ومضات نورانية

كميليا جبران و فرنر هاسلر في إعلان لحفلهم بحديقة الأزهر بالقاهرة في مايو 2007 

    

     تجتاح كميليا جبران تعاريج وعرة من مسطح الكينونة الإنسانية الشاسع إلى ذرى السماوات العلا، بحالمية و قوة، انسيابية و كآبة، و خفة و ثقل، معاً. إنها قمة تنافر المشاعر الإنسانية المترامية الأطراف، فهي تنثر أشعة غاية في الرمزية و العمق، و تنفخ صوراً مليئة بالمشاهد و الصور الحية؛ إيذاناً للمستمع بأن يحصد سكب نثرها، على موسيقى السويسري فرنر هاسلر الإيقاعية شديدة الحساسية، فهي إسقاطات إيقاعية إبداعية تناسب زوايا حنجرة كميليا التي أقل ما توصف به؛ أنها حنجرة من ياقوت أخاديد الجنة الزرقاء.

    كميليا هي من مواليد 1963، عكا، إسرائيل، من أبوين فلسطينيين، ظلت لمدة 20 سنة في القدس كانت فيهم قائدة فريق صابرين، تغني، و تلعب العود، القانون، و بعض الآلات الشرقية الأخرى، و الذي أنتجت معه أربعة أعمال، حتى استقلّت عام 2002، وانطلقت بمشروع "محطات" بعروض فنية في برن بسويسرا سرعان ما انتقلت على أثرهم إلى عدة مدن آوربية أخرى. حتى أنتجت بمشاركة هاسلر "وميض**" عام 2005، و الذي أحسبه من أفضل ما أنتجت الموسيقى العربية منذ بداية هذا القرن.

     كميليا تسلت إلى روحك الدفينة و ثناياك الظاهرة، إلى قلبك الفيضي و عقلك الحسّي، بحيث لا يستكشف المستمع إذا كان يستمع من خلال أذنيه أم روحه إلا عندما ينتهي وقت الألبوم و تنطفئ شعلة كميليا المضطرمة، لتدرك بأنك كنت تستمع بحواسك، جميعاً، لأن شريط الألبوم هو سينما حية بأبعاد ثلاثة، و ليست موجات صوتية مفرغة في العدم، و هذه السينما بكافة مقوماتها لن تفارق خيالك، أبداً. فمن ينتج فينا هذه القشعريرة الحسية و الجسدية، بالتأكيد لن ننساه.
ألبوم "وميض" يتماهى بين عوالم شديدة التداخل، بين فلول الخلايا و أطراف الأعصاب، فهي كلمات من وحي أعمال عظماء الكلمة أمثال النبي جبران، أدونيس، بول شاؤول، و غيرهم، و هو ما يضيف للإبداع أبعاداً تتموضع بعيداً عن أي رفض جسدي لموسيقى "وميض،" فحتماً سيتقبل جسدك هذا الإنتقال، و هذا الزرع الجديد – زرع أذنين رهيفتين موغلتين في الرهافة.
تجربة كميليا هي ثورة نثرية بكافة المقاييس، بمصاحبة عودها الفذ و إيقاعات فرنر هاسلر العبقرية، تصطحبك في رحلة حول محور مركز الذاكرة العريض الذي يتسع لمسافة سنوات ضوئية بعيدة، و حتماً هي رحلة في النهاية؛ نحو الهاوية.
أثناء طوافك في ركاب "وميض" الدوّار ستشعر و كأنك عجوز شاحب ذي شعر أبيض بائد، مموج، و كثيف، قابع في مقرّ جبل شاهق من الذكريات اللامرئية، ستشعر و كأنك نملة صغيرة وسط طبق ضخم من حساء الفيل، أو كأنك أكذوبة فادحة وسط مد من السراب اللامتناهي من الأكاذيب في أفق الأبدية.

     أنا أتوقع كميليا بشدة، فهي سيدة غير تقليدية، شاردة اللب دائماً، لم تعزف عن الموسيقى العربية التقليدية، بل حاولت و مازالت تحاول جاهدة أن توظف هذا الإرث الموسيقي الثوري التي تملكه، و تزكيه عبر رحلاتها الفنية التي تجوب آوربا بتراثها الثقافي العتيد مما يجعل المضمون عربي النشأة آوربي التلقيح، فتخرج هذه الموسيقى المهجنة جداً، الخاصة جداً، و المشعة لأقصى طبقات الإشعاع الفني الموسيقي في حزمة ضوء موسيقية نثرية كثيفة التشابك بين فوتونات الإبداع. كميليا لا تقنع بما هو موجود على قارعة الأذن العربية، بل تبحث عن الجديد، المتحرر، و المتطور، غير آبهة بما جمد في الأذهان، و جمدته الأوطان الخاملة و العقول الخاوية.
شئ مؤكد لا مراء فيه سيلقي بظلاله عليك بعد سماعك المتكرر لهذا الألبوم، فلا تندهش مثلاً إذا كتبت بطريقة مدهشة و غامضة، أو إذا قمت و زرت صديق لم تره البتة منذ سنين طوال، أو إذا تسلقت جبال الأولمب في مخيلتك، أو حتى إذا ذهبت لدورة المياه و بكيت بألم، و ندم، و حسرة… فثمّة سحر يكتنف غموض هذا الألبوم. فوميض هو موضع تطهير العالم السفلي.
الآن، أدفع في هذا الألبوم أي ثمن، و لكن اقتنيه! و استمع لموسيقاه الجليّة! و استمتع بلحظاته النورانية، فكنوز الدنيا جمعاء لا تعادل ذرة من الإبداع الإنساني.

كميليا. أدمنك!

"نحن أهل الشاطئ الآخر
بشر يَتعذَّرُ الوصول إليهم
مع أنهم قريبون مرئيون
ليس لأجسادنا حدود ثابتة
و لم يبق في وجوهنا غيرُ النظر
فنحن مطرودون من نفوسنا
ممنوعون من الإقامة في بلادنا الحقيقية

نحن أهل الشاطئ الآخر
دمنا يتحدّى الزمن
لا يد تقدر أن تمحونا

ذلك أن كل ما يُسْكِرُ النفوس
أو يبعث فيها النشوة
تولَّدَ مِنْ حركاتنا

نحن أهل الشاطئ الآخر
سجناء مرآتنا الخاصّة
يسيل رمل الزمن بين أصابعنا
لم نرد أن نستسلم للأحلام
مع أنها اكتسبت قلوبنا." **

* الصورة هي غلاف ألبوم وميض.
** هنا حوار سي.إن.إن مع كميليا، حول "وميض."
*** "أهل الشاطئ الآخر" هي أحد أغاني ألبوم "وميض،" و هي كلمات دميترس أناليس، و ترجمها للعربية أدونيس، و أبدعت أدائها كميليا جبران.
                                                                                                                                             أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في كلاسيكيات القرن التاسع عشر. حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to ومضات نورانية

  1. m كتب:

    انا اقصد بالتعليق  ده حيوانات ايامنا حلوة يا زيدان التعبيرات عن الغضب الى جواك اتجاه بعض المفاهيم فى الثقافة حوليك بس يا ترى ايه الح ي ا زيدان يارب تفهمنى………

  2. THE king كتب:

    مشكـــــــــــــــــــــــــــــور اخوي

  3. la Personne Humaine كتب:

    رائعة مدونتك سيدي الكريمتقبل مروريوقد نقلت رابطها للفايس بوكشكراسلالمرفيقة بنت علي منتصري

  4. Ahmed كتب:

    شكرًا جزيلًا رفيقة…نورتي

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s