وحيُ امرأةٍ

تحريَّات

    

     أنا الغجريّة المهاجرة من قبائل غربيَّة بعيدة! جئت أدور في حلقات إلهامك و أفلاك مداراتك، ريثما أسبِّح باسمك و أقدِّس لك، كذاكر يبتهل إلى معبوده طيلة ليال و أنهُر.

     أنا الغجريّة الوحشيَّة ذات العويل و الصراخ و الصداع! تضاجعني أنت كل ليلة في احتلاماتي، و كأنّما اختفى من الدنيا كل حيّ و لم يبق إلا كيانك و ذكراك – كيما أعبدك.

     أنا الغجريّة المقاتلة! إلقي بجنود شهواتك الأبيضين في ميدان مهبلي الأحمر المزدحم! و لا ترحم أحشائي! فإنّي مشتاقة حقًا لهذه الحرب المقدسة، التي لم تخضها جيوش حواسي منذ نهاية حرب المائة عام و سقوط آيرلندا، منذ انتفاضة الأتراك و تحرير الهند، منذ عصر النهضة الإيطالية و الثورة الفرنسية. و ياليتها تكون حربًا أبديًة لا تنتهي بهدنة و لا صلح! فلا عودة!

     أنا الغجريّة الأنثى! اسكن إليّ! فبين ثدييّ سكن آدم، و قبائل، و إنسيّ، و جنيّ شتّى.

     أنا الغجريّة الحكيمة! ارتحل إليّ كما خرج بني إسرائيل من مصر! أو التجئ إليّ كما أصحاب الكهف! أو احتمي بي كغار محمد! فلأكن أنا الخروج و أنت الدخول… و لنقتسم ليلنا حول نيران طقوسنا بين دخول و خروج، و كرٍّ و فرّ، و لا نأبه حقًا بسورة النور أو وصايا الكهنة! فلنأتلف كقطرات مطر بدموع عينيك! و لنألف بعضنا الآخر! و لنتوهج بقلوية ما بين ترائبك و حامضية ما بين فخذيّ! و لنُنحّي الكتب المقدسة جانبًا! و لنكتب نحن أسفارًا كثيرًة و ترانيمًا! فلنحترق!

     أنا الغجريّة البتول! فاسمي الرَّبُّ الرؤوف و اسمُك الإله الجوّاد.

     أنا الغجريّة الأولى! آيماني بك فلسفة حتى أبررها؟! آعشقي لك إدمانًا حتى أجاهده؟! آعبادتي لك هوًى حتى أعاندها؟! أنت كَنَه الوجود و إكسير الحياة، أنت وجودي المحض و عقلي!

     أنا الغجريّة النبيَّة! أنا جبل جنوبيّ غرب الجزيرة العربية! اخترقتني أنت كطوفان نوح فغشيني منك ما غشيني و لم ينجُ من عذابك أيّة من رقع جسدي الثائر، و حتى المؤمنين منهن – إلا آهات و عِبَر مما رحمت.

     إعصار، أوتاد، خلجات، سفينة، و دوائر شبه فارغة… و إذا غرقنا على الجوديّ، فإني أعلم أنّك سبّاح ماهر… ليتنا نغرق سويًا إلى الأبد، و لا نبقي من البحر موجًا إلا و خلطناه بمنى و ريم و لطخناه بمتعة قرمزيّة… بجلالك وعظمتك ألا نترك أيّة جبل من جبال المرسلين! و لا واد جنوبيّ بلا ماء و لا زرع! و لا محيط فارغ فاه! و لا غرفة مستديرة، في واحة متطرفة، ذات أقبية ذهبية، إلا و قد رسمنا عليهم رسمنا الأقدس!

     أي جوّادي! صوتك ذو طاقة ذَريّة كامنة، و وقع تفعيلاته لا تعرف لسبيله بشر، قتلتني في اللحظة ألف مرّة، و لا أعلم كم لحظة مرّت على فراقنا، و لا أعلم كيف أكتب كتابي هذا و أنا ميتًا.

     قتلتني بعينيك… عيناك! أوّاه على عينيك!

     أنا الغجريّة المستغرِقة! ليتنا نسرق من الأبدية جِلدَها و من الزمن جَلَدَه.

     إنّي لم أتمنَّ أن أعيش تحت قدميّ أحد قط، ولكنك تنزلت لتدقّ كل مواثيقي و تدكّ كل قمصاني التحتانية. أيرجع زمن العبيد و تبتاعني جارية بأبخس الأسعار؟! أو يرجع عصر الإسلام و تسِبني، فيمن أغاروا، لأعيش مِلك يمينك و يسارك و قدميك و عينيك و فيك و لسانك و قضيبك؟! توحَّش! توحَّش و أسمعني صدى عنفوانك، فإنّي لزئيرك لبؤًة، و لمائك حرثًا.

     أنا الغجرية الأم، أنصبك ملكًا لمملكتي حتى نهاية الكون؟! أم أدعوك ربًّا لعرشي السماوات و الأرض؟!

     أنا الغجريّة الغاوية! فلهاث أنفاسي و تأوهاتيّ الليلية كحمرة الغسق في منتهاها عندما تنفكّ من عبء قيود السماء و قوانين الطبيعة المتكلِّفة، فتنطلق متحررة في العدم… و هذان السكون و السكوت المخمليَّان بلون قميصك الأخير… أقُدَّ من دبر؟! أم قُدَّ من دُبُر؟!

     وهن و ضعف بطعم عينيك، قوة و ضراوة بلون شفتيك… ألم يئن لنا لقاءًا بعد فراق دام ساعات في عرف الزمن كانوا قرونًا في لاوعي الحب؟!
و لمّا كانت كل القبلات مثلنا تموت، فالأجمل أن نموت أثناء قبلة، أليس كذلك؟!

     أنا الغجريّة المستسلمة! اقتحامك لحصوني كان كاقتحام الزبير لبابليون أو ريتشارد للقدس، كان كيوم خلاصي من الدنيا و بداية عهد جديد من الآلام – آلام الحب و من ثمّ الفراق.

     أنا الغجريّة العابدة! لا نبض! و لا عود لهذه الإحساس! ليتك تتلمّس صدري الآن، و ترى كم هما دافئان؟ و تتحسس الهوا الذي بداخلهما… استشعر شهيقي! و نفِّث زفيري معي! وليصل صوت الحياة فيّ لأذن الحياة فيك!

     قطرات على جسدي المثير كضحكة طفل الثمانية أعوام؛ جرس مدرسيّ، طقس كنسيّ، و عشب أخضر، صاروا بين يديك؛ جرسًْا مدويًّا، و طقسًا أبديًا، و عشبًا أحمر… و كان عهدك في لحمي لوحًا محفوظًا، فأنا لا آمن العيش خارج أسوار مدرسة عشقك، و لهذا لم يتوقف جرس اشتياقي عن رنينه الفتّان.

     أغاني فيروز تنطق اسمك… أمواج البحر الأحمر… سماء جبال الآلب… ثلوج آنتركتيكا… صحراء الجزائر… قوس قزح لندن وقت مغيبي على صدرك و شروق الشمس بين ظفريك… عبادة صامتة على ظهري و أقمار سوداء نابتة على صدرك… رغبة عارمة في أن أفرَّ منك و إليك… صمت مطبق… عطش و جوع سرمديّان.

     أنا الغجريّة الثَّمِلة! رائحة جلده… صرخة… تأوّهاته… أيناه منّي و أيناي منه؟… اشتباك أصابعه بشعراتي، و بروزه بتجويفي، و تراتيلي بآذانه… قدماي… ظهره… اشتياق… استباق… احتراق… شبق… عذاب… رثاء… عذاب… احتضار… ارتعاش… موت و بعث جديد… هذيان الأحرف ترتبك و أنت بداخلي.

     أنا الغجريّة المؤمنة! مدد من مكعبّات ثلجية لا لون لها تنزلق على جسدي الحارّ المنحني فوقك كمسرح الكولوسيوم… تنزلق لتسكب ماءها الدافق على جسدي الساخن و أنت من تحتي مجيد… تنفجر ينابيعك المزدهرة من بيني! بينما المكعبات تنزلق ببطء بناة الأهرام، و تقطر سائلًا و نشوًة، حتى تبتلعها أحشائي بين فخذيّّا المنفرجتين.

     الصليب البارد محروق على جسدي الحار… يذوب، و يذوب فيه عرق و نهم و ذروة… فقد هزّتك كثيرًا فكرة الخلاص، و هزّتني ذروة منتهّى الجماع… فالمرأة ما فتئت تخلِّص الرجل، لتجعله كيوم خلقته أمّه… آلله امرأة؟؟
إحساسي بنفسي، بالزمان، و المكان – عدمٌ نيتشَوي.
دخان رماديّ كثيف يترعرع من مذبح كنيستي و محرقة مقبرتي و تابوت غيابك.

     أنا الغجريّة الراقدة! تحتضر.

                                       بإيعاذ من رسول امرأة.


* الصورة من هنا. و هي ذات مصدر مفتوح.
                                                           أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في سوريالية. حفظ الرابط الثابت.

10 Responses to وحيُ امرأةٍ

  1. radwa كتب:

    and a GYPSY IN PAIN i am..
     
    p.s: ill tell u what i think when i see you next time…soon! pretty soon!

  2. Ahmed كتب:

    Let me be the spectator, Ms Gypsy…
     
    P.S. I\’ll tell, too!

  3. Sameh كتب:

    مش عارف لية يا احمد انة تطرق لى احساس غريب المرة دى انك بتكتب عن مجرد شرموطة

  4. Ahmed كتب:

    و ليه لأ؟؟

  5. Tarek كتب:

    كلام جميل بس فيه أباحية شديدة

  6. Ahmed كتب:

    يظلّ كل من يصف أدبًا بالخلاعية أو الفجور أو الإباحية أو أيّ من هذه الأوصاف التي لا توصف إلا على مجلة البلاي بوي و قناة فوكس بعد الساعة الواحدة هم من غير الواعين و غير المتفهمين بل و من غير المتذوقين لحقيقة الأدب القائمة على خيال القارئ و إلهامه و كلماته و أسلوبه.أطلب من كل واحد يدخل إلى هذا الباب الخاصّ بالكتابات الأدبيّة، هنا لا يوجد حدود…I think this is fair enough, if you really don\’t like it, so you better not read.Greetings to everyone.

  7. Amira كتب:

    سئمت رجلا يلعب دور فتى المدينة المدلل حليق الذقن مصفف الشعر .. يهديني زهرةً وماسةً وعطراً .. لا يعرف للفظاظة مذاقا كحمل وديعأنا بحاجة لرجل همجيّ أشعث يرتدي سروالا من الفراء.. يقبض بيمناه على هراوة وبيسراه على شعري الطويل، ثم يجرجرني على الأرض

  8. Ahmed كتب:

    أيّتها الإلهة الصادقة… بالحقّ جئت و علّقت!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s