عن الفتنة أحدثكم

 
                                                               Freedom of Speech. Note that; Wilders is the one on the left.       

       لم أندهش حقاً من مطالب المقاطعة الرخيصة و السخيفة في الوقت الذاته الذي طالب بها البعض بعد فيلم "الفتنة" للسياسي الهولندي و رئيس "حزب من أجل الحرية" الهولندي اليميني المحافظ، جيرت فيلدرز. لم أندهش لأن الإرهاب و الهمجية و التسلطية في الرأي ليس بغريب عن أناس تعادي من يخالفها في الرأي، و تكفر من يخالفها في الدين، و أقصد المسلمين المتطرفين الأصوليين، أو المتأسلمين كما أحب أن أطلق عليهم، و هم من انتشروا كالوباء ينهش في نسيج مصر الذي ظل بهياً مزركشاً طيلة سبعة آلاف سنة، داخلياً، أو انتشروا عالمياً ينهشوا في المدنيين الأبرياء في كل صوب و حدب.
و على المستوى العالمي فإن التعنت و العنصرية اللتان تمارسهما سواء الجماعات الإرهابية المنتشرة حول العالم أو جماعات الإسلام السياسي، أو حتى أي أفراد مستقلين متعصبين لا يتقبلوا الحوار، و لا يتقبلوا الآخر، هي التي نفرت منهم الآخر، و من تعنتهم، و من دينهم.
أما هؤلاء على الشأن القومي الداخلي من "إخوانجية و أعوانهم" يريدون – غصباً – تعريب تاريخنا، و مسخ حاضرنا، و أسلمة مستقبلنا، و نحن تاريخنا ليس بعربي، و حاضرنا ليس  بأسود، و مستقبلنا لن يتأسلم كراهة و عدواناً، فنحن لن نفقد كرامة حريتنا و غشاء بكارة تحررنا على أيدي هؤلاء الذئاب الإسلامية، بل و لن يفقد مستقبلنا و مستقبل أولادنا من بعدنا عذريته لهؤلاء المختلين جنسياً الذين يدعوننا لدولة قال الله و قال الرسول، دولة الحاكم الإله، دولة التخلف و الرجعية و الأصولية المتطرفة. إني أعجب و أندهش في الوقت ذاته من هؤلاء الذين يدعوننا للتخلف ألف و أربعمائة سنة إلى الوراء. العالم كله يبغي التقدم، و هم في التخلف سارحون، العالم كله ينشد التطور، و هم في اللعن و التحريم متزمتون، العالم كله يعزف موسيقى الرقي و الحضارة، و هم على دف الجهل و الأساطير التقليدية ضاربون… هؤلاء يريدون أن نعيش في جمهورية مصر العربية الإسلامية، و هم واهمون، لأن الشعب المصري العظيم أكبر و أعقل من أن يفقد عقله لهؤلاء الموجهين معدومي العقل و الضمير.

     و الآن دعوني أتحدث بصدد ما وددت البداية به، لأني لو انسقت للحديث عن التيار الظلامي، لن تسعني مدونات الأرض عرضاً و لا ساعات الكون زمناً.
لعلنا سريعاً نراجع في دفاتر متطرفي الإسلام ضد حرية الرأي و التعبير في الآونة الأخيرة – بعيداً عن العمليات الإرهابية ضد المدنيين، بل و عمليات الإرهاب الفكرية ضد العالم أجمع على مدار التاريخ – بداية من المخرج الهولندي ثيو فان جوخ، و الذي صُرع قتيلاً على يد الإرهابي الهولندي المغربي الأصل محمد يويري في نوفمبر 2004. و من ثم بعد هذه الحادثة النكراء بسنة إلا قليلاً، و تحديداً في 5 سبتمبر 2005 عندما حررت الصحيفة الدنماركية "يولاندز بوستن" رسوماً مسيئة لرسول الإسلام، الصور الإثني عشرة و التي رسمها إثني عشرة رسام كاريكاتور دنماركي، كان أشهرهم كورت فيسترجارد، و التي أثارت رسمته أعنف ردة فعل، و من ثم تهديدات القتل التي وصلت للرسامين، و تهديدات التفجير التي وصلت للجريدة، و الهجمة الهمجية الشرسة لمقاطعة الدنمارك بأكملها إقتصادياً و دبلوماسياً لمجرد اثني عشر شخصاً يعبروا عن رأيهم بحرية شديدة، ثم تم نشر الرسوم بعد ذلك بأكثر من خمسين دولة أخرى حول العالم من بين مساند و معارض. ليكتمل مسلسل الهمجية يوم 12 فبراير الماضي عندما ألقى القبض جهاز المخابرات الدنماركي على تونسيين و دنماركي من أصل مغربي خططوا لقتل فيسترجارد، مما زاد حفيظة آوربا و العالم و توجسهم من هذا الخطر الذي يحيق بهم – و بنا – و يضرب بكل حريات العالم عرض الحائط – ألا و هو مد التيار الظلامي. مما جعلها تعيد نشر الرسوم في فبراير الماضي، و كأنهم يعلنوا الصمود و التصدي للرعب الذي نعيش فيه تحت وطأة هؤلاء الإرهابيون – حيث تم نشر الرسوم مرة أخرى في اليوم التالي في نفس الصحيفة، و في صحف دنماركية أخرى، و كأن العقال يغري بالإنفلات من ربقته، و كأنهم يؤزروا من عضد بعضهم بعضاً و يعلنوا رأيهم بحرية بلا أي تخوف من هذا التيار الظلامي المتخلف الغارق في خرافات القرون الوسطى. و من ثم أخيراً و في 27 مارس الماضي عندما نشر فيلدرز فيلمه القصير مجاناً على شبكة الإنترنت، لنرى دعوات مماثلة بمقاطعة هولندا، و هي دعوات مضادة للحرية، تحجر الرأي على غيرهم، و تسلب العالم كله إرادته و حريته الذي نالها بعد كفاح عبر آلاف السنين، فليس من السهل أن يفقد الإنسان حريته لهؤلاء الإرهابيون، و نحن – الإنسان – في داخل حامضنا الوراثي (DNA Genes) و في أعماق وعينا الداخلي – الذي تكون عبر العصور – تعلمنا أن نحافظ على ما نلنا بعد تعب و مرارة و إصرار، و ها نحن نتصدى لأي محاولات لسلبنا إرادتنا و حريتنا بعد أن أكلنا ثمار حصاد أجدادنا حول العالم، ثمار الذل و الهوان و القتل و التشريد الذي تعرض له كل إنسان على مدار التاريخ حتى أستطيع أن أكتب ما أكتبه الآن بكامل حريتي… و أبداً لن نستسلم، و لن نتنازل عن حريتنا؛ لأننا ذقنا دماً و مذابحاً حتى نتناول شهد الحرية و "كريز" التحرر.

     المشترك بين الأحداث الثلاثة سابقة الذكر هو الهمجية العاطفية التي تنتاب المسلمين و كأنهم ثيران في حلبات مدريد رأوا عرقاً (بالكسر) يدمي، إنها اندفاعات مجردة من أي عقل و من أي منطق، لأن المنطق يحتم علينا الإفتراض المنطقي؛ لأن ببساطة شديدة، فإن حدثاً – مكرراً مثل هذا – معداً من ذي قبل، لنشر رسوم مثل هذه في آوربا و أمريكا معاً مثلاً، لهو قادر – بلا شك – أن يشل مثل هؤلاء الغنم، بل و سيفقدهم – أي الداعون إلى المقاطعة – إتزانهم، لأن من غير المنطقي أن نستعدي و نقاطع دول العالم أجمع لمجرد اختلافنا معها في الرأي، و هذا و حتى لو كانت دولة واحدة، و هذه أول الأسباب، و هي ممكنة التحقيق إذا زادت الهمجية عن حدها، فالإتفاق بين دول العالم المتحضر على إثارة المسلمين ستتخذ شكلاً أعنف، و تعاون أكبر إذا رأوا تهديداً حقيقياً لحريتهم. فالعواطف هي المسيطرة لدى السواد الأعظم من المسلمين، و كما عرضت "إرشاد منجي" في كتابها "مشكلة الإسلام حالياً،" و قالت أن المسلمين – على النقيض من دينهم تماماً – هم أقل متديني العالم تسامحاً و تقبلاً للآخر، و هذا يتضح جلياً من البلاد الإسلامية الراديكالية كإيران، أفغانستان، و السعودية، و البلاد الإسلامية إسمياً كمصر، الجزائر، تونس، المغرب و غيرها من البلاد ذي الأغلبية المسلمة. و الذي يتعرض فيها الآخر للهوان، و المذلة، و الطائفية، و العنف.

     و ثاني الأسباب؛ لك أن تتخيل لو كانت هذه الرسوم المسيئة للإله مثلاً، هل كانت سيحدث ما حدث؟؟ مع أنه إلهنا و إله النبي محمد و إله البشر جميعاً. بالطبع لم تكن لتحدث كل هذه الضجة، و هذا أقرب مثال على أنها ضجة مشاعر و عواطف، و عالمنا الرأسمالي لا يعرف هذه العواطف، فالأرقام و المصالح و النفوذ و الأموال هي المحرك و هي الهدف و هي الوسيلة. و مع أن أكبر من ذلك حدث مع السيد المسيح في عام 1989 عندما عرضت صورة أثارت ضجة في أرجاء الولايات المتحدة تصوره على الصليب في مكان مقزز للغاية و مدنس جداً، و لكن حرية الرأي و التعبير لم تمنع الجائزة أن تفوز بجائزة العام من مركز "الجنوب الشرقي للفنون المعاصرة" و الذي تدعمه الحكومة الفيدرالية الأمريكية مادياً، و لم نسمع – وقتذاك – عن مقاطعة الفاتيكان للولايات المتحدة مثلاً، و لا عن استعداء مسيحيي العالم تجاه الولايات المتحدة، و التي يتكون معظم سكانها من مسيحيين بروتستانت. و هذا يعني أن الحرية في الغرب ليست حرية مزيفة أو موجهة أو منمقة أو منافقة مثل التي تطبق على صدورنا نحن – دول العالم الثالث، بل هي حرية و مسئولية على الجميع، حرية لأصغر عامل حتى رئيس الدولة، و مسئولية على رئيس الدولة قبل أن تصل لأصغر عامل، ففي آوربا حرية حقيقة، و لذا عندما يعبر أحدهم، فإنه المسئول، و لا تقع المسئولية إلا عليه. و إذا كانت الحرية في العالم المتقدم مكفولة في كل شئ، فإني أعيب على مثقفيه رضوخهم لجماعات الضغط الصهيونية التي حرمت الخوض في عرض الهولوكوست بقرار دولي، و كأنها الحادثة المقدسة  اليقينية الوحيدة في تاريخ العالم، و مع هذا فإن بعض الكتاب يخرجوا من حين لآخر بكتاب أو مقال يتحدث بحرية عن الهولوكوست، و سريعاً ما يصادر الكتاب و يحاكم الكاتب، و لكن غير هذا العبث الذي يخلقه اللوبي الصهيوني المدعم ببنوكه الإقتصادية المسيطرة، فالحرية حقيقية جد، و هذا ما لا ينكره أحد.

      ثالثاً؛ إني أراها حرية شخصية جد أن أعبر عن رأيي في البوذية، و يعبر آخراً عن رأيه في الهندوسية، إنها قمة الحرية و المسئولية، و الإحترام المتبادل، و أنا لا أرى في ذلك نقصاً في الدين، بل هي نظرة نسبية لمؤمن تختلف بالطبع عن نظرة غير المؤمن، و هي النظرة النسبية التي تكتنف قيم الحق و الخير و الجمال، و الدين أيضاً، فهي النسبية التي تتحكم بكل شئ في الحياة، بل و حتى في وجودنا – أنفسنا. و مع ذلك، فكان لي تفسيراً خضت فيه من ذي قبل، و هو أن فيسترجارد لم يقصد الإسلام و رسوله، بل قصد المتطرفين المتأسلمين؛ لأنه لم ير منهم على مدار تاريخهم إلا عنفاً، و قتلاً، و نهباً، و تشريداً، بل و لم ير منهم تقدماً، و لا رقياً، و لا أي قيمة جيدة قط، فبالتالي – و مع جهله بالإسلام – فمن المترتب عليه أن يكون رأيه عن الدين عن طريق المؤمنين به، و هذا ما يجب أن نتوقعه عندما تكون البلاد الإسلامجية هي أكثر بلاد الكرة الأرضية تخلفاً، و كلها تشكل دول العالم الثالث بلا استثناء، فهذه الرسوم و ما حدث في فيلم الفتنة، كان رد فعل لما يروه. و ببساطة إن كان المسلمين أصحاب ثقافة و رقي و تقدم، لوجب على فيسترجارد أن يرسم نبيهم على رأسه وردة، أو زيتونة. و لكنه لم ير إلا دماً و قتلاً و إرهاباً باسم الدين، فكيف له أن يرسم هؤلاء بغير ما رسمه؟؟! و لذا كان رأيه رد فعل، و ليس فعلاً بأي حال من الأحوال.

     رابعاً، أنا لا أعلم حقاً كيف تنبع تلك الكراهية و العنف من قلوب إنسانيّة. و لنفترض أني أحب رسولي مهما كان ديني، ثم جاء أحداً و سبّه أو شتمه، فهل أقتله مثل البهائم؟ هل أسبه بالمثل و أهينه؟ هل أهين دينه الذي ينتمي إليه أو بلده التي ينتمي إليها؟؟ هل أتركه و أدبر بلا أي رد فعل؟؟ لا و الله! لأن الاستسلام مبدأ مرفوض، مثلما الإرهاب مرفوضاً أيضاً؛ فإننا قد مُيزنا عن الحيوانات بأننا أصحاب عقل يوجب علينا أن نزن و نقيم الأمور، و نفتح قنوات لحوار عقلي يتسم بالرزانة و الهدوء ليفندوا إدعائاته عن دينهم و رسولهم، حتى يتقبل الغرب أن يسمع، فالغرب لن سيمع بالقنابل و التفجيرات الإرهابية، لأنهم أصحاب عقل، و يعلموا أن الإرهاب هو منتهى سبل الحيوانات المتخلفة التي لا تعرف طريقاً للعقل، فبعد من رد الفعل الأحمق هذا الذي ارتكبه المسلمون، سيزيد عند الغرب الشعور بالعداوة، بل و سيشعروا أنه الأصح – و هم على كل حال أصح منا في كل شئ. بل و سيتأكد أن الإسلام هو الخطر الذي يحيق بالعالم فيما يسمى "الإسلاموفوبيا،" و أن استعدائه و استعداء أهله و الرعب منهم هو الصحيح، بل و سوف يصدقه الرأي العام العالمي عندئذ، فهو لم يكذب عندما قال إنهم – أي المسلمين – إرهابيون. و هذا الجانب الحواري العقلاني هو ما افتقده عامة المسلمين، جرياً وراء أوهام التيار الظلامي الذي يزداد ننفوذه باسم الدين بعد كل حادثة من هذه، فهو بذلك – التيار الظلامي – يظهر للعامة أنه أحق و أجدر على المحافظة و الزود عن شئون دين الشعب و دنياهم، و كأنهم محتكرون للدين، و ليس لأحد رأي غير رأيهم المتطرف، فهم يتحدثوا باسم الله، و يدافعوا عن رسوله ضد "الكفرة،" و لا ينقص ذلك إلا "شوية تحابيش" مما يتقنوا "سلقها" بعد خطبتي جمعة في حي فقير، و "كام" دعوة على الدنمارك و هولندا، و "مش بعيد" على "اليهود أحفاد القردة و الخنازير ة و النصارى المشركين،" و "كام تهليلة الله أكبر" على "كام بوستر و ما النصر إلا من عند الله’ مع خلفية علم الدنمارك و عليه مثل علامة ممنوع التدخين" على "كام" مظاهرة لحرق علم الكفرة و المشركين، و "مش بعيد" كام "فرقعة و مظاهرة و زعيق و كام واحدة منقبة لزوم مساواة المرأة بالجر" لاجتذاب أعضاء جدد في ظل هذه "الهليلة" للإقتراب من جموع الشعب "اللي بياكل على قفاه أساساً" بدلاً من لقيمات العيش المعدودة التي يباع دقيقها في السوق السوداء، المواطن الذي يقبض ما لا يقبضه عامل المناجم في أحراش أفريقيا، و "مش بعيد" ينتهز "الشاب عمرو خالد، مغني الراي الإسلامي بصوته الشجون الحنون و رائد الدعوى الإسلامية الشبابية نحو الجنة" هذه المعمعة – كعادته – ليغرقنا "بكام بوستر" لحملة حماية  ضد المخدرات، لتكتمل "بليلة غسيل المخ" و ينقلب الشاب "من دوول" إلى إنسان يميني أصولي متطرف – "ولا هو يعرف يعني إيه يميني أساساً" – عدو للغرب الكافر، و داعي "اسم النبي حرصه" لدولة الخلافة و الجمال (بالكسر) "الفور باي فور." نعم هذا ما يحدث من الإنتهازية و التسلق في مثل هذه الحالات الإقتصادية القميئة المتدنية، أو حالات رسوم أو فيلم معادي للإسلام… فهذه فرصتهم، أو "موسمهم" للإنقضاض على عقول الشباب… "شوية عشان غزة" و "شويتين عشان الدنمارك" و "تلات شويات عشان الإنتخابات و الإنتفاضات و الأقصى و الأدنى." و "مش بعيد قيادي إخوانجي يطلع" في فاصل من النشاز السياسي على نغمات إسلامجية شاذة ليتحدث عن دستور "و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل." ليكتسب بذلك أرضاً جديدة من "الشباب الخام" كما أسميهم الذين ينساقوا وراء هذا "العته الديني" و "الفراغ السياسي المشوه…" يا دين أمي!

     خامساً، دائماً و أبداً، و بحيادية تامة، دائمًا ما يكون متطرفي الإسلام سواء خارجياً أو داخلياً هم قليلو الأدب و عديمو التمدّن الإحترام و الذوق، و العلمانيون هم المحترمون، دائماً تخرج منهم القذارة و لا يخرج منا إلا التسامح – مع أن دينهم الذي يدعونا إليه يدعو للتسامح و لكنهم ينساقوا خلف قواد شذوذ. دائماً هم القتلة و نحن الضحايا، و الأمثلة على ذلك كثيرة، و لعل ما قاله شهيد الكلمة فرج فودة يوم مناظرته المشهودة عام 92 في معرض الكتاب، فيما معناه، أن الدولة العلمانية هي التي ستعطيهم حرية أداء مشاعرهم الدينية، و ستضمن لهم أن يخرجوا من قاعة المناظرة رقابهم فوق أجسادهم، بينما الدولة الدينية هي التي ستقتل و تمنع و تحظر، و أكبر دليل على كلامه هو مقتله نفسه على أيدي خسيسة دنيئة ملوثة لا تؤمن بالإنسان و لا يحددها أي دين، فهم كالطوفان، أو أشد كسحاً. لماذا دائماً هم مناصري العنف و الجهل؟؟ و نحن مناصري السلم و الحوار؟؟ لماذا دائماً هم مناصري الرجعية و نحن مناصري الحداثة؟؟ لماذا دائماً هم من يتعاملوا بحيوانية و نحن بإنسانية؟؟ لماذا هم الحريصون دائماً على التطفل السام في حياة الآخرين و نحن دائماً ما نقدس مبادئ الحرية، و قيم الحب و الجمال؟؟ لماذا دائماً "وشهم ضارب 10 متر بوز" أمامهم و كأنهم يحملون جبل أُحُد فوق جباههم، و نحن المبتسمون للحياة و المستمتعون بها؟؟ لماذا دائماً هم أصحاب السلوك القذر في الشارع، و مع المرأة، و مع الأديان الأخرى، و نحن دائماً المؤمنون بالمساواة و حرية العقيدة؟؟ لماذا دائماً و أبداً هم مناصري النقل و الترديد و نحن مناصري العقل و التحليل؟؟ و أسئلة عديدة أخرى لن تجد إجابة لها عند عامتهم و سادتهم، لأن تطرفهم يلثم وجوههم و يعصب أعينهم و يصم آذانهم عن هذه الحقائق، و لا يراها إلا الأحرار المتحررين من غياهب انسياقهم الأعمى نحو تيار التطرف.

                                                          You go to Hell! 

     سادساً و أخيراً، و خاصة عن فيلم الفتنة، و الذي لا أنصح بمشاهدته لصغار السن، أو مرضى القلب و الضغط، أو للمسنين لما فيه من مشاهد بشعة تدمي القلب السليم، و ليس غريباً أن يفارق الحياة فيها قلب مضطرب مريض. و قد اتخذت الحكومة الهولندية موقفاً سريعاً لتبين أن الفيلم يعبر عن وجهة نظر شخصية بحتة، و لا يعبر عن هولندا ككل في شئ، مثلما يجب أن نتخذ موقفاً مماثلاً لنعلن أن الإرهابيين لن يمثلوا الإسلام في شئ.
الفيلم الذي آثار فتنة و جدل كبير بين الرأي العام العالمي، بحثاً عن توجهات الرجل، و أسباب إخراجه لفيلم كهذا غير مكترثاً بما وقع بمواطنه المخرج الهولندي منذ ثلاث سنين و أكثر، و لكني أرى أن أسباب المخرج مهما تكن، ففيها أسباب واضحة و صريحة، و هو خوفه و رعبه من هذا المد الإسلامي الجارف على آوربا عامة و هولندا بالتحديد حتى وصل العدد في آوربا إلى ما يقرب الستين مليون مسلم، فهو يتخوف من الإرهاب و التطرف و الحجر على حرية آوربا، بل و "تحزيم" آوربا بهذا اللغم – و هذا حقه. فهو يظن أن كل المسلمين متطرفين – و هذا حقه أيضاً – فهو لا يرى منهم إلا بشائر العنف و الإرهاب.
و من بين كل التيارات الظلامية حول العالم، و كعادتهم و قبل رؤية الفيلم من الأساس يخرجوا علينا من جديد بأسطولهم من الكلام الإرهابي العدائي، و كأنهم يستعدوا للقتال، و كأن فيلدرز أبادهم بقنبلة نووية، مع أن فيلمه لم يخرج عن رأي، و لا يواجه إلا برأي، أو تبرير أو إقناع عقلي. و كان من الأولى على هيئة الأزهر الشريف أن ترد ببيان عاقل و متزن، بدلاً من "الفتاوي المستأجرة" التي تفصلها بالقطعة "للي عايز،" فكان أولى عليها أن تهدئ جموح المسلمين، و تنتج فيلماً أو رسالة يوضح للعالم مغزى القرآن و أسباب نزول هذه الآيات… "و لكن صحيح… هما فاضيين لإيه و لا لإيه؟؟!"
و عدا هذه الهمجية، كان أنسب و أعقل رد هو رد "القمة العربية الآوربية،" و التي تتخذ من هولندا و بلجيكا مقراً لها، حيث أنتجت فيلم قصير "المُفتنون" بعد عرض الفتنة بيومين اثنين، تعلن فيه براءة الإسلام مما نسبه الفتنة إلي هذا الدين العظيم. و هو ما أحييهم عليه حيث كانوا التيار الإسلامي العاقل الوحيد وسط هذه "الهوجة" الغير مبررة على الإطلاق، و التي ستجعل الغرب يتجه في إنتاج مثل هذه الأفلام أكثر و أكثر.
أحب أن أنوه أن الفتنة لم يعرض إلا آيات حقيقية و مشاهد حقيقية، و لم يزيف الواقع، و التقصير النابع من المسلمين أنّهم لم يحاولوا تصحيح الصورة حول آياتهم، و لكنهم أثبتوها بأفعال الفتنة و الإرهاب، فهم قصّروا في شرح دينهم من وجهة نظر حديثة محترمة تناسب عقول الغرب، و عقل أي إنسان متحرر حول العالم، و لكن ماذا تتوقع من  وعول ينقضوا على أي شخص بلا أدنى معرفة مسبقة و لا أدنى علم عما اقترفه هذا الرجل أو ذاك، إلا أن يكون قد أشار لهم وعلهم الأكبر تجاهه "بــِسِّك عليه." و إني من هذا المنبر المحايد أقول أن هذا المخرج لم يخطئ في تصويره لآيات العنف في القرآن؛ لأن الضعف و الغباء و التقصير نابع من المسلمين أنفسهم – كما اشرت مسبقاً – الذين لا يدرون فنون تسويق دينهم و رسولهم و رسالته مثلما يسوق اليهود للهولوكوست مثلاً. فالعيب ليس في المخرج اليهودي؛ لأن قراءة هذه الآيات من أيّ شخص عاقل يعطي انطباعًا بإرهابيّة القرآن، بل و قد يعطيك إيحاءاً بل دليلاً قوياً على أن القرآن هو الملهم لهذه الجماعات الإرهابية المتطرفة، فالقارئ للقرآن عن جهل، بجانب ما حدث و يحدث الآن من الإرهابيين المتطرفين يكاد يكمل بعضه بعضاً في وعي العالم الغربي تجاه الإسلام و المسلمين. بل و الأدهى و الأمـّر أن هذا المخرج و السياسي لم يدّعي كذباً على القرآن، و لم يلفق حوادث إرهابية، فالثلاث آيات التي عرضهم موجودين في القرآن فعلاً، و حوادث مثل 11 سبتمبر بنيو يورك، و 11 مارس بمدريد، و 7 يوليو بلندن، و ما يحدث بالعراق، و فلسطين، و أفغانستان، و باكستان، و غيرهم في الكثير من البلدان حول العالم، فالرجل إذن لم يلفق لنستعديه و لنتهمه بالإساءة للقرآن، بل أنه حتى لم يسئ للكتاب نفسه إلا أنه أتى بورقه أبيضاً. إذن، فالحل ليس أبداً في القتل، و لا في الهمجية المعروفة من جانب المسلمين، لأن الحل محتاج لتعقل و روية، و إقامة حوار لشرح وجهة نظرهم، و تبرئة ساحتهم من الإرهاب المتطرف، و الذي لا يعاني منه الإسلام فقط، فالولايات المتحدة بلد الإرهاب الأكبر هي أكبر معتدي على حرية و آدمية الإنسان بما تنتهكه من جرائم بشعة في العراق، بل و إسرائيل أيضاً تمثل تطرفاً يهودياً ضد مدنيي فلسطين الأبرياء.

* الصورتان من مدونة "وست بروميتش" البريطانية.
                                                                                                              أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في أخبار وملاحظات سياسية. حفظ الرابط الثابت.

8 Responses to عن الفتنة أحدثكم

  1. 杰客 كتب:

    文字很好玩呵呵~

  2. Unknown كتب:

    احمد، اؤيد كل كلمة جاءت بكتابتك.فانا ايضا ضد هذه المظاهرات وردود الفعل الهمجية التى اثارها الفيلم فى صفوف المجاذيب المتاسلمين كما تقول عن حق.وارى مثلك انه كان حريا بنا ان نواجه بالحجة وبالحوار المتحضر.فالاسلام ذاته يحضنا على الجدال بالتى هى احسن.واشكرك على المعلومة الخاصة بالفيلم ومن يقف وراءهMEMRIكما اشكرك على اللينك الخاص بالفيلم الصادر عن الرابطة العربية-الاوروبية "المفتنون" والذى سوفاوزعه على قائمتى البريدية.شكرا على جهدك الهادئء والواعى والراقى.نشوة

  3. Ahmed كتب:

    شكراً يا نشوى أوي على المرور و التعليق… و أشكرك على الدعم، فأنا قلت كل ما تجيش به نفسي حقاً!
     
    مستنينيك علطول هنا بقى… إعتبريه بيتك! 🙂

  4. amira كتب:

    السلام عليكم
    اولا انا عاوزة اقولك ان اسلوبك بجد حلو جدا جدا فى طريقة عرضك للموضوع
    ثانيا انا اختلف معاك فى بعض الاشياء لانى ارى ان المقاطعة مش من الهمجية و لكن بالنسبة لاعمال الهمخج فهى طبعا مرفوضة
    واخيرا انا بشكرك على الموضوع لانة بجد تحفة و ربنا يوفقك

  5. Ahmed كتب:

    شكراً لك يا أميرة على المرور و التعليق… و أشكرك مرة أخرى على ذوقك الرقيق…
     
    و لكن يا عزيزتي، هكذا خلقنا، كل بعقل مختلف، و بمؤثرات و أفعال و آراء مختلفة، فالإنسان فردي متفرد بطبعه عكس ما ترى الأيديولوجيات الشيوعية الشنيعة الكافرة بالإنسان، و التي تحسبه لا رأي له و لا فكر.. فهو تابع بالتبعية في هذه الأنظمة…
     
    و أما ما هو عقلاني، و ما هو مقنع أننا جميعاً على اختلاف شاكلاتنا و توجهاتنا، نرى أي موضوع بمنظور مختلف، كل تبعاً لمبادئه، و مصلحته، و أهوائه…
     
    فمن الطبيعي و الصحي جداً إذن أن تجد نفسك توافقينني في أشياء، و تعارضينني في أخرى، أو تعارضينني في الموضوع برمته… أما ما هو شاذ و غير طبيعي أن تتفقي معي في كل شئ، لأن احتمالية تقابل شخصان قد أثرت فيهم نفس الظروف، و تأثرا بنفس البيئة، و تكونت عندهم نفس الآراء و ردود الأفعال تجاه موضوع بعينه، أو مواضيع عدة، هو احتمال واحد في المليون، و ليس منطقي على الإطلاق، بل ينتفي معه ماهيتنا البشرية العقلانية المتفردة…
     
    أشكرك مرة أخرى… و أهلاً بك دائماً…
    تحياتي

  6. Alim كتب:

    Well said Sir Ahmed.
    I am in Alex and will be and Cairo for few days as well; hop e we can share a cup of coffee or tea at your convenience.
    Hope all is well.
    Alim

  7. Ahmed كتب:

    It\’ll be my pleasure Sir Alim,
     
    Well, this is my cellular; 0 10 11 60 969
    But, please, try beforehand Thursday; because I\’m traveling to the NC, next Fri.!

  8. Ahmed كتب:

    It\’ll be my pleasure Sir Alim,
     
    Well, this is my cellular; 0 10 11 60 969
    But, please, try beforehand Thursday; because I\’m traveling to the NC, next Fri.!

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s