!إذن، فلنتقابل على ساحل البحر الأحمر

!إذن، فلنتقابل على ساحل البحر الأحمر

    

     يقولون أن أيامي معدودة، و قصائدي غير مقروءة… هيهات! فوالقلم! هم لا يعوا أن في إدراكك – أنت – ما عجزوا – هم – عن فك طلاسمه: إعجاز و تعجيز.

قرينتي،
           
بعد الصلاة،
     ماذا تفعلين الآن في الظلام الساحق؟؟ أتحاولين جاهدة أن تتذكري طيف ملامحي؟؟ أم سابح خيالك في بحور الظلمات السحيقة؟؟
كيف ترينني الآن؟؟ أدامس أنا إلى حد بعيد؟؟ أم أن المصباح الذاتي ضعيف ضوءه، و صوت المروحة مزعج، و الرطوبة قاتمة مانعة ممتنعة؟؟
إذن، فلنتعرى… فلنتعرى كل في مكانه المرئي… فلعلنا نشعر بوحدة مبهجة، بدلاً من قسوة الوحدة الجامدة!

     ماذا تسمعين الآن؟؟ أتسمعين صرير حبرك عندما تخط أناملك اسمي؟؟ أتسمعين نقش الحروف و لون الفرشاة وسط هدير المدافع، و عزيف العواصف، و هدير الطائرات؟؟
و كيف لنا – إن سمعنا – أن نفهم صرخاتنا المرة المكتومة تحت وطأة الحرب و في ظل صمم العيش؟!

     ماذا تأكلين الآن؟؟ هل صنعتِ كعكة بلوز من شتات الحوائط المتهدمة؟؟ أشهي فُتاتُك الوصل؟؟ أم لاذع زادك الهجر؟؟ أطهي الطعام جيداً أم سريعاً لانقطاع التيار؟؟ و إن كان جيداً، أتشعرين بلذة جماع اللسان بحبات الطعام بهذا الدلال هنالك التي كانت تقشعر له حواسك هاهنا؟؟
إن كنت أحببت ردائك الأبيض و أشتاق له الآن كطفل رضيع، فإني لم أعد أستسيغ الطعام الأبيض، حبيبتي… فهل تعودين الآن؟؟ عودي لنقتل كل الطعام الأبيض و لا نبقي غير الشوكولا! عودي لنحرق سوياً كل طعام الطبيعة الأبيض؛ لنتدفأ على بخاره المتكثف، و نعيش أيامنا على نبراسه المنير، و نتحد، فنحترق، فنذوب بلهيبه المستعر!

     و ماذا ارتويتِ اليوم؟؟ أشربت ماءاً حاراً كصيفنا هذا أم بارداً كأجسادنا هذه؟؟ أشربت؟؟ أم انقطعتِ، فصُمتِ، فتبتّلتِ… و زهدتِ عن أي، إلا ريق جوفي الذي مضى؟؟

     آنقطعت الكهرباء ثانية؟؟ أعَوْد على بدء من حلقات الأفول المتشعبة؟؟ أم عاود التيار زحفه المتثائب متكاسلاً متردداً عبر طرق طويلة عمياء يتلمس أسلاك بالية و مشاعر وعرة؛ ليضئ ابتسامات جافة، و وجوه قد جلدها الإنتظار؟؟
إني قد قطعت التيار عني، أيضاً… فلعلنا نشترك في ظلمة متوحدة، خيراً من الأضواء وحيداً. فضوء لا ينعكس على عينيكِ أولاً، هو ضوء معتم، زائف، و حقير لا يستحق البقاء، و لا يمت للأضواء الباهرة بصلة!
و يا ليل! أنت الوحيد الذي تفصل كلانا عنا، فهلا تزحزحت قليلاً؟؟ حتى نبحث وسط غمامك السادل عن آثار ذكريات تلملم بقاياها و ترحل مشتتة خلف كواليس الزمن المترامية أطرافها… فقط قليلاً؟؟ حتى نفتش عن الحبيب المتخفّي بين ضلوعك! خلف ثوبك الأسود المرقع الرثّ!
هلاّ نتحلل ذاتياً في جنح الليل الضاربة إلى عناء الفؤاد، و السامقة إلى عنان السماء!
هلاّ نمارس ويلات الحرب و الشبق على طبول الحب و الدمار!

     أتصيحين و نمرحين الآن، مرح الغير مكترثين؟؟ أم أصبح هنالك الصوت جريمة باطشة، و المرح عقوبة جزاءها اللاوجود.
و كيف تنامين؟؟ و أصداء صمتي عن مسامع نهمك متذبذبة؟؟ و مردود كلماتي عن راد أحاسيسك متقطعة؟؟ و أصابع يداي عن خاتم أصابعك منقطعة؟؟
و ما هي أحلامك و أقصى تمنياتك؟؟ أتحتلمين بي في أقصى أحلامك فجوراً؟؟ أواضحة صورة قميصي الباهت؟؟ أم مطموسة معالمها كأسلاك هواتف ثمانينيات القرن العشرين؟؟

     أتمشين في أبي نُواس وحيداً كما اعتدتِ لتنعمِ بنسيم دجلة الآخاذ في هذا القيظ المفرط؟؟ أم أصبح أبو نواس ثكنة، و دجلة مرتعاً للأوبئة السانحة و لحشرات الحكومة الإنتقالية السرمدية؟؟ و أين شارع الثورة تحديداً؟؟ أقريب من بيتِكِ – موطني – الذي يكتنف وطني بين ثنايا جنباته و تتوطن به غربتي؟؟ و إذ كان قريباً… فهل الثورة قريبة حقاً؟؟ ثورة قربنا، فاقترابنا، فدمائنا المختلطة؟؟ و هل لازالت آثار الخليفة في محلها؟؟ أم ساحت بين الركائب و الخلائق، و أكلتها زبانية الجحيم ببنادقهم، بين ما أكلوا؟؟

     و ماذا بفاعلة أنت في المساء؟؟ أتشترين ثوب أبيض جديد ملطخ ببقع دماء غير قديمة؟؟ أم حذاء أسود مترب معتَّق غير لامع من وسط المدينة قد داسه قبل قدميك  – المنمنة تفاصيلها – بوط حديدي ضخم لجندي أكثر ضخامة قبل ركونه للأسواق قبل قرابة الثلاث سنين؟؟ أم تتبضعين مستاءة من جودة الخامات في غياهب الحرب و نقاط التفتيش في غياب السلام؟؟

     هل تدهنِ ساقيك اللامعتين الناعمتين كإستبرق بماء وردية ملوثة بدخان رمادي متصاعد من خلف النافذة البعيدة المبللة بعرَق الهلع و دموع الصبر، معاً؟؟ أم أن دهق التحرشات المسعورة، و أكوام السباخ الشاهقة، و زرائب المجازر الحيوانية أقوى و أشد تأليماً؟؟
كيف تلعبين؟؟ و كيف تعملين؟؟ و كيف تشاهدين برامجك المفضلة في عطلة نهاية الأسبوع؟؟ و كيف تقرأين كتبك الباعثة على الضحك و النسيان؟؟ و كيف تستمتعين بالموسيقى؟؟ ألاهية موسيقى الروح عن مزامير ذكري؟؟ أم لازلت تتذكرين اسمي قبل كل بداية، و لا تنسيه بعد أي نهاية؟؟

     هل ستصبغين شعرك بالأحمر القاني كما اعتدتِ بالأمس القريب؟؟ أم أنّ كافة درجات الحمرة قد سدّت منافذ الشمس حتى الغد البعيد؟؟
و هل سنتضاجع عن بُعد؟؟ أم سنكتفي بالحدود السياسية الزائفة؟؟ أفي البُعد مشقة توافق آلام الطلق عند امرأة تحمل لأول مرة و لا تحتمل أبداً؟؟ أم أن آلامنا مثل معاناة المسيح قبل الصلب أو الرفع؟؟ أم أكثر قليلاً؟؟
متشكك؟؟ لا يهمّ بالأساس… و لكني غير متشكك في إيماني بكِ!
إصبغي! إصبغي يا صغيرتي! فإني معك في كل قطعة زمن يقتطعها العمر من لحم جسدينا بربا القرض و نحن بُعداء، و في كل حين.

     أتشتاقين لعينايا؟؟ أتحنّي لبياضي الأقرب للثلج الدافئ؟؟ أتحبي أصابعي في توسطها بين الطول و القصر؟؟ فلأعطينَّكِ إياهم… و لكنك تأبين علي العيش ضريراً! فأنت تريديهم و لا تريديهم بغيري! و هذا عذاب متضاعف كمرآتين متقابلتين في غرفة حالكة يعكسا دورات عذاب أخرى متداخلة كالحة غير نهائية!
أتشتاقين إلى سحر كلماتي المبهر؟؟ فوالله إني أشتاق إليك كعابد ساجد يتشبث بالأرض و يحفر بأظافره بها كي لا يغرق، فالأرض أقرب شئ إليه في وضع السجود… و أنت… أنت أقرب إلي في وضع الحياة.
فأنت اسمي، جنسي، جنسيتي، ذريتي، سلالتي، و انتمائي…
و هل إن كنت سنياً و أنت شيعتي، أو كنت شيعياً و أنت أهل بيتي… هل لنا من فرار يحملنا و نهرب به؟؟ من قرار ينقذنا من مستنقع انهيارنا؟؟ من قدر يرحم شبابنا العاجز و نذكر له؟؟ من بديل لوحشة الإنفراد؟؟ أو شفيع من سوط الإنتظار؟؟
إنّا منتظرون! إنّا منتظرون!
فما أهون كُربلاء بما نعيشه من نفاذ الأحوال مع بقاء السبل! و انقطاع الإتصال مع قطعية التواصل!

      عبثت أنت بفكرة انتصاف لقاءنا بين قطبينا على ساحل البحر الأحمر؛ فدماء بكاء فراقنا قادرة على أن تجعل من البحر الأحمر محيطاً أحمراً… أتشتاقين لهذا العبث الجاد، الآن؟؟
إذن، فلنتقابل في أي موقع، جحيماً كان، أو جنةً ثامنة!

     و اعلم قرينتي – إن وصلك كتابي هذا – بأن عذابي قائم يصلي في محراب عزلته، بانقطاع عينيك عن نظري، و  انقطاع أصابعك عن صدري!
متفرد بصبابتى، متفرد بكآبتى، متفرد بعنائى!
فالقوة! القوة! و الصبر! الصبر! و لتكن كاف "أحبكـِ" مدفع قائم – مثل عذابي – منتصب بذاته يرد كيد الأعداء في نحره… و لنجعلها مدفع ضخم، وقوده الحب و الإشتعال… و لنجعلها مدفع أخضر لون سروالك الربيعي، و لنجعلها مدفع كناي بنغم فيروزيتك المفضلة، دافع لنا خيراً، دافع عنا شراً؛ يدمر الكائدين لك بسوء… و يمهل الكائدين لي، لعلهم يعقلون؟!

* اللوحة للرسام الأمريكي بارنابي فرناس.
                                                                أحمد زيدان  

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

8 Responses to !إذن، فلنتقابل على ساحل البحر الأحمر

  1. Nero كتب:

    عبثت أنت بفكرة انتصاف لقاءنا بين قطبينا على ساحل البحر الأحمر؛ فدماء دموع فراقنا قادرة على أن تجعل من البحر الأحمر محيطاً أحمراً… أتشتاقين لهذا العبث الجاد، الآن؟؟إذن، فلنتقابل في أي موقع، جحيماً كان، أو جنةً ثانية!
     
    ياله من امل!!!ويا له من حلم
    ذلك الذى اعتدت ان تعيش به..حتى ولو كان الوصال هو ما تستيقظ عليه..فى نهاية كل حلم
     
    قد تظن ان افضل طريقة للعيش..هو ان تعيش وانت مغمض العينين
    فأنت ساعتها لن ترى الظلمة..لا لا
    انك سترى نور الحب..ونيران العشق
    والم وحيرة الوجد
     
    بوست رائع زيزو
     
    دمت بود
     
    nerosam

  2. m كتب:

    بوست رائع زيزو بتفكرنى  ببعض مسرحيات الفصل الواحد الاوربية

  3. Ahmed كتب:

    شكراً نيرو… و شكراً للمحارب تروي…
     😛
     

  4. Amro كتب:

    ur are really gifted ya Zidan
     
    wonderful as usual

  5. Amro كتب:

    and a well choosen picture:)

  6. Ahmed كتب:

    Thanks Amr for your kind comment!
    And yess! The picture is endorsing the letter with very mixed and vague red emotions! I ADORE this picture!
    BTW, it\’s only painted by urethane on linen! Its called "Flood (Red Sea.)" However, I dislike to label pictures and photos, so, widening the channel for the viewer\’s horizon…
     
    Thank you, Amr, again! 

  7. Amira كتب:

    صحيح متيجي نتقابل على ســـــــــــــاحل البحــــــــــر الاحمـــــــــــر؟:)

  8. Ahmed كتب:

    في خلال 16 ساعة على ذهب البحر الأحمر نلتقي…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s