بين فرجها الموت

                                                          State_of_Mind                                                
                     *   Glory Rose – State of Mind                                                                                     

    


     في أمسية ليست ببعيدة، في بيت ريفيّ طوبيّ بسيط، على مقربة من الطريق المودي لهذه القرية المتهالكة الموارد، في حين أنَّها لا تبتعد عن العاصمة المشرقة، كثيرًا. و التي يستيقظ رجالاتها مع كل إشراقة شمس على الزراعة، و لا يهرعوا للنوم إلا بعد يوم طويل و مرير.

     عاد هو للبيت، و لم يطل كلامهما حول حواف الطبلية الواطئة كنفسها الوحيدة الغائرة جُرحًا، و المستديرة، فعادة ما يعود هو مستنزَف القوى، بينما هي مستنفذَة المشاعر، فلا شئ يدعو لأيّة مشاعر أو حنين؛ فالجو شتائيّّ يحتم على الدفئ، و سبع أولاد و بنتين، بينهما رضيعة، قد خلدوا جميعاً للنوم مبكِرين، و هي بدورها قد أحضرت الفطير الساخن و المِش و العسل الأسود بلون أيامها المتعاقبة الفارغة، بل كحياتها كلها.
أكل هو ناهمًا، فتوجه إلى غرفتهما المقابلة لنهاية طُرقة طويلة تتوسطها لمبة جاز صفراء كئيبة على منضدة داكنة، حيث تتفرّع من هذه الطرقة ثلاثة غرف نوم، و أخرى للخزين، و دورة مياه بالية، و تغطي أرضيتها حسرة، و حيرة، و حصير أخضر مُترب. و كان عليها هي إلا أن تلبِّي نداء الشهوة… استأخرت قليلًا متعللًة غسيل الأطباق الكبيرة، و قضاء حاجتها المتعجلة على ضوء الطرقة الخافت… و من ثمّ سلتت للغرفة بعد نصف الساعة، تقريباً، و اندهشت كونه لا يزال ذو عينين طارفتين نصف مفتوحتين، منتظراً قدومها لمجال رغبته البليدة.

     خلعت هي عن جسدها القمحيّ المترصِّب في آواخر عشرينياته – و الذي يبدو و كأنه ذو ثمانين خريفًا – جلبابها المزركشة الفضفاضة، و راحت تتأمل لثوانٍ سقفهما السماويّ العريض المرتفع فوقهما و فوق رغبته، السقف الذي قد يبدو للعيان متهاويًا ملبَّدًا بالخيبة و الغيوم؛ ظنًّا منها أن بإمكان عرضه أن ينكمش و يتقوقع و يبتلعها للأبد، فلا تعاني ثانيًا أبدًا، أو حتى أن يمتدّ عرضه ليتحولَّ لسماء عريضة صافية عِوضًا عن حيض آلامها التي لا تتعدى حدود مهبلها، فيمكنها الهروب تحته للأبد، أو حتى أملًا في أن ينهمر مُسببًا خارجيًا، فتهبُّ عاصفة كجوستاف، لم تشهد لها البلاد مثيلًا من قبل و لا بعد، فتخلِّصها من آلم كل ليلة المبرح، الشديد التأوُه عذابًا و ليس متعًة.
كل هذه اللمحات الخاطفة قد تراكمت أمام ناظريها في لحظة طردها لزفير سريع متعاقب و كأنها تطرد العالم، و تعجِّل من أجلها المحتوم، أو كأنها تضع بزفيرها هذا حدًا فاصلًا بينها و بين السقف حتى توقف هذه الصور – أو بينها و بين العالم.

     كشف تعرِّيها الكامل عن قوام غير متسِّق، فهي ذو ثديين كبيرين من آثر الإملاج الشبه متصِّل، و الذي قد محى بدوره طبيعتهما المستديرة ليعطيهما بُعدًا وهميًا، و بطنًا منتفخًة قليلًا من آثر العشاء الأخير، و رواسب الدهون اليومية، و قلّة الحركة، و الحياة أيضاً. بالإضافة لفخذين قد نبت عليهما بعض الشعيرات السوداء كلون العسل، و اللائي لا يزعجن كثيراً هذا الذكر المستلقي بجلباب زرقاء قد رفعها لصرّته، قبل تحرير فخذيه من سرواله التحتانيّ الأبيض العتيق… تقدَّمت هي بخُطى ثابتة نحو السرير المرتفع ذي الأربع قوائم النحاسية، استلقت على ظهرها، و استجمعت كل قواها الرخوة لتزيح عن نفسها هذا الشبح المؤلم، محاوِلة تغييب نفسها بهدوء كمن مُقدم على موت مُحقَق و رحيل من عالم ملئ بالضجيج. حتى إذ استسلمت تمامًا غير آبهة، فهي تنزوي في آلمها المؤقت هاربة، الآلم الذي لن يطول بأيّة حال من الأحوال عن ثلاثة دقائق يُفضي فيهم هذا الشبح شهوته قصيرة الأجل – و تُفضي هي آلامها أيضًا – الممتزجة برائحة أنفاسه القذرة من جرّاء اختلاط الفطير بالمش بالدخان، و جسده الثقيل المُحمّل كعبئٍ إضافيٍ على ظهر جمل قد اعتاد هذه الآلام الشنيعة، و الرائحة الكريهة، و الحمولة الحيوانية الثقيلة، جميعاً.
تمدد فوقها، و أخذ يتقلب، و هي كصنم جامد، مُغمَضة العينين، محاوِلة الهروب لأيّة أمر وهميّ آخر غير الحادِث بالفعل، "ماذا ستطبخ غدًا، مثلًا؟"

     ارتحلت أمام مخيلتها – إزاء هذه الآلام المادية و المعنوية الجارية – بعض ذكريات أليمة دائمًا ما تصدمها ككهرباء عالية الفولتية كلما انتصب عضو هذا الذكر و أخذ ينغزها كمدقّ في أقصى أعماق أحشائها الحمراء، و كأنه في كل مرة يشتتها لقطع أصغر، و يذرها هشيمًا، بل و لا يلقي لها و لا لآلامها بال يذكر.
الآن فقط – كعادة كل ليلة – تتذكر مشهد البداية: مشهد مؤلم شديد الغِلظة و اللاإنسانية، عندما كانت بعد السادسة بقليل، فقط، و أُعمل فيها مشرط حاد بلا أيّة مخدر موضعيّ، بل و زادت مشاهد هذه الليلة الكئيبة بالذات مشهدًا آخراً، و هي النهاية: الموت. و بين هذه البداية و ذاك النهاية، ها هي تحيا حياة أكثر إيلامًا، مضافًا إليها تشويهًا، و إذلالًا، و قباحًة، و كأن حياتها سلسال آلام متصلة متواصلة، و لا يأبه أن يقيدها بين حلقاته، أبدًا.
كان الذكر قد وصل لذروته البيضاء… و هي تفكر في ابنتيها الصغيرتين؛ "عائشة و فاطمة لن يذوقا هذه الآلام."

حقائق:

حسب منظمة الصحة العالمية، حواليّ 90% من البنات المصريات تم ختانهنّ، بالإضافة إلى 97% من النساء المتزوجات.

نسب الإيدز في أفريقيا هي الأعلى حول العالم، و مصر تشهد أعلى نسب الختان في القارة السمراء مع بلاد مثل دجيبوتي، إريتريا، غينيا، و السودان. للإطلاع على القائمة بالكامل، من فضلك إضغط هنا.

تعتقد العائلات المصرية التي مازالت تحافظ على تلك العادة اللإنسانية بأنهم بذلك قد يحموا الفتاة من الجنس قبل الزواج، و هذا مفهوم خاطئ تمامًا، فالختان لا يحجِّم من النشاط الجنسيّ للفتاة، و حتى مع أشد أنواعه عنفًا، و هو النوع الرابع، و هو أخطر أنواع الختان، حيث تصاحبه عمليات كي، خرق، و تشويه كامل للعضو الأنثوي، مما قد يتسبب في نزيف حاد، قد تعقبها الوفاة.

للقراءة عن أنواع الختان الأربعة، من فضلك، إضغط هنا.

الختان أمرًا شائعًا بين العائلات المسلمة و المسيحية، على السواء، إعتقادًا من كليهما بأنه أمر دينيّ، مع أنه ليس كذلك، تمامًا، و هي ليست أكثر من عادة بشعة ترسخت في اللاوعي الشعبيّ الجمعيّ. و يُعتقد جليًّا بأن هذه العادة، عادة مصرية قديمة قد ترجع لسنة 500 قبل الميلاد.

في العام 1928، أقام الجراحان المصريان صلاح موسى، و علي باشا إبراهيم مؤتمرًا طبيًّا، حيث أقرّا فيه بخطورة ختان الإناث، و قررا عدم تدريس مقرر الختان لطلبة مدرسة الطب.
قانون 74 لسنة 1959 منع ختان الإناث في المستشفيات الحكومية، و لكنه لم يمنع الختان الجزئي، أو الختان في العيادات الخاصة.
في العام 1994، سمحت وزارة الصحة بالختان في يوم واحد فقط محدد خلال الأسبوع في المستشفيات الحكومية.
في العام 1996، أصدر وزير الصحة المصريّ قرار رقم 121، يمنع بموجبه ختان الإناث، إلا من حالات معينة قد يسمح بها مدير المستشفى.
في العام 1997، أوقفت محكمة الإستئناف العمل بقرار وزير الصحة.
في العام 2007، و أخيرًا، أصدرت الحكومة المصرية قانونًا يحظر الختان، و هو القانون الذي قد يتعرض بموجبه الطبيب أو أي فرد آخر يقوم بهذه العملية الشنيعة للمسائلة القانونية، و التي قد تتراوح عقوبتها بين سحب رخصة مزاولة المهنة من الطبيب إلى عقوبات بالحبس. و ذلك بعد وفاة الفتاة "بدور شاكر" في يونبو 2007، في إثر عملية ختان بمغاغة، المنيا.
صندوق الأمم المتحدة للسكان أعلن يوم السادس من فبراير من كل عام هو اليوم العالمي لمكافحة ختان الإناث.

قد ينتج عن الختان آلام شديدة، نزيف، و بما أن معظم العمليات تتم بدون مخدر موضعي، فقد تتسبب في آلام حادة و جروح بالغة، يتبعها صدمة إكلينيكة.
و حتى إذا تم الختان باستخدام آلات معقمة، فهي لا تحمي من آثاره المميتة بالمرة.
قد ينتج أيضاً إضطرابات شديدة في الدورة الشهرية، أو قد يحدث إحتقان بوليّ، أو إحتقان حيضيّ.
الآثار على المدى الطويل قد تتراوح بين قُرَح، آلام المثانة، ندبات غليظة، أو عقم، و حتى الأمراض العقلية.
قد ينتج عن الختان عدم المتعة الكليّ أو الجزئيّ لدى الضحية خلال الممارسة الجنسية، مما قد ينتج عن آثار مثل عدم الرضا، و التوتر لدى الطرفين، و إختلال الأسرة بكاملها من جرّاء هذه العملية الهمجية.
الآثار النفسية كثيرة و عميقة الآثر على الفتاة من الإحساس بعدم الراحة و انعدام الثقة في أي شخص له علاقة بالمجال الطبيّ، إلى الإحساس بالنقص المعنويّ، أو العضويّ، و عدم الإكتمال، بجانب حالات الإكتئاب، القلق، و التهيُج و البرودة مزمنتين.
أغلب الحالات المختونة قد تعاني في صمت خوفاً من عادات شرقية متخلفة لا ترحم و لا تعترف بأهلية الفتاة.

لقراءة المزيد عن ختان الإناث، و أضراره التي لا حصر لها، من فضلك إضغط هنا.

شكر خاص:

للفنان الشاب "محمد عبد المحسن،" و الذي دعاني للمشاركة بهذه الحملة، و التي بدأها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان هذا العام؛ "لا لختان الإناث ".

و لجميع الطلاب المشاركين بالدورة الصيفية الرابعة عشر لحقوق الإنسان بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، حيث أبدعوا بالمجهودات الذاتية هذه الأغنية الرقيقة، "خافي عَليَّا يامَّا،" و التي يمكن لحضراتكم أن تستمعوا لها هنا. أو قد تشارك أيضًا في مجموعة الفيسبوك الخاصة بحملة "لا لختان الإناث" هنا، و التي أطلقها الطلاب المشاركون في الدورة.
أغنية "خافي عَليَّا يامَّا" هي من كلمات "محمد بدوي،" و ألحان "محمد عبد المحسن،" و توزيع "سامو،" و غناء كورال الطلاب المشاركين بالدورة.
  
و للمركز المصري لحقوق المرأة بالمعادي على مجهوداته العظيمة في مجال خدمة المرأة، و بخاصة الناشطة البارزة "إنجي غزلان،" و التي ساعدتنا في الحصول على هذه المعلومات القيِّمة من أرشيف المركز.

* للفنانة و المصوِّرة الشابة "جلوري روز،" و التي أعطت لنا حق التصرف بهذا العمل الفنيّ الخاص بها.

و لكل مساهم مباشر أو غير مباشر في نشر هذه الحملة، و لمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، و الذي يقدم هذه الدورة الضخمة كمنحة مجانية كل عام.

و لكل ناشط حقوقيّ يدافع عن قضيته حتى النهاية.

                                                                      أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في الحقوق الفردية البرتقالية. حفظ الرابط الثابت.

9 Responses to بين فرجها الموت

  1. BEENA كتب:

    هايل بجد ،،،مفروض نخلص ملف ختان الاناث لآخره بقى و نقفله ،،يبقى امر مفروغ منه،،،و ندخل على ختان الذكور الذي لا يقل ضررا من الناحية الطبية و مع ذلك لا احد ينتبه لهانا مش فاهمة نخلف بني ادمين و نقطع في جسمها ليه و بأي حكمة و في اي ملة؟؟ جنون مطبق

  2. suzan كتب:

    with you zido in the campaign, bas bgadd ya33 that husband wife story was very disgusting, you could have wrote it about two highly educated clean couples as well, for the FGM WITH SHAME extends to include this class too…!!!

  3. Ahmed كتب:

    Sabrin,
    عندك حق… هذا الملف يجب أن يغلق نهائياً، بس مع 91% إناث مختونات، و 100% ذكور مختونينـ إنه يحتاج لقرن حتى ينتهي
     
    Suzi
    فعلاً، الختان يلتهم الطبقات العالية أيضاً، و ليس الطبقات الفقيرة بس… القصة كانت عن الطبقة الثانية، و لكنه لا يمنعها عن الأولى بأيَّة حال…
     
    Thank you for your comments, girls..

  4. Alim كتب:

    Very serious subject.
     
    I can\’t help adding some sense of humor after reading the comment by Sabrin.
     
    Have you read "Too Rich"? It is a biography of King Farouk and it has a very funny situation; here it is,
     
    The Allies were not very happy with the King and couldn’t trust him to keep Egypt on their side because of his Italian advisors. The king assured the Allies that his advisors are good servants of the Egypt’s cause and stated they are willing to convert to Islam to show loyalty to Egypt. The advisors went along the King’s proposal on one condition; “no circumcision.”

  5. Ahmed كتب:

    Thanks Dr Alim for your precious comments!

  6. ... كتب:

    Quiet a depressing, and true story that happens everyday.  أحييك على تشبيهاتك الأكثر من رائعة, وحسن أختيارك للكلمات.Now regarding the "facts", it is indeed my first time to hear that Christians engage in FGC, how sure exactly are you of this?. Secondly, I find the 90% prevalence very unlikely an inaccurate. BTW, never in my circle have I ever been in contact with anyone who was in anyway related to FGC, so I doubt the FGC reaching the educated slice as mentioned.As for male circumcision, that should be the least of our problems, as it is incomparable to FGC. And is already practiced worldwide, even amidst first world countries.More activism related posts please!!

  7. Ahmed كتب:

    Hello Hell Dancer…
     
    Who said that Male circumcision is very famous among developed countries?! Well, it\’s a human rights violation, man! It only decreases infection spread rate, but if you keep yourself clean, it\’s not very necessary.
    And yes, it\’s not compared to FGM/ FGC, anyhow!
     
    Read this, man; http://en.wikipedia.org/wiki/Circumcision#Complications_from_circumcision
     
    Sure, there\’ll be more activism posts!
    And thank you!

  8. ... كتب:

    I didn\’t say "very famous", I said it is practiced even in first world countries.
     
    Percentage of circumcised males:
    USA              –> 75%
    Australia       –> 58.7%
    Canada         –> 30%
    New Zealand –> 20%
    Israel           –> 100% ?
     
    Source: http://en.wikipedia.org/wiki/Prevalence_of_circumcision
     
    I am guessing Israel (developed country) has nearly a 100% circumcision rate, since it is mandated by their religion.
     
    On another note, I highly doubt Christians engage in FGC, so automaticaly if 100% of Egyptian Muslim women underwent FGC the percentage would be 85%. And since of course not all Muslims practice FGC, the percentage would be much much less than that announced by the WHO, is it not?

  9. Ahmed كتب:

    Thanks for the stats, man.
     
    Regarding christian mothers, they practise FGC upon their daughters by tradition, just like the Egyptians.
     
    I\’ve my hands on official stats confirming what I\’ve went to, man.
     
    Thanks for your precious comments 

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s