتبارات الخاصّة مثلما تساقط قطرات الندى في صباح يوم ربيعيّ. و لعلّ أجسادنا تطفو على سطح بحر هائج أو تطير فوق أرض المرقص في هذا الوقت – لا ندري حقًا، فالحالة لا تعوزها لتفكير فيها و لا تكفير بها. فهي أقصى مراحل الإنسجام و المتعة في الحياة بشئ غير الجنس، أو لعلّها نفس اللحظة التي تسبق الذروة الجنسية الإنسانيّة – إنّها لحظة فقدان الإحساس بكل شئ، بل فقدان كل شئ، إنّها لحظة انعدام الوزن و الكتلة، أو لحظة اللاعقل أو الفراغ، فقط، وقتها، قد تستطيع أن تجزم بأنّ عقلك خالي من أيّة كهرباء، فكلّ شئ قد توقّف حتى الكرة الأرضيّة قد توقّفت عن الدوران، و تعطّلت كل وظائف جسدك الحيويّة لا إراديًا بالتبعيّة للحظات التحلّل الزمنيّ و المكانيّ، إلا أذناك اللتان تجاهدان كل المؤثّرات العكسيّة المحفّزة على الثبات لتلتقطان كلّ موجة صوتيّة منبعثة من نغماتك المفضلة على حدّة و تفصلّانها لأقصى انتشاء دماغيّ، و أطرافك التي تبذل كل جهد إضافيّ لتتوازن في اللااتزان السائد كالإخطبوط بحركاته الشبه آليّة المتتابعة التي يجهم فيها العقل و يطرق – أو هي أقرب للجنون العاقل. إنّه انعدام الوجود مع التنفّس، بل لعلّك لا تشعر برئتيك و لا بقلبك وقتذاك – إنّها العدميّة القصوى، أو أقصى العدم.

   لقد قرّرنا جميعًا، و نحن في وعينا الكامل، أن نفقد وعينا. لقد قرّرنا بلا اتفاق مسبق أن نتفق، بلا شعور مسبق أن نرتقي لأقصى شعور، لقد قررنا أن نوقف الزمن للحظات لنعيشها خارج نطاق حسبان جاذبيته الروتينيّة – فحينها لا جاذبية تعلو فوق الموسيقى و لا صوت يعلو فوق النشوة. فأنت، و أنا، نتخلّص من شحناتك العصبيّة الزائدة، و من دهونك أيضًا.
لقد اجتمعنا و اتصطلنا و ابتسمنا و تماهينا و تمايلنا و تراقصنا و تعانقنا و ضحكنا حتى يرتقي كلّ منّا لهذه اللحظة، معًا أو لا، فهذا لا يهمّ كثيرًا، فحينذاك كلّ إحساس بأيّة عوالم حولك أو أجسام قد فُقد كخدر نشويّ خفيف، و استعدّ لتقفز فوق حواجز العوالم و تخترق هذه الكيانات و السدود الإنسانيّة الضخمة، و كأنّ ذرات جسدك متباعدة أقصى التباعد، و كأنك شبحًا غير متّصلًا، كالتنويم المغناطيسيّ، فإنّ أيّة إرهاق تتلاشى تمامًا، بل أيّة شعور بأيّة شئ تتلاشى أيضًا، مع استمراريّتك الآلية بالتراقص الإيقاعيّ – إنّها قمة الشعور اللاشعور؛ إنّها الشامانيّة عند كهنة السحر القدماء، أو نيرفانا عند البوذيّين، أو لحظات الصفاء الروحي عند معلميّ الهندوس (جورو،) أو لحظة انعدام المادّة بعد تصادمها بمادة أخرى بنفس ذات الكتلة و لكن ذات شحنات مضادة في عكس الإتجاه بنفس السرعة في مشروعات معامل الفيزياء الحديثة.

   لقد تحولّت الموسيقى متذاك للغة مشتركة تجمع جنسيّات مختلفة في ملهى واحد ضيّق، و لكنّه واسع شامل وسع المجرّات و شمول آفاق السنين الضوئية، بل هو كذلك حقًا حينما جمع كلّ هذه العناصر و الأجناس المختلفة، و مثلما لم يكترث أحد بمكوّنات القاعة في المقام الأول، لم يكترثوا أيضًا بأيّة شئ آخر قد يعكّر صفو الليل، فهذا الأسود قد جعل يقبّل هذه البيضاء بحرارة حبّ اللقاء الأول، و آخران من نفس الجنس و الجنسيّة قد جلسا يتسامران في ركن بعيد عن العيون، و آخران قد غرقا في نوبات ضحك متواصلة، و رجل أسمر و امرأة صفراء قد جذبهما مغناطيس السحر و اقتربا و تشابكا و تراقصا، و فتاتان تتراقصان بحميميّة مختلفة في الركن الآخر، و آخرون يتراقصون فرادى في غمرة الإنتشاء أيضًا.
أجناس مختلفة، ألسنة مختلفة، أشكال مختلفة، و عناصر مختلفة قد جمعت الموسيقى بين خليطهم الذي يعوزه الإنسجام تحت لا وعي منهم – و لكن تحت وعي كامل من الموسيقى، فهي اللغة التي شملت الأرض كلّها بسهولتها و يسرها و متعتها، هي المذهب الذي اجتمع حوله كل الفلاسفة في كلّ العصور  على كلمة سواء بينهم، أو هي الدين و نحن الرسل، فهي دين لم يفرّق بين أيّ أحد على أيّة أساس، فكل تساوى تحت مظلته، و كلّ أعلنها في تلك الليلة بإعلان غير مسموع قد أراه على جباههم جميعًا: إن كان من دين يجمع بين كل هؤلاء الناس من أصول و جنسيّات و أجناس و أعراق و عناصر و ألوان مختلفة بلا عنف و لا كراهية و لا تفرقة، فهو ديننا جميعًا إذن، و ما هذه إلا ترانيم السلام – و جعلت أردّد: "الدّين: موسيقى." "الدّين: موسيقى."

   بينما مستغرقًا أنا في هذا التفكير التحليليّ البحت – و منسجم بتفكيري و فيما توصّلت له من نتائج مريحة، إذ بالمشغّل يلعب مطلع أغنية أدمنها، فأنفضّ عن عقلي كل علامات التأمّل و الفلسفة في لحظة و أنطلق ملبيًّا، فلو كان الدّين موسيقى و نحن رسلها، فـالدي-جي هو الإله، و الديسكو هي أرض الميعاد، و خمرنا هذا ما هو إلا خمر المؤمنين، و كأنّي عصا مرتدة بقوة و بسرعة و خفّة، لتميل نحو مركزها الأصيل بعد جذبها عنه، أو كأنّ التفكير كان كوبًا يحوي شرابي المفضّل و عندما انتهيت منه ألقيت به على الأرض في رمقة عين، و اتجهت إلى المرقص، برغم التعب الجسمانيّ و العقلانيّ – الأولى من إيقاع الرقص المتواصل قبل التفكير و الثانية من وقع التفكير ذاته بعد الرقص. و لكن الموسيقى لا تعوّض و هذه اللحظات اللازمنيّة لن تعود في هيئتها كرّة أخرى، فللأسف لن تسجّل و لا يقدر أحد على تسجيلها حتى يلعبها وقتما يشاء، فهي لحظة فيضيّة أقرب إلى ومضة روحانيّة نورانيّة تهبّ في لمحة و تستمرّ لبضع لحظات أو دقائق، لا أعرف حقًا، فالزمن يتوقّف بدوره!
و برغم الإرهاق الشديد بدأت في الرقص بالفعل و بهوس و حماس متقدّ، فلحظة أو اثنتان، و لن يعرف جسدي للتعب معنًا و لن أجد للإرهاق آثرًا… و سريعًا، و كما توقّعت، وقعت أسيرّا للموسيقى مجدّدًا، و اندمجت من جديد في وصلة نشويّة لا شعورية، و اتخذت مكاني اللامرئيّ وسط أشباح الأجساد، و إذ بروحي تنسلت بحالميّة عطر هادئ و برقّة امرأة فرنسيّة من جنبات جسدي لتتّخذّ مكانها اللامنظور وسط الأرواح المتداخلة؛ لتترك ثنايا جسدي تتحرّك بحرية و بدون قيود كيفما شئت بمرونة لا فقارّية ناعمة و مشبوبة – إنّها حيوية الدين و حرارة الإيمان و روعة الفلسفة جميعًا – إنّها لحظات الصوفيّة الموسيقيّة.

* الصورة إهداء من فتاة لصالة ديسكو بهونولولو. 
                                                                            أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في كلاسيكيات القرن التاسع عشر. حفظ الرابط الثابت.

7 Responses to الدّين: موسيقى

  1. mina كتب:

    wow man….u r the best..;)

  2. Ahmed كتب:

    Thank you Mina. :- )

  3. Bassem كتب:

    الديسكو دة فين ؟نفسي أروح الديسكو دة شكلو في الجنة مناوشات الحب أو مناوشاتك مع إحدى النساء تمنح المكان بعدا رابعا تجعل سره يتوهّج;-)

  4. Ahmed كتب:

    جهّز نفسك بس و نروح مع بعض…:- )

  5. Bassem كتب:

    دوما على اتمّ الاستعدادلأي رحلة صيد:)

  6. AHMED ABOU-BAKR كتب:

    الموسيقى … عالم جميل في عالمنا المخيف

  7. Ahmed كتب:

    أشكرك أحمد، و أشكرك باسم ثانيًا…تحيّاتي

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s