الثورة الصمّاء

    

     "… نحن نكتب كتباً لأن أولادنا ينصرفون عنا. إننا نتوجه بالكلام إلى عالم مغفل لأن نساءنا يسددن آذانهن حين نتحدث إليهن.
"قد تردّون علي بأنه في حالة سائق التاكسي، فإن الشخص لا يعدو كونه مولعاً بالكتابة و ليس كاتباً إطلاقاً. يجب أن نشرع إذن بتحديد المفاهيم. فالمرأة التي تكتب أربع رسائل يومياً إلى عشيقها ليست مولعة بالكتابة. بل هي عاشقة. و لكن صديقي الذي يصنع نسخاً من مراسلاته الغزلية كي يسعه نشرها يوماً، هو مولع حقاً. فالولع بالكتابة ليس هو الرغبة في كتابة الرسائل، و اليوميات أو وقائع العائلة (أي الكتابة للذات أو للأقارب) بل هو كتابة الكتب (و الحصول إذن على جمهور من قراء مجهولين). بهذا المعنى يصبح ولع سائق التاكسي ذاته هو ولع غوته. و مما يميز غوته عن سائق التاكسي، ليس الولع المختلف، بل النتيجة المختلفة للولع نفسه.
"و الولع بالكتابة (ولع كتابة الكتب) يتخذ له حتماً أحجام الوباء آن يحقق نمو المجتمع ثلاثة شروط أساسية:

1 – مستوى مرتفع جداً من الرفاهية العامة، مما يسمح للناس بتكريس أنفسهم لنشاط غير نافع؛

2 – درجة عالية من تذرِّي الحياة الإجتماعية الذي يؤول إلى عزلة عامة للأفراد؛

3 – نقص جوهري في التبدّلات الإجتماعية الكبرى في الحياة الداخلية للأمة (من هذه الوجهة يبدو لي ذا دلالة أنّ في فرنسا حيث لا أحداث هامة عامة ترتفع نسبة الكتاب عشرين مرة أكثر مما هي في إسرائيل. بيبي** عبَّرت عن نفسها جيداً حين قالت "مرئياً من الخارج." فهي لم تكن قد عاشت خبرة ما. و الحافز الذي يدفعها للكتابة هو بالضبط هذا الغياب للمحنوى الحيوي، هذا الفراغ.)

"و لكن النتيجة قد تنعكس على العلة، عبر صدمة مرتدة. فالعزلة العامة تولد الولع بالكتابة، و الولع بالكتابة بدوره يقوِّي العزلة و يفاقمها. إن اختراع آلة الطباعة الضاغطة فيما مضى قد سمح للناس بالتفاهم فيما بينهم. أما في زمن الولع بالكتابة الكونيّ، فإن فعل كتابة الكتب يتخذ معنى معارضاً: كل يحيط نفسه بكلماته الخاصة كما لو أن جدارٌ من المرايا التي لا تسمح لأي صوت من الخارج بالتسلل من خلالها… *"

     "… من يكتب كتباً هو كُلٌ (عالم فريد لذاته و للآخرين جميعاً) أو لا شئ. و لأنه لن يعطى أبداً لأحد أن يكون كُلاًّ، نحن جميعنا الذين نكتب كتباً، لسنا شيئاً. و نحن نلبث غير مقدَّرين، حساداً و ساخطين و نتمنى الموت للآخر. و في هذا نتساوى جميعنا: باناكا***، بيبي، أنا و غوته.
"إن شيوع الولع بالكتابة، العصيّ على المقاومة، بين رجال السياسة، و سائقي التاكسي، و الواضعات، و العاشقات و بين القتلة و السارقين و المومسات و المدراء و الأطباء و المرضى، يبيِّن لي أن كل إنسان دون استثناء، يحمل في ذاته إمكانية كامنة للكتابة، بحيث أن الجنس البشري برمّته يمكن له بملءِ الحق النزول إلى الشارع و الصياح: "نحن كلنا كتّاب!"
"إذ أن كل فرد يعاني فكرة الزوال، و يخال نفسه غير مسموع و لا ملاحظ، في عالم لا مبال، و من جراء ذلك يريد، ما دام الوقت سانحاً، أن يتحول هو نفسه إلى عالم من الكلمات خاص به.
"حين يأتي يوم (سوف يأتي قريباً) يستيقظ فيه كل إنسان كاتباً، نكون قد بلغنا زمن الصمم، و عدم التفاهم الكونيّين…. ****"

* ميلان كونديرا؛ رواية "كتاب الضحك و النسيان؛" بيروت: دار الآداب؛ الطبعة الأولى، الجزء الرابع؛ 1990؛ ص110 و 111؛ ترجمة: أنطوان أبو زيد.
** إحدى شخصيات ميلان كونديرا الخيالية في الرواية، و التي تحاول كتابة كتابها الأول، و الذي يحوي تقريراً شبه مفصلاً عن حياتها، و التي ترى بأنها تجربة عادية بالكامل، و لكنها في الوقت ذاته بأنها خبرة داخلية جديرة بأن تكتب و يمكن أن تثير اهتمام الناس جميعاً.
*** إحدى شخصيات كونديرا الخيالية أيضاً، و هو كاتب براغي مغمور.
**** ميلان كونديرا؛ رواية "كتاب الضحك و النسيان؛" بيروت: دار الآداب؛ الطبعة الأولى، الجزء الرابع؛ 1990؛ ص 127 و 128؛ ترجمة: أنطوان أبو زيد.
                                                                                                                                     أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s