دعاء الخمر

دعاء الخمر

     معذّبتي ذات شعر عسجديّ لم يأت أحدٌ مثله أبدًا، يضئ نضيرها غياهب ما بين الفضاء و الفضاء. بيضاء كريش نعام رهيف، محورها كوكب درّيّ وسط آفاق نظراتي و كلماتي و تأمّلاتي، و يداها تحافظان على اتزان الكرة الأرضية من حيث البرودة و الدفئ؛ فراحة يدها اليمنى كلُجين جنّة مهرولة خارج حدود المعرفة البشرية المتواضعة – مقارنة بحجم جمالها الغربيّ المستشرق، و المتوسطيّ المتطرّف.
وجنتاها لوحان محفوظان، حاجباها كتائبَين يعودا لرشد عقليهما بعد سنين جنون و صراع، مُقلتاها كهوف لاستقرار العديد من الطيور المهاجرة، جَفناها ملجأ شتويّ للشارد و المسكين، و دموعها تمسح كثير من آلام المعذّبين – أمثالي. و ابتساماها تخلّص الفقراء من محنة عشاء يوم كامل.
عيناها؟! ما أدراك ما عينيها! عيناها شكوك و عواصف و رعد و برق محموم بلون خضرة حدائق روما، و رائحة التايمز، و عبق عاصمة النور، و أسرار الفراعنة، و حضارات الشرق الأقصى، و جبال الماينز، و آوبرا سيدني.
أذناها؟! كسحب الصيف ناصعة الضوء، فهي ليست فقط تسمع ما تحبّ أن تسمعه – و لكنهما يقولا، أيضًا، ما تعجز ألسنة الدنا عن النطق به.
أنفها الدقيقة الرقيقة؟! كزهور متفرّقة على جبال الآلب شاهقة الارتفاع و الطبيعة، بحيث لم يولدا ذاتيًّا فقط، و لكنهما متمرِّستان أيضًا على جذب خيوط الشبق المشبوب برونق التجربة المعموديّة الأولى.
شفتاها؟! كشوكولاتة سويسرية سائلة عبرت لتوّها قناة السويس في طريقها المؤدّي للمحيط الهنديّ الرحيب… و تمامًا كنزار قبّاني، قولي ما الحلّ فأشواقي وصلت لحدود الهذيان! بل هي الهذيان ذاته أو عبرت لما ورائه بأميال مديدة.
لسانها؟! أحمر قاني و أملس كثلوج آلاسكا، و حرّها، و حرّيتها، و قد تنزلق عليه قطرات ندى نورانيّ مغلّفة بوله الحكمة الإلهية – فعودها الفرنسيّ و اسمها الإيطاليّ المقدّس يميّزانها بطابع ربّانيّ وجوديّ؛ فهي الصباح و السحاب و الإشراق، كتفاها كعطر المرمريّة، صدراها كقصر الإليسيه، قدّها مسّ جليّ من القدود الحلبية الأصيلة، صوتها موشِّح أندلسيّ عتيق، و ظهرها كمن يشاهد لوحة حقيقية لريمبراند، أو يستمع لمقطوعة حيّة لموتسارت، أو يستمتع بجنس ناعم في صباح يوم غائم، أو يقرأ فلسفة برتراند راسِل، أو يشاهد عبقريّة دراميّة لهيتشكوك.
مُحيّاها؟! ساحرٌ. ثغرها؟! متبسّمٌ. ابتسامها؟! ملثّمٌ بكنه الوجود منغَّمٌ.
هي معجزة الخلق الكبير الملوّن بكل جزئيّات الإعجاز من معجزات أصغر و أكثر دقًّة و أزهى لونًا… هي الكون نسبةً للناظر المشتاق الضائع الغريب الأحمق.

     أحبّ من الأسماء ما شابه اسمها، أو وافقه، أو ما كان منه بانيًا… أدْعو، و لا أدّعي، لمن هي السماء الدنيا، فدعائي لا تسمعه إلّا هي، و دعاؤها لا يراه إلّاي… و ما أظنّه بانيًا!

     كفّي عن صمتك و حرري قدميك من نعليهما و انبشي بأظافرك الحمراء الباردة صدري الحاد… و توسّديني أتوسّدك!
هلمِّ نصلّي صلاة المحبّين على فراش مخمليّ إبان مشهد مهيب من موسيقى ناعمة و عطور حالمة و زهور ياسمين – كالتي أنتظرك قبالتها!
هلمِّ نخترق صحاري الزمان، و نشيّد معابد الاتصال، و ندقّ أجراس العيد، و ندفن بقايا الوحدة، و نمشي مترفين في الأسواق: نحن على موعد مع حبيب ملتاع – و إنّا له لحافظون!
هلمِّ نُبعث اليوم كما ولدتنا أمّانا؛ عاريين إلا من آمالنا و أحلامنا و عشقنا، عاريين من أعباء الرداءات السخيفة المملّة و القناعات البلاستيكية!
هلمِّ نبتاع قنينة نبيذٍ أحمر، و نختمرها، و نعتصرها، و نختبرها بين فخذينا، و نرتقب لونها بجديّة الشاربين، و نرتقي قمة مجونها و نسقط لدرك جنونها، و نشتمّ رائحتها كمدمني النهم، و نلعق مذاقها بمِزاج المشتاقين، و نتذوّقها غير آبهين، و لتلتهب لمزازتها أحلاقنا، و لتنفجر عروقنا من فرط دلالها و دلالِك و جنوني، و لنمتزج بها و تمتزج بنا، و لتتمزّق حواجز المكان بيننا… و لنحلِّق!
أحمد زيدان  

* الصورة لا تخضع لأيّة حقوق ملكيّة فكريّة، و هي من هذا الموقع.

Advertisements
هذا المنشور نشر في سوريالية. حفظ الرابط الثابت.

7 Responses to دعاء الخمر

  1. Ehab كتب:

    " فالتسامحيني الليلة يا ماعت الجميلة .. فالليلة سأكفر بك و بلمساتك الإلهية "
    الليلة سأمارس الهمجية , على أسطح الاقمار , و على اطراف المحيطات, و ستتوقفين يا ماعت الجميلة غيرة و ستقتلين انوار الاقمار و الفراشات الطائرة في الحدائق و فوق المنتزهات, فهي الليله ستكون ملاذي الأخير, و لاهوتي السري العظيم, سأكفر بجميع آيات ماعت الجميلة و لن أهتم بجحيم الحب الإلهي, و لن أهتم ايضا بالامطار السامة التي تنهمر من سحابات جفونها
    فالتسامحيني يا ماعت الجميلة, فهي آدمية جدا لحد العبادة, و هي خيالية لحد الإقتناع, و فانتازية لحد الواقع, بخصرها اسباب دوران المجرات و ثغرها المبتسم يعكس الضوء على الشموس و يبنى في حياتي ابراج كهربائية, فكلما سمعت صوت ضحكها يسري في اوصالي قشعريرة حب تحملني إلى المريخ عن طريق بغداد, فهي المجدلية التي ترقص على سجاد فارسي, و هي السبب في إيمان بوذا و كفري الابديّ
    الليلة سأمارس العشوائية, و سأشعل نيران محبتي و سأرقص حولها, رقصا جنونيا مجونيا عاريا ليتحرك كل مؤنث لرؤيتي,  فآتوني زبر العشق ابني بين النهدين سدا حتى أختفي بينهما, فما اسطاعو ان يروني و ما استطاعوا لي نجيا, و سأمنحها حبي و بركاتي اللانهائية, سأحملها بين شفتيّ الى الأندلس مرورا بيوتوبيا الخالدة, و سيمتزج جسدينا كأطياف تغفر لي أخطائي و ضحكاتي الآثمة
    فالتسامحيني الليلة يا ماعت الجميلة, فلن نصلي كما كنا نصلي من قبل, و لن ندق أجراس المعابد سويا, و لن أشرب معك النبيذ الأبيض المحرم على البشر, فالليلة (يا عزيزتي) رميت عني قناع الإلهية و بدت فخرا للجميع سوأتي, و ستتوقفين تارات و تارات على قمم الجبال و امواج الابحار تنادين على عشقي و مجوني .. منتظرة وقاحتي في وصف جسدك المرمري, و لكني يا ماعت الجميلة تركت عبادتك لاؤمن بآدمية, فلا تبكي (أرجوك) فالأرض لا تحتمل فياضانات مرة أخرى … منك

  2. Ahmed كتب:

    أهلًا إيهاب…
     
    عايز أعرف ين كتب قطعة التي نقلتها أنت… لأنك لو انت اللي كتبتها من إلهام "دعاء الخمر،" يبقى لازم أرفعلك القبعة…
     
    تحياتي

  3. Ehab كتب:

    احمد زيدان
     
    لم أكتبها من قبل .. فقط كتبتها هنا
    عندما قرأت لك دعاء خمر ..
    و اين لي يا صديقي العزيز الهام افضل من كلماتك
     
    🙂
     
    تحياتي

  4. Ahmed كتب:

    أشكرك شكرًا جزيلًا

  5. Amira كتب:

    هلمِّ نصلّي صلاة المحبّين على فراش مخمليّ هلمِّ نخترق صحاري الزمانهلمِّ نُبعث اليوم كما ولدتنا أمّانا؛ عاريين إلا من آمالنا و أحلامنانعم .. نعم.. هلمّ .. هلمّ

  6. Ahmed كتب:

    هلمّ إليّ… فأنا صانع خمر قديم، قدم نوح…

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s