كيفك إنت؟

؟  

     إذا كان الماضي الذي وقع بالفعل يحتِّم عليك احتذاءه حرفياً كي تستخرج منه بعض العلامات على طريق الإلهام لذكرى ضائعة بين دفاتر صدئة قديمة قد داسها الزمن بتوالي أيامه، غير مكترث، و زحزحتها التواريخ الحديثة من الذاكرة القصيرة للذاكرة البعيدة الغارقة في طيّات النسيان، أو شبه النسيان. قد تبلغك لحظة ماضية ما، شبه حرفياً، بصورة فوتوغرافية ساكنة بفعل هذه الآلة العبقرية المسماه كاميرا، يتصل بسكونها المحض حركية بالغة التعقيد تتسابق إليها الحواس للعزف على أوتارها نفس اللحن الماضي ثانية، بإبداع و مهارة معلومة هذه المرة تختلف عن سابقتها كونها كانت في المرة الأولى مستقبل غير معلوم، و تختلف أيضاً كون هذه المرة تعتري الزمن ثبات عضلي و حركية عقلية بعكس اللحظة الأصيلة. و هي – الكاميرا الفوتوغرافية – إذ تسرق بوميضها السريع لحظة ضوئية خاصة جداً من عرض التاريخ، تستبق فعل هو في غاية الإبداع؛ بحفظ هذه اللحظة دون أخرى من عوامل التعرية الزمنية، الآنف ذكرها. هذه الذكريات الحقيقة ليست جوهر المقال. إن هذا الماضي المنصرم لا يستدرجك آن تذكّره في أيّة مساحات إضافية، أفقية كانت أو رأسية، لإعمال التخيُّلية، أو لإطلاق عنان الإلهام، أو حتى لاستلهام عنان رحِب من أروقة السماء و أفق اتساعها.
 
     إنّ فن التصوير الفوتوغرافي بوصفه أداة حافظة للذكريات، هو ككلّ الفنون الأخرى، يعبّر عن الحقيقة، و لكنّه ليس منها في شئ، فالصورة التي أمامك تعبّر عن حقيقة وجوديّة حدثت قبلذاك، و لكنّها ليست من الحقيقة في شئ، فلا أحد يقف خلف إطار الصورة متسمّرًا حتى ينعم بمشاهدتك له، بل و لا هم وقفوا منذ وقت التقاطها حتى الآن على هذه الحالة. إنّ الفن تعبير تجريديّ ملغز عن الحقيقة و لا شكّ.
 
     تقع على العكس تماماً ذكريات لم يقتلها الزمن بعد بسكينه الحاد، و لم تسايرها كيانك المجردة، و لكنك تعشها تماماً بكل ما أوتيت من قدرة على التبحُّر في مساحات لا متناهية من الخيال الإنساني المحض – أو لم تؤتى؛ بفعل مؤثرات خارجية تتداخل مع بصيرتك – بنفس خصائص استرجاع صورة تاريخية، و لكن بلا أي صورة حقيقية: أي ثبات عضلي و حركية عقلية مجرّدين إلا من الخيال – و تدركها أنت بحس مرهف بالغ الرفاهية، بل و قد لا تستدرجك هذه المؤثرات بدورها للتماهي معها عاطفياً فقط، بل أيضاً تتفاعل أعضاء جسدك الأكثر مادية بمشاهدها المعنوية الخالصة، حينئذ يتعامل معها المخ كماديات أيضاً في تشوش كامل للحواس. فبين كون المخ القائد المتقهقر الذي هزمه هذا المؤثر شر هزيمة داخل ميدانه الخاص، بل و تراجع هذا القائد لدور متأخر جد من أدوار معركة اشتد رحاها بين قوى الإلهام الغازية و قوة العقل المضطربة بين الواقع و اللاواقع، و بين الحقيقة المجردة، تشوش صارخ، لا شك.
     قد يكون المؤثر موسيقى، شعر، خمر، دخان، مشهد طبيعي، مشهد بشري، فراغ، لوحة فنية، منحوتة، امرأة حسناء، امرأة غير حسناء في وضعية حسناء، أو أيّ من هذه المؤثرات مجتمعين، أو أشياء أخرى كثيرة لا يسع المجال لذكرها، قد تغرق في تفاصيلها، أو قد تسبح في سطحيتها، قد تكون واضحة رأي العين، أو تجريدية كثيفة الغموض، لا معنى لها، أو لا وجود لها من الأساس، لا يهمّ، و لكن ما يهمّ أن تستدرجك بالفعل للتأثر عاطفياً لدرجة تجعلك تعايش حياة أخرى موازية، أو لحظات أخرى من حياة متوازية… هذه تماماً ذكريات لم تقع قط إلا في عقلك، و هذه بالذات – عكس الذكريات الحقيقة – هي التي تفرض عليك مساحات شاسعة قد يخطّها عقلك بما يشاء من الألوان، و يعطيها صوراً و أبعاداً و تفاصيل مُعقّدة، فهي تنتشلك و لا شك لأغوار عميقة غاية في الدقة و الترف، معاً.

     هكذا ارتكبت فيروز كل هذا و أكثر، ليس فقط بطبقات صوتية لا توصف، بل و لا يجرؤ امرؤ، وصفها إلا بأنها فيروزية خالصة، و كفى، و لكن أيضاً بكلمات هي أقرب ما يكون العبد لمعبوده حين يستمع إليها رائق اللب صافي الخيال.

 
     إذن، جملتين لحنيتين لا ينقصهما رسول الموسيقى زياد الرحباني، رسول من مهد هذه السيدة الطاهرة الكريمة، الرسول الذي صلب لآلئ كلمات نفيثة بألحان كريمة، ليشعّ هذا العقد الفني الخالد بدفئ هذا الصوت الأسطوري – فيروز. الرحبانية كعائلة موسيقية هم علامات بارزة على طريق الموسيقى اللبنانية و الشرقية ككل، و قد أثروا و لا شك الموسيقى الشرقية بما لا يحتمله أصحاب القلوب الرقيقة.
     تأمّل معي "بتذكر اخر سهرة سهرتا عنا!" و كفى ما لمست أنت من أثر الجملة، و ما ستعانيه من أثر فيروز هو أدهى، فالألحان هي أشد و أعمق و أكمل أبعاداً، لأن كون الجملة العادية تحمل بعداً واحداً؛ لغوياً، فالجملة الموسيقية تخترق حصون سبات عقلك بثلاثة أبعاد؛ لغوياً، لحنياً، و حسيّاً من أثر اختلاطهما، أضف إلى ذلك أثر فيروز الذي يضاعف الأبعاد لمسافة عشرات السنين الضوئية على درب النفس الإنسانية. فهي ترسم أمامك بحرفية الرسام؛ طاولة زجاجية صغيرة، ورق لعب، تسالي، أقنية نبيذ أحمر، بقايا عشاء متأخر، ديوان مخملي داكن، سيدة مستلقية في منتصف ثلاثينيتها تقريباً، بقميص تحتاني أصفر فاضح، ذات ملامح غير واضحة، منفرجة الساقين في وضعية الغير مكترثين، و خارج المشهد رُوب أحمر صارخ يلُفّ رجل ثلاثيني عريض، و كثيف الشعر، يدوِّر اسطوانة موسيقى في قاع الليل بيده اليمنى، و يتأهب بيسراه لملأ كأسين آخرين بثلج أبيض من إناء فضّي ليس بعيد، الثلج الأبيض الذي لن يلبث طويلاً حتى يذوب في نبيذ مسكر من قنينة حمراء قانية نصف فارغة، و يذوب ثانية لمدة أطول قليلاً في عملية احتراق فيزيائي كاملة بين هذين الجسدين الملتهبين على فراش الشهوة.
     ثمّة لمحة ثانية قبل أن أترككن تلعبن الأغنية، و هي من إنتاج عام 1995؛ ريلاكس إن، ضمن اسطوانة تحمل نفس الإسم، و هي جملة "كيفك قال عم بقولو صار عندك ولاد،" فمن فرط دلال هذه الجملة أنها تستوعب إسقاطات أحاسيس مختلفة و متشعبة ليس فقط من أناس تعايشن مع مثل هذه الموقف كل من زاويتها الخاصة، حيث عدن لأحبائهن ليجدهن ذوات أولاد و أشياء من ذات القبيل، و لكن أيضاً انعكاسات مختلفة لأناس في مختلف الأعمار لم يعشن مثل هذه القصة، بالمرة، و هو ما أنا في صدده الآن.
فمثلاً، قد تنبض لحظة ومضية لدى مراهق يستمع لهذه الأغنية، بأن "بقولو صار عندك ولاد" هي غيبة حبيبة لا تتعدى السنة أو السنتين على الأرجح بطبيعة الحال بحكم سنه الصغيرة، نسبياً،  و أسفرت لقاء المحبوب بأخرى عن أطفال لم يتعدين شهورهن الأولى بعد. نفس الجملة التي قد تستوعبها فتاة أكبر من هذه السن بقليل، و لنقل في أواخر عشرينياتها، بأن فيروز قد عادت بعد غيبة طويلة عن حبيب منذ أيام المراهقة لتجده ذا ولدين أو ثلاثة في مقتبل أعمارهن، و هي – أي فيروز – العائدة بعد سبع أو ثمان سنين على الأرجح، الغائبة منذ المشارف العشرينية لهذه الفتاة.
نفس الجملة التي قد تترك أثراً أكثر ضيقاً عند رجل خمسني أو امرأة أربعينية قد كفر بهما الشباب، و بلغ منهما العمر عِتيِّاً، حيث أنهن عشن هذه اللحظة على الأرجح، و هي لحظة تدفق أحاسيس قديمة حبسها الزمن عن الإنفلات، ليجدن أولاداً مراهقين و عائلة مستقرة لدى الحبيب المفارق، و غالباً ما يكون مدى اتساع الإلهام في تناسب عكسي مع عمر المستمع، في هذه الأغنية بالذات، ففي الحين التي يرمح فيها خيال المراهق أو الفتاة في آفاق ممتدة أمامهما لا يشكّلها إلا وحي إلهامهما اللحظي الشاسع الذي يعوِّض خبرتهما الذاتية الضئيلة، يعوق تقدم العمر و اتساع حجم الخبرة العقلية مساحة وحي الإلهام إبان اللحظة نفسها لدى الرجل الخمسيني أو السيدة الأربعينية، لا سيما ربطهما لكلمات الأغنية بواقع ملموس قد عاشه أو عاشته بالفعل، و هو ما قد يوقف عمل الإستلهام نهائياً؛ لأن الذكرى الحقيقة وقتذاك ستلقي بظلالها و تسلُّطها على بقايا المشهد الإلهامي لتحيله لأطلال ضائعة كما الرسائل الضائعة.
     دع عقلك يستضيف إلهاماً لحظياً لذكريات غير مرئية سريعاً ما ستوقف عمله في خصيصة التوقيف العكسي، و لا تدع الزمن يستحكم منه، طردياً!
استمع الآن لأغنية "كيفك إنت!"

* الصورة هي من زفاف فرانك وودز و مارجريت ينسين، عام 1925، بشيكاجو، و هي من أرشيف ريتشارد آرثر نورتون، و هي ذو مصدر مفتوح.

                                                                                                                                                                            أحمد زيدان
Advertisements
هذا المنشور نشر في كلاسيكيات القرن التاسع عشر. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to كيفك إنت؟

  1. Elza كتب:

    Lamento muito em não entender o que está escrito. A foto é linda.  Elza

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s