رسالة إلى السماء

رسالات 

 

     القاهرة في السابع و العشرين من إبريل 2008.

                                                     بعد الصلاة،

     مهما زاد سائل الزمن الأسود على هذه النقاط اللبنية، فهو لن يشعشعها، أو يغيِّر من حقيقتها، أو حتى يُذهب بريقها الدافئ شتاءًا و البارد صيفًا… الأخضر ربيعًا و الداكن خريفًا.
كانوا ثلاثًا، و لم يكن خريفًا واحدًا… كان عشقًا و لم يكن حبًّا… كان تسليمًا لا عبادًة.

     ذهبتْ؟! لقد ذهبت، إلى الأبد أو للحظات، فالذهاب أوحد.

     ذهبت، والتفاصيل التي أحببتها يومًا فيها ذهبت معها؛ الأناقة الهادئة و الثقة المحلِّقة، الجمال الأبيض الخلّاب، و وجهها الصبوح الطبيعيّ الذي لم تمسَّه تراكيب المساحيق و لا شيخوخة الزمن، الأظافر المطليَّة، بعناية ماهرة، الشرسة، و كعبيّ قدميها اللذان يحفّان غاية الدلال و الجاذبية، و استداراتها الملهمة و مداراتها الكونيَّة المُحدَّبة، حينما جاءت كغزال أفريقيّةً أصيلة بكنزة مدارية أسود في أبيض، مشرقة كشمس الشرق و ليل الغرب، معًا.
جاءت بكامل جاذبيتها المعهودة، و لم تترك على كومودينو غرفتها الزهريّة إلا آمالًا عراضًا بطبيعة الحال، و أحلامًا، و طموحات قد تحدثنا عنها بالأمس بإسهاب و رقة. جاءت مُشعًّة كبللور أرجوانيٍّ، رغم فراقهما الذي يلوح في الآفاق بعد قليل.

     جاءت عندما ذهب الجميع – عندما كنت وحيدًا، و لم أكُ حيًّا… جاءت، و يا ليتها ما جاءت… جاءت لتعلن موت حبٍّ و جنونٍ و عاصفةٍ… جاءت لتصرِّح أننا في مفترق الطرق… جاءت، و يا ليتها ما جاءت.

     قد استأذنت ببعض من لطف القطط و كثير من كبرياء الأسود… و عادت بعينين أكثر لمعانًا و إشراقًا… أكان بكاءًا؟ أم عويلًا؟ أم طرقًا جنونيًّا على منضدة الزمن الغادرة؟ و دهشة عمّا آلت إليه الأمور؟ وغربة؟! لا هو يعلم… و لا هي أيضًا.

     كان معها بكيانه في دورة المياة التي تحفظ بين طيّاتها دورات لعاشقين كثر كانوا قد مرّوا من هنا قبيلًا، دورات متشعبة لا نهائية من ألم، و دموع، و قذارة، و حبٍّ، و انتحار.

     مدّ أصابعه البيضاء الطويلة المنكمشة، مرتعشًا، كمن مقدم على تحلل ذاتي، و كفر على دمعها بأيد شبه ميتةٍ؛ ليس فقط ليثبت لنفسه أنَّه مازال يحبها بجنون، و لكن ليثبت لها أيضًا أن حبها له لم يمت.

     هي في فرحها أو دمعها، ملاكٌ بكل أساليب الحرف و الفعل و الإسم. هي الصفة، بل أكثر بلاغًة. و لما كان يغطي هو دموعها بأصابع، مهشَّمة نفسيًا، عن ناظريه، فقد كان يغطي، في الوقت ذاته، مجال رؤيتها الملائكية عن دموع عينيه التي اعتقلها لأكثر من دقيقتين، حيث سرعان ما انطلقت عصفورته الحبيسة، حالما أطلق هذا الفيضان الغزير، و منع عينيها عنهم.

     ألم أقدِّرك حق قدرك؟! أكنت مقصِّرًا أو كدت أن أكون؟! أكنت مقصِّرًا أنا؟! أليس في القصر بلاغة و الطول إطناب و لكن حبك كان بمعزلٍ عن بديعيات اللغة، فكان طوله إسهابًا و قصره تقصيرًا؟!

     لو كنت يهوديًا، لنحبت عند حائط المبكى راجيًا مغفرًة عن كل خطاياي التي اقترفتها و حماقاتي التي لم أقترفها… و إن كنت مسيحيًا، لطلبت الخلاص… و إن كنت مسلمًا لطلبت الشفاعة… لا! لا أريد عودًا على بدء، و لكني أريد ألواح رحمةٍ، و إنجيل سلامٍ، و قرآن نجاةٍ.

     لا أريد ثمّة إصلاحًا، فما يقتله رمح الزمن بمهارة الصيّاد الرامي، لا يُبعث نشورًا… و لكني أريد غفرانًا، و تعميدًا، و تطهيرًا.

     كنت عابدًا أنا، مخلَصًا… و الآن لا تحرمينني من حجِّ كل عام، فهو أقل إيمان لراهبٍ ناسكٍ متبتِّلٍ طول ليالٍ، و عرض أنجم.    

     دائمًا ما أستذكر نوفمبر، أكتوبر، و ديسمبر، و من ثمّ سبتمبر على أنَّهم أفضل شهور عمري على الإطلاق، و إن تضاءل العام، و انسلتت أيامه، و انفرطت شهوره واحدةً تلو أخرى، و لم يبق إلا هؤلاء الأربعة… لكفى.

     و لتعلمِ علم اليقين، أنّ كل قطرة من قطرات الحب المقدس التي أحببتها لك يومًا، لن تندثر، حتى و إن ذابت في كأس الحياة المريرة، فهي مازالت تصارع غمار مبادئها و عهودها التي قطعَتها يومًا بحدِّ نصل شاهق، بينما لاتفتئ تصطبغ الكأس، إزاء كثافتها، بمزيج الدم و لونه الأحمر القانيّ المخضَّب بذكريات لن تنتهي، حتى و إن كانت ماضيًا، و مشاهد لن تُمحى، حتى و إن نزلت الستار و غادر المشاهدون.

إمضاء: من ورق مبعثر مترب منذ نهاية إبريل الماضي.


* الصورة لا تخضع لأيَّة حقوق ملكية فكرية.
                                                                           أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to رسالة إلى السماء

  1. shre كتب:

    ربما يكون افضل تعليق عن تلك الكلمات لا تعليقلم اشعر ان تلك كلمات خطت بقلمبل غزلت باحاسيسقلمك مدادة احساس مرهف حزينكشهور الشتاء والخريف التى عشقتها انتلو
    كنت يهوديًا، لنحبت عند حائط المبكى راجيًا مغفرًة عن كل خطاياي التي
    اقترفتها و حماقاتي التي لم أقترفها… و إن كنت مسيحيًا، لطلبت الخلاص…
    و إن كنت مسلمًا لطلبت الشفاعة… لا! لا أريد عودًا على بدء، و لكني أريد
    ألواح رحمًة، و إنجيل سلامًا، و قرآن نجاًة.لا أريد ثمّة إصلاحًا، فما يقتله رمح الزمن بمهارة الصيّاد الرامي، لا يُبعث نشورًا… و لكني أريد غفرانًا، و تعميدًا، و تطهيرًا.   كنت عابدًا أنا، مخلَصًا… و الآن لا تحرمينني من حجِّ كل عام، فهو أقل إيمان لراهبٍ ناسكٍ متبتِّلٍ طيلة ليالي عريضة، و عرض أنجم.   اروع ما قرأت من عباراتتحمل حزنا .. ذنبا .. رهافة .. يئسا .. ضعفا .. عبارة من ثلاث اسطرمحملة بكافى المشاعر والاحاسيسالتى تمس القلبوتكاد ان تمزق نياطةمن فرط حملها لمشاعر متعددهحتى لتكاد تمطر دموعا كغيمة فى شهر الشتاءمبدع انت ككاتبرائع انت كانسان

  2. Ahmed كتب:

    شرين…
     
    افتقدتك كما افتقدت الشتاء…
     
    أنت أيضًا… لا تغيبين عليّ في حَجِّ كل شهر على الأقل…

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s