الفصل الأول: كأسان في نخب كوكب الشرق

                               كوكب الشرق و درّة الأرض

في
ذاك اليوم الصيفي المعتدل، أنهيت عملي بوحدة “أمراض
النساء و التوليد” في كلية طب قصر العيني، خرجت من بوابة الكلية الضخمة بعد الثانية
ظهراً بقليل، و استقلّيت سيارتي فيات الخضراء حتى منزلنا الكائن بشارع 7 بالمعادي.

     لم تكن أبداً شوارع مصر مزدحمة سواءاً في هذه
الذروة، أو حتى في ليلة الخميس من نهاية الأسبوع، بل كان كل شيء هادئًا و أخضرًا و
جميلًا، و دائماً ما شدّ انتباهي مشاهد الحب على ضفاف النيل حول الكوبري الخشبيّ بالملك
الصالح، و حالما كنت في حالة مزاجية جيدة، أقف و أستنظر هؤلاء العاشقين و العاشقات
بالزي المدرسي، خاصة قبالة نهاية الأسبوع، بعد انتهاء مواعيد المدارس التوجيهية. لا
أدري حقاً إن كانت هذه التأملات شوقاً لحالة حب مثل التي يعيشونها هؤلاء الصغار، حتى
و إن عازته الخبرة و المسؤلية و حفّه الطَيش و اللامبالاة، أم كانت حقًا حنيناً لامرأة
لم تتجلّى بعد، و لم تملأ فراغات حياتي المعنوية والحسية الفاغرة بكيان محض يمتزج بسائل
وجودي الشاب، لتقضي على مثل هذه الفراغات للأبد. على أيّة حال، كان اليوم في مبتدى
الإجازة الصيفية تقريباً، و العاشقون و العاشقات قد يكونوا في أمكنة أخرى غير كورنيش
الظهيرة بنسماته العليلة.

     في السابعة و النصف مساء ذات اليوم، كنت على
كرسي خشبي أمام إحدى أركان خمّارة حنّورة القابعة في منتصف حارة زغيب القاهرية العتيقة،
و هي حارة صغيرة بين العتبة و التحرير، منحنية قليلاً من ميدان مصطفى كامل. لم يطل
انتظاري، حتى طلّ بعد دقائق صديقي و زميل الطفولة، شفيق أنيس. إنه دائماً ما كان حادًا
في مواعيده كنصل سيف. بادرني بالسلام؛

– سعيدة.

– سعيدة عليك.

– جبت التذاكر؟

– أينعم!

– فين؟!

– في الحفظ و
الصون.

– خد يا سيدي
العشرة جنية. (مدّ يده، فالتقفت منه أنا الورقة، و أعطيته التذكرة.)

– على 8؟

– 8.30

– لازم نشرب بسرعة
عشان نلحق.

– و هو كذلك!

     طلبنا كأسين ويسكي مصري، و من ثمّ كأسين براندي،
أفضيناهم في حلقينا، ثم أطرقنا قليلاً، كلٌ منّا يحاول شحن بعض من الترف الحسّي على
اللحظات في إثر الشراب.

     الحق يُقال؛ لم تعد تربطنا أنا و شفيق مواعيد
كثيرة هذه الأيام سوى حفلة كل شهر أو أطول، و لا نكاد نلتقي بينهما أبداً. شفيق، بالمناسبة،
هو صديق المراهقة منذ أيام مدرسة ميت غمر الثانوية، و هو اشتراكيّ شديد المراس، رغم
يهوديته المحافظة، و رغم هجرة عائلته إلى إسرائيل فيمن هاجروا بعد انقلاب يوليو، بينما
فضّل هو البقاء ها هنا، و لا أدري حقاً هل حبّاً في مصر؟ أم إيماناً بعبد الناصر؟ أم
أمراً ثالثاً قد نفرد له مساحات في فصول أخرى قادمة؟! ورث شفيق متجرين للمجوهرات؛ أحدهما
في المنصورة، و الآخر في الأسكندرية عن والده أنيس شلهوب، الأخ غير الشقيق للممثل عمر
الشريف، و كان والده قرائياً متديناً لحد كبير. فيما أنا على النقيض تماماً، من حيث
خلفية عائلتي التي قد حسبوها آنذاك إقطاعية، و كانت هذه “الصفة الشريرة”
مبرراً كافياً لسرقة كل ما نملك، مما دفعنا للهرب لفرنسا من بطش و استبداد ناهبي الثورة
و مزوِّريها و ملفِّقيها في أعقاب اندلاعها. بقيت عائلتي في عاصمة النور، ولكني عدت
بمفردي أدراج الظلام مرة أخرى بعد سنتين؛ كيما ألتحق بكلية طب قصر العيني حسب وصية
جدي المرحوم عدلي بك وفيق، و هو من خريجي طب قصر العيني القدامى قبل انضمامها للجامعة
المصرية، و كان الطبيب الخاص للملك فؤاد الأول حتى وفاته عام 1936، و كان فيزيوقراطياً
صارماً يؤمن بأن الثروة لا تُستمد إلا من استصلاح الأراضي و تطويرها، و هو من أول المرتحلين
من العاصمة إلى الدلتا للتوسع في استصلاح الأراضي و زراعتها، و كان يلاقي وقتها دعماً
هائلاً من الملك، و في نظرته الإقتصادية هذه، كان يبدو و أنه متأثرٌ لحد كبير بسنين
طفولته التي قضاها في ريف فرنسا، متطلّعاً على قراءات الفيزيوقراط الآوائل، من أمثال
فرانسيس كوينساي و بيير صامويل دو بونت.

     لمّا عدت للقاهرة مرة أخرى، بعد عزل محمد نجيب
عن السلطة عزلاً مهيناً من قِبَل هذا الباطش المستبدّ، لأنه لم يعد الواجهة البرّاقة
لتطلعات و تحرشات المحتال الأكبر لنهب مصر، لم أجد أيّ آثر لأملاكنا الخالية، و لا
قصورنا، و لا أراضينا التي نُهبت بإيعاز من رب الثورة المشؤومة. لم نكن نحن قد
هربنا لفرنسا إلا بجزء قليل من ثروتنا؛ لضيق الوقت مقارنة بهول الأملاك، بالرغم من
أنها تحولت لأموال سائلة آنذاك.

     بينما و في أثناء السنتين اللتين مكثتهما في
باريس اكتسبت كثير من القيم الغربية الديمقراطية، و كنت ألعن هذا الانقلاب الذي أطلقوا
عليه ثورة ليلًا نهارًا، و كل من قاموا به، و الشعب الذي آمن بمن قاموا به، كنت قد
كفرت بالبلد والناس وكل شيء. في الحين التي لم يكتسب فيها شفيق أي تغيّر كبير، فهو
مايزال ناصرياً قومياً. و لذا لم تكن بيننا ثمّة حكايا سياسية البتّة، فهو يدري رأيي
مسبقاً، و أنا أيضاً، أعرف جيداً ما تصبو إليه طموحاته.

     خرجنا في اتجاه التحرير، و لم نكن قد نبسنا بأيّة
كلمات أخرى إلا عندما دفعنا حساب الشراب في حنّورة. كنا نحاول جاهدين التثبّت على ما
وصلنا إليه من مقدمات السكر حتى تصطلنا الست، و نسكر تماماً إزاء عالمها الملئ بالخبايا
و الطرب.

وصلنا أمام دار سينما قصر النيل في
الثامنة و الثلث تقريباً، ركنت سيارتي الخضراء بحذاء الرصيف المقابل للسينما. لم يكن
ثمّة زحام شديد، إلا من سيارات مرسيدس فارهة توقفت بالقرب من الدار، و ثلاث عربات إذاعة
زرقاء ضخام يستعد كلُّ من فيها على قدم و ساق لبدء البث الإذاعيِّ الذي يستمع له في
نفس الوقت، مع الحشد الكبير الذي يفوق الخمسمائة حاضر، ملايين تسعون على أقل تقدير
من أقصى الشرق الأوسط لأقصاه عبر إذاعتنا المصرية التي شوّه اسمها ناصر المهانة بتحويلها
إلى إذاعة الجمهورية العربية المتحدة.

     لقد ولدنا يوماً فوجدناها مصراً، مصر الفخامة
و التاريخ، و استيقظنا آخراً فوجدناها عزبة، عزبة ما سمّوهم العامة وقتذاك “رجالات
الثورة،” و لا هم كانوا رجالات، و لا هي كانت ثورة، و استيقظنا ثالثاً فوجدناها
جمهورية عربية متحدة، و لم نكن عرباً، بل و لم نكن متحدين في شئ، و استيقظنا رابعاً
فوجدناها نجسة بنكسة مهينة لم تلوث صفحات تاريخنا قطّ، فهاجر من هاجر، و هرب من هرب،
و علِم من رُقِم في جُبِّ وطنه ثَكلاً أنه قد أصبح بلا قيمة إنسانيته تُذكر، بل و لا
جدوى لوجوده من الأساس، و لا مستمع لنحيبه إلا غياهب المعتقلات! و لا لعويله إلا دروب
السجون التحأرضية! فلم يعد يهتم أحداً اهتماماً بالغاً، سواءاً لرغبتهم في النجاة،
أو غصباً عنهم بالموت داخل أنفاق مظلمة سحقتها الرطوبة، و طغت عليها أسراب دود و أشباح
جثثٌ هامدةٌ.

     دخلنا فوجدنا القاعة قد امتلأت عن آخرها، و لم
نجد إلا كرسييّن على يسار المسرح بالقرب من مذيع الإذاعة، اتجهنا إليهما صامتَين، كلٌ
منّا يحاول الحفاظ على الاتزان النفساني الذي قد وصل له كل بمفرده من آثر الشراب. جلسنا،
و قد سمعت بعض كلمات مذيع الإذاعة، و لكنّي لم أحاول إجهاد نفسي بالتركيز أو التفكير
حتى لا أخسر عمق اللحظات، حتى تستهل الست ما سوف تنشد. و بعد قليل سمعت من همهمات رجال
و تنهدات نساء أن الوصلة الأولى هي بعيد عنك.

     رُفعت الستار في الثامنة و النصف تماماً، و غطّى
التصفيق على بداية الموسيقى حتى انتهى ليعود إليَّ اتزاني المنتشيّ بالموسيقى، و إلى
شفيق أيضًا الذي كان هائماً قليلاً، لم يكن الجزء الأكبر من هيامه هذا يكمن في محاولة
الشارب للتحليق خارج أبعاد الزمان، بل محاولته للتحليق داحل مشاهد صوت الست. لا أدري
جيدًا أين كان عقلي آنذاك، و لكن بلا شك، فإن أرقى شرفات الحالات الشعورية قد تتوجك
فيها هذه الكوكب الكروانية الأصيلة، و الشراب أيضاً. إن أم كلثوم ليست فقط أسطورة في
تاريخ الغناء العالمي، و لكنها أسطورة في تاريخ كوكب الأرض لن يصدق عقلاء القرون القادمة،
بعد مائة أو مائتين عاماً من الآن، أنها كانت بشراً موجودةً بيننا حقاً، تماماً مثلما
لا يصدق الآن البعض في مدى جدوى فكرة وجود إله من عدمه، لقدم الفكرة و زوالها
بالتبعية، فصارت استحالة استلهامها أمراً مسلّماً به، و بالتالي فإن عصيانها على إقناع
العقل البشري الحالي قد بات أسهل و أسهل بتقدم الزمن.

     إنني أرى أم كلثوم الآن من هذا الركن من هذا
المسرح الكبير في هذا التوقيت تحديداً من هذه الزاوية الشرقية الشمالية من الكرة الأرضية،
و قد يؤمن في كلامي الأجيال القادمة أو لا، و لكنّي فخور باللحظة و بكون حيّز وجودي
فيها حاضراً بكامل وجوده، تماماً مثلما حواريّو النبي عيسى و فخرهم بوجودهم إلى
جانبه، بل و كتابتهم كتب مقدسة بعد ذلك لشرح كنه هذا الوجود وتحليله، الشروحات
التي قدسها البعض بوصفها فقط كُتبت من قبل من عايشوا عيسى نفسه، أو مجرد سمعوا عنها،
لتستمر في وراثتها الأجيال المتعاقبة حتى تنتهي فكرة الحياة، أو ترث الأرض مخلوقات
أخرى.

     ثمّة أعمال بشرية من أمثال أم كلثوم، شكسبير،
نيوتون، آينستين، جبران خليل جبران، كافكا، موتسارت، بيتهوڤين، بيتلز، پينك فلويد،
فيروز، و محمد عبد الوهاب، قد فاقت في عمقها كل حدّ، ففاقت قداستها حدّ قداسة الكتب
السماوية؛ لأن كون الكتب السماوية إلهية يكسبها كثيراً من الاعتيادية في ذاتها، أمّا
أعمال بحجم هؤلاء، مع بشريتها، فهي في حد ذاتها مكمن الإعجاز، و لا يعدّ هذا بأي حال
من الأحوال تحقيراً من شأن الإله، و لا تأليهاً لشأن هؤلاء، و لكن بكل بساطة: إنما
أعمال هؤلاء هي بشرية خالصة، لا ثمّة وجود ليد إلهية فيها قد تُفقد للمعجزة قيمتها
البشرية بدورها، و آنئذ فقط تكمن القداسة، فهي في مثل هذه الحجم –  و لكن صنعة بشريّة خالصة.

     “خد من عمري، عمري كله، إلا ثواني أشوفك
فيهم؛” هذه الجملة بالذات تبرز كم المعاناة التي تعانيها هذه السيدة حتى تحظى
بلحظات معدودة مع الحبيب المفارق، لحظات فقط، و بعدها الموت، أو حتى إن تخللها الموت،
لا يهمّ! و لكن ما يهمّ حقاً هو أن تحظى بهذه اللحظات. و إن كان طبيعياً أنَّ أم كلثوم
لم تعانِ من كل روائعها فعلاً، فنحن عانيناها بوقع كل كلمة، و عانَينا من كل نفس طربيّ،
و استغرقتنا بكامل وجودنا بطول الأغنية، جميعاً. استمعنا لها، فاستمتعنا بها، و توطّنا
بين جنبات اللحن هائمين على وجوهنا، حتى انفضّ اللحن، فانتفضّ كلٌّ منّا إلى عالمه
الخاص، و لكن بقيت أم كلثوم خالدة في مكانتها، و بقيت كلماتها عاملاً مشتركاً بين عوالمنا
كافة، و بقي اللحن دومًا جزء لا يتجزأ من تركيبنا الماديّ البحت، حتى بعد مُضيّ كل
هذه السنين، و الهجرة.

     وجعتنا جميعاً جملة “الشوق… آه من الشوق.”
لأن تأوه أم كلثوم ليس كتأوهنا، بل أشدّ تأوهاً، إنه فيه عذاب، و حسرة، و قوة، و ضعف،
معاً. إن آهة أم كلثوم ليست كفيلة فقط بدعوة الحبيب إلى كل ما يشتهي من جنان الأرض،
بل بجذبنا جميعاً بطاقة كهرومغناطيسية، تفوق أشدّ المجالات جذباً، إلى حيثما
“عالم حنجرة أم كلثوم.”

     “ياما، ياما بداريها ياما… ياما بحكيها
ياما؛” انفرط كلُّ الطرب من بين عقد هذه الجملة، فقد أعادتها الست أربع مرات،
مرتين بتشديد ياء “ياما،” و مرتين بتمديد ألفها، فسقط عنّا جميعاً لباس الوجود،
و حتماً تهافتنا على مكان ليس بأرضياً – هذا المكان لا يكن، و لا يصحّ له أن يتموضع
إلا في حنجرة أم كلثوم نفسها، التي و إن وُصفت بأنها إلهية، لعجز الوصف عن شمل الموصف،
و لحلّق الموصف من تحت مخالب الوصف إلى عوالم لا توصف إلا بالحواس.

     اغتالت أم كلثوم قلبي اغتيالاً تاماً عند جملتها
الطربية القاتلة “و العمل… إيه العمل… متقوللي أعمل إيه؟؟” إنها ليست
فيها فقط أسباب الموت، بل كل أسباب الحياة!

     انتهت الأغنية و لكن لم تنتهي أبداً لذّة الطرب
التي كثيراً ما تشبه نشوة جنسية مستمرة بطول شيق الأغنية.

     انتهت الأغنية، و لكنّي ظللت أسير مقعدي، و حولي
شرر حاد يتطاير من تصفيق جنوني من جانب كل السيدات و الرجال، و من جانب مذيع الإذاعة،
عاطف عبد الحميد، نفسه الذي وقف مغرورقة عينيه بدموع كثيفة، صارخاً، مثل معظم الناس.
أما صديقي شفيق، فقد أخذه الطرب أخذ المارقين الكرام، ليصرخ، مُفزِعني، و مُحدثاً جلبةً
شديدةً؛ “خديني يا ست!”

     جدير بالذكر أنّ صديقي شفيق أنيس هو نفسه الذي
صرخ في مرة تالية بعد سنتين أو ثلاث، مردداً جملته الشهيرة “عظمة على عظمة على
عظمة يا ست!”

     استمر التصفيق لأكثر من دقيقتين، كانت الستار
قد أُغلقت خلالهما، و همّ مذيع الإذاعة بالحديث عبر الأثير في جمل التقطت من بعضها
خيوط صوته الخفيض الرخيم؛ “… ليلة القاهرة… ليلة كوكب الشرق أم كلثوم… أم
كلثوم في محراب الحب و رحابه الواسعة. كنتم مع أغنية جديدة، عفواً، أغنية قديمة بنبضات
قلب أم كلثوم، فهي التي أنشدت اليوم ما سمعتم، و أحسسنا بها اليوم لأول مرة رغم أننا
سمعنا لها مرات و مرات عديدة من قبل… كنتم مع الوصلة الأولى من السهرة الأولى ضمن
سهرات ليالي القاهرة عبر إذاعة الجمهورية العربية المتحدة من ليلة الخميس الخامس و
العشرين من يونيو، عام ألفاً و تسعمائة و أربعة و ستين، حفلنا الساهر الممتدّ مع حضراتكم
حتى الساعات الأولى من صباح غد. و قد غنّت لنا كوكب الشرق أم كلثوم في الوصلة الأولى
أغنية “بعيد عنك،” و هي من كلمات الشاعر مأمون الشناوي، و ألحان الموسيقار
الشاب بليغ حمدي. في انتظار الوصلة الثانية التي ستبدأ في تمام العاشرة، أي بعد خمس
و ثلاثين دقيقة بالتمام و الكمال من الآن، حيث تقدم لنا فيها رائعتها الجديدة انت
عمري
، الأغنية التي يلتقي فيها أفضل ثلاثيِّ على الإطلاق، و الذي يضمّ كلاًّ من
الشاعر أحمد شفيق كامل، و موسيقار الأجيال الخالد محمد عبد الوهاب، و كوكب الشرق أم
كلثوم.

     “سنقطع الوقت المتبقي بأيّ شكل و على أيّ
حال حتى تدنو ساعة اللقاء… و حتى نلتقي، ينتقل الميكروفون الآن من دار سينما قصر
النيل إلى دار الإذاعة بالـ… “

     لا أتذكر حقاً كيف قطعنا هذا الشوط أنا و المستمعون
من حولي حتى بداية اللقاء الثاني، و لكنه حان، و سريعاً ما بدأ محمد عبده صالح، عازف
القانون و رئيس فرقة أم كلثوم وقتذاك، بداية سحرية خاطفة استنفرت مشاعرنا خلالها، و
انتفضت لها حواسنا جميعاً، حتى صفَّق جميع الحاضرين تصفيقاً مهولاً جعلته يعيد عزف
المقدمة ثانياً وسط سكون الجميع كيوم يُحشرون، حتى عزف المقدمة الأسطورية ثلاث مرات
متتالية انقطعت كل منها عند لحظات متفاوتة، بينما اكتملت الوصلة في المرة الرابعة،
و لكنها لم تكتمل في أذهان الجميع على كل حال؛ لأن سماعك لرائعة انت عمري لأول
مرة في حياتك داخل هذا المسرح بالتحديد قد تكون تجربة شديدة الوطأة، فيصعب، بل يستحيل
أن تهضم أنت كل ألحانها من المرة الأولى، فالأولى هي صدمة بأيّة حال، صدمة كطفل يزحف
على أرضية العالم لأول مرة، أو كطبيب تموت بين يديه مريضة لأول مرة. في كل مرة من المرات
الثلاث التي استهلها عبده صالح، تعثر الآذان على سحر لحظي غامض يتخطّفها من بين أوتار
القانون الذهبية، حتى لتطغى اللحظة على بقيّة اللحن فلا تني تسترجع اللحظة مرة أخرى
في دماغك، التي ستنفجر من شدّة حساسية موسيقى وهاب الخالدة، لتنسى بقية اللحن.

     بينما كان يعزف الأستاذ محمد عبده صالح المقدمة
للمرة الرابعة و الأخيرة، لم يكتمل ثلثين الدقيقة، إلا و قد دخلت الفرقة الموسيقية
كلها من بعده، لنُفاجأ جميعاً بسيدة فاتنة في منتصف أربعينياتها قد ارتمت أرضاً مغشيّاً
عليها من فرط دلال النغمات، و كانت ترتدي كنزة سهرة سوداء قيّمة، و تنّورة سوداء قصيرة
لامعة، كشفت عن فخذيها البيضاوين عندما سقطت.

     لا أعرف أين كنت أنا طوال هذه الأغنية حقًا،
فكل جملة أسرتني معها لعالم سحريِّ جليل، و مكان خلاب بعيد، و لم أفق و أستردّ وعيي
نصف كاملاً إلا على “الماضي و جراحه… اللي شفته… قبل متشوفك عنيّة… عمري
ضايع… يحسبوه إزاي عليّ… انت عمري.” لم أكد أرى أيّة شئ، فقد شوَّش الطرب،
و الصطل، و الجمال مرائي عينيَّ… و لا أتذكر حتى اليوم رغم فوات كل هذه العقود كيف
رجعت لمنزلنا الكائن بشارع 7 بالمعادي.

عماد ميشيل عدلي*

 

     *كان هذا هو الفصل الأول من مذكرات الفقيد سير
عماد ميشيل عدلي، المصري الأصل و البريطاني الجنسية، و الذي كان حتى مصرعه الأليم في
ساعة باكرة من صباح يوم أمس رئيساً لقسم أمراض النساء و التوليد بكلية طب سانت جورج،
جامعة لندن، و أحد الأعضاء البارزين بالكلية الملكية لعلم أمراض النساء و التوليد الملكية،
و هو أيضاً حائز على جائزة نوبل في الطب لعام 2007؛ نظرًا لمجهوداته الفائفة في محاولات
ربط بعض حالات سرطان الثدي بالإجهاض المتكرر.

     أغلب الظنّ أنه لقي حتفه على يد مجهول ألقى به
من شرفة بيته الواقع في الدور السابع من العقار ن1 الكائن بشارع بوول، بحيّ هاكني الراقي،
شمال شرقيّ لندن، و هو شارع حيويّ و شهير، كان قد استخدم ألفريد هيتشكوك استديوهات
جينسبوروه، الواقعة على مشارفع، لتصوير أفلامه الأولى. و قد بدأت الاستخبارات
البريطانية فور وقوع الحادث في مباشرة التحقيقات، و لم يتمّ حتى الآن الإعلان عن أي
تصريح رسمي.

     قُتل سير ميشيل، أو انتحر، عن عمر يناهز الثالثة
و السبعون عاماً، ليظلّ مصرعه لغزاً ضبابياً جديداً لا تقتل إلا المصريين المقيمين
في لندن بالذات، بنفس ذات الطريقة و الكيفية، حينما يتكرر المشهد و يأخذ أحدهم معه
بقية فصول أخرى كثيرة من مذكراته الغير مكتملة، و يهجر هذه الدنيا بلا عود، و لا يخلّف
وراءه إلا أسباب الحيرة، بعد الليثي ناصف عام 1973، و سعاد حسني عام 2001، و أشرف مروان
عام 2007، يلحق بهم سير عماد عدلي عام 2008.

     الجدير بالذكر أن سير عماد قد تزوج مرة واحدة
فقط من نور الهدى، الممثلة و المطربة اللبنانية التي تكبره بإحدى عشرة عاماً، في بداية
مشوارها الفني في القاهرة، في زيجة لم تستمر إلا شهران، هاجر في إثرهما إلى لندن، و
لم يتزوج منذئذ، و لم يزر مصر منذ الرحيل عنها إلا محمولاً داخل نعشه.

     وصلت جسمانه الطاهرة، و دفنت في مقابر العائلة
بالمنصورة في ساعة متأخرة من ليلة أمس، و لكن لم يصل معه الفصل الأول و الأخير من مذكراته.


أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

9 Responses to الفصل الأول: كأسان في نخب كوكب الشرق

  1. m كتب:

    احسن حاجة انى الفصل ده عيشك فى جو عتيق رومانسى فجاة صحيت منه على  قصة مقتله
    ياتى ايه السر ورا  قتله؟؟؟؟؟؟؟؟

  2. shereef كتب:

    صدقني لم ارى منذ زمن طويل من يستطيع ممارسة الحب مع كلماته بمثل هذه الفحولة ليطرح لنا الحب والكثير من الحرية وبعض الفجور الذي اخاف ان اقترب منه استمر يازيدان دائما فانت كأس يطفح سكرا ادمنت نشوتها بالرغم من اقلاعي عن الخمر منذ زمن

  3. Ahmed كتب:

    dratwa9
    هذه كانت قصة قصيرة…
    ___
    afreet22
    فلنشرب نخب الفجور، و الحب، و أم كلثوم
    🙂
     
    شكراً لزيارتكما…
    دمتم بود

  4. amira كتب:

    ايه ده لا حلوة اوى …i enjoyed reading it

  5. Hitham كتب:

    قصة تعيدنا إلى أيام الأبيض و الأسود .. تفاعلت مع القصة يا زيدان 🙂

  6. Ahmed كتب:

    أشكرك هيثم وأشكرك أميرة…تحياتي

  7. Ahmed كتب:

    لو أردنا الإنصاف فإن أم كلثوم في هذه الفترة وحتى وفاتها أصحبت أيقونة مقدسة في حياة المصريين. كتب جودون جسكيل في مجاة لايف: إن تغييرا يشمل حياة الناس في الشرق الأوسط على اختلاف طبقاتهم وأعمارهم وعقائدهم مرة في كل شهر ودائما في العاشرة مساء فالمرور يكاد يتوقف في القاهرة وفي مقاهي الدار البيضاء تختفي الطاولة وفي بغداد يترك الأغنياء موائد القمار, في السعودية ينزوي الشيوخ داخل خيامهم الضاربة في عمق الصحراء وكلهم آذان تتركز على إذاعة القاهرة في انتظار أم كلثوم.

  8. Abdurahman كتب:

    only one word …………… wonderful !

  9. Ahmed كتب:

    أشكرك يا عبد الرحمن بك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s