مرآة الهجرة

                                                                   ...

        

          أين ليليت، فقد انقطعت فجأة عن مراسلتي منذ فترة؟!
– تحولت للكاثوليكية، و هاجرت لروما.

و أسعد؟!
– اعتُقل، فعُذب، و قتل من فرط التعذيب في سجن تحأرضي شهير، بعد ضلوعه في خطة فاشلة لقلب نظام الحكم.

و رمزي؟!
– افتتح محل لبيع قطع غيار فيات بالمنيل، منذ عدة سنوات.

و نادر؟!
– أصبح كاتباً مرموقاً في أكبر مؤسسة صحفية قومية، و هي نفس المؤسسة التي كان يهاجمها بضراوة بالأمس على قهوة الحرية الهالكة.

و علاء؟!
– أمسى طبيباً خسيساً يبتاع و يشتري في أعضاء الناس، فهو ليس ماهراً، و يستغل فقر الناس المدقع. هو مليونير الآن و لم يعد يعرف أي منا، و عضو في نادي الجزيرة، و رئيس نوادي روتاري العاصمة.

و عطوة؟!
– كان محامياً ميسور الحال، و لكنه ارتشى أكثر من مليوني جنيه من النظام، و فيلا في المريوطية؛ لكي يغسل يديه من الدفاع عن أسعد صديق عمره، و بالفعل.

و هل لا تزال أميرة راقصة؟!
– تحجبت، فانتقبت، فانضمت لفرع جماعة الإخوان المسلمين في إمبابة، و هي من الكوادر الآن.

و سامر و لبيب؟!
– لا نعرف عنهم أي شئ.

و طارق؟!
– مات في حادث سيارة مريع على طريق القطامية هو و صديقته البولندية.

و موريس؟!
– وضع يديه في يد النظام الحاكم الذي كان يسب له كل الأديان و النحل بالأمس القريب، و أصبح رجل أعمال كبير و معروف، و هو أول وزير طاقة بعد التعديل الوزاري الأخير، بالإضافة لكونه نائب محصن بمجلس الشعب الحصين عن قرية ساقلته بسوهاج، قرية والده أساساً، لا يعرفه فيها أحد، و لم ينتخبه شخص واحد بالأساس، و لكنه نجح.

و عاطف السبع؟!
– لقد زنى بامرأة جمعة البواب، و قتله جمعة و عشيقته، و لكنه نجا، و يعيش الآن بشلل رباعي، قعيد في بيت سعاد أخته في حلمية الزيتون.

و جمال؟!
– لقد بات رفيقاً في الحزب الشيوعي.

و خديجة؟!
– تزوجت رجل أعمال شهير، يقولون أنه سعيد الطبال بعد عودته من العراق، و هي تقيم الآن معه في بوخاريست،
و تقضي إجازاتها بين موناكو و القاهرة… بعدما كانت أقصى أحلامها كورنيش الملك الصالح، و ذرة، و سينما صيفي مظلمة.

و وليد؟!
– لم يتغير… كما هو وليد الحلواني… سكير عربيد لا يملك قوت يومه، يعيش على إعانة أخيه العاجز محمود السمكري. ضبط قواداً منذ عدة أيام بشقة مفروشة بالعجوزة، و هو قيد تحقيق النيابة الآن. و لكن صلة فؤاد باشا القوية بأبيهم الحاج الحلواني رحمه الله هي كفالته الوحيدة دائماً، فإن كانت تفصل بينك و بين البراءة نسب، فقد يقيم ضباط الشرطة في مقام الوالد.

و مصطفى؟!
– تزوج ممرضة يهودية من أصل روسي قابلها في إحدى حانات أوكرانيا الوضيعة، حيث كان يعمل في شبكة دولية لتجارة الأسلحة، هاجرا لإسرائيل و أنجبا طفلين، و أخذ مصطفى الجنسية الإسرائيلية.

و إمام سلكة؟!
– يجري خلف الموالد و الأفراح… نفس الطريق الذي سحبته له أميرة يوماً – مازال يقترفه.

و إلهامي؟!
– لقد سلك طريق العارفين بالله بعد موت سلوى، و هو زائر دائم لدى جامع السيدة نفيسة، يرتدي الصوف الأخضر الخشن، يسقي الناس حول الميدان، ينام ملتصقاً بحائط الجامع، و يأكل فتات الطعام من الأزقة و أكوام السباخ، حتى انفلت عوده و أصيب بأمراض عضوية و نفسية تركت آثارها على وجهه الشاحب المتذبذب، و ضحكته الهستيرية بلا أي مبرر… لا يتذكر أي منا، و هو على حالته دائماً: سابحاً.

و منى؟!
– تزوجت بعدما إيمانها القوي براند، و أنجبت أربعة أطفال رغم مكافحتها السابقة لتنظيم النسل كطبيبة. تغيرت ملامحها الرقيقة لامرأة أخرى غابرة في أربعينياتها قد أكلتها خنازير الزمن؛ فقد صارت بدينة رتيبة بعد عود فرنسي حطت عليه خطوط الموضة و أكلت منه، و من شعر أسود رقيق لحجاب رخيص باهت منعها زوجها من الخروج بدونه، و حتى كتبها المفضلة، أحرقها جميعاً، حتى تمنت الموت.

– و كريم؟!
– التحى و أطلق يديه ينهى و يأمر أبناء شارعه، يذهب لزوايا و مساجد شاذة، و يلعن الخمر الذي كان من أشد ثمليها حرقة يوماً ما، حتى صار سلفياً متشدداً وجهه أقرب لإرهابيي طالبان، و حتى النساء اللائي كان يمجدهن و ينحت لهن أشعاراً يوماً ما، صار يسبهن في الطرقات، و يضرب بنات أخته – أولاد ميسة – مع أنهن لم يتعدين السابعة.

– و منة الجوهري؟!
تزوجت كريم.

و أين أحمد… لم أره منذ عودتي؟!
– قد قتلته الفلسفة و الجنون و الذات، حتى لقد أنقذه أهله الجمعة قبل الماضية من الإنتحار… و قد بدّل صورة الصليب الذي كان يؤمن به لصليب مقلوب، و صورة كبيرة لنيتشه يتجه إليها.

– لماذا لم تندهش من كل هذه الأحوال؟!
إذا كان الزمن لم يندهش و قد رأى أضعاف ذلك و شهد أهوال و مآسي لم يرها إلا هو، و مازال يمضي غير مندهشاً… فلماذا أنا؟!

                                                                                                                                                      أحمد زيدان   

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

6 Responses to مرآة الهجرة

  1. Ahmed Shokeir كتب:

    الحالة التي ذكرتها عن كل إسم من تلك الأسماء بطبيعتها وفلسفتها يمكن أن تصبح لوحدها قصة  كاملة
    Post of the day 🙂

  2. Ahmed كتب:

    ببقى سعيد بتشريفك و تعليقك أحمد بيه شقير…
     
    شكراً جزيلاً لك

  3. Menna-h كتب:

    Zidan….I am literally SPEECHLESS….MAN !!! seriously,I think you should write a book now….Really….I mean your standard is -i think- as good as any pro. writer out there….It\’s beautiful….I simply adore the way u write…so bold….& the last 2 phases, unbelievable !!!….I can\’t express how i feel rt now but u r -touch wood- SO TALENTED in a way i can\’t put in words….Write a book & i will surely be ur NUMBER ONE FAN….& i won\’t be astonished if one day one year i turn on the T.V. 2 find u being interviewed by Oprah 🙂 🙂
    Out of pure curiousity….are these real characters in your life & ur xpectations or just out of ur imagination? 

  4. Ahmed كتب:

    Dear Merope,
     
    This is too much actually, thanks for your complements, girl…
    Actually, they\’re all very deep imaginations by the horizon breadth, there\’s not any real character or person…
     
    Thanks for your comment dear. I really recommend that you check her, regularly. 🙂

  5. Amro كتب:

    Zidan………. You Rock

  6. Ahmed كتب:

    Thank you, dear Amr!
     
    I appreciate your visits and comments, bigtime, and you know it. 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s