الفصل العنصريّ يبدأ بحصص الدين و لا ينتهي عندها

 

    

     ثمّة أعراض سرطانيّة قد توغلت إلينا في الفترة الأخيرة بفعل عوامل عدّة، و نتجت عنها أمراض متوطِّنة تأيقنت بدورها تدريجيًا داخل الوعي اللاجمعيّ للعامّة على مدار العقدين الأخيرين، لاسيما الزيادة المطردة في أعداد المواليد، و سرت كأمراض التدمير الذاتيّ تنهش، باتساع قاعدتها، في خلايا الحاضر برجعيّة الماضي و ركوده و خموله، حتى أصبح ما خلا هذه المظاهر و الدعاوى هو الشذوذ بعينه، و الهروب من تحت وطأتهم الخانقة هو خروج عن المألوف، و اتباع غيرهم هرطقة لا يحمد عقباها: الحجاب، النقاب، الأقصى و قضيّة فلسطين، الوهبنة و الخلجَنة، الحروب الطائفيّة، ازدراء معتقدات الآخر، تكفير الآخر، بالإضافة لأشياء أخرى كثيرة من قبيل قتل الآخر، و حرق الآخر، حتى وصلت لحدّ التمنّي و الدعاء لإبادة الآخر.
هذه العاهات الشرقيّة البحتة لم تشهدها مصر إلا في عقديها الأخيرين نظرًا لأسباب عدّة يطول شرحها قد تفضّل معلّقون بتحليلها باستفاضة فيما مضى: التسلل البتروهابيّ، الدعم البترودولاري من عرب آل سعود، و سلفنة القيم و العادات و التقاليد.
و في أغلب الأحيان، إن كان ليس في كلّها، تصاحب أعراض هذه الأمراض ازدواجيّة حادّة في سلوك الأفراد المستهدفين؛ فهو على سبيل المثال يضع أمواله في بنك فيصل الإسلاميّ اعتقادًا منه بمشروعيته الدينيّة في نفس الوقت الذي يسرق فيه نصيب أخيه الأصغر في الميراث، أو آخر يدعو الناس للصلاة جهارًا نهارًا و في آناء الليل يبحث أمام كاميرا حقيرة عن فتيات شاردات يستلقطهم من خلال وصلة إنترنت وضيعة متّصل بها عشرة آخرين من على نفس شاكلته.
أمّا هي، فلم تنج أيضًا من نخر دود ازدواجيّة المعايير الحادّة لعظم ما تبقى لها من اتزان النفس، و هي بالنسبة للدين عورة و عار يجب سترهما، فهي ترتدي الحجاب خوفًا من النار في نفس الوقت الذي ترتاد فيه شقة زميلها في الجامعة لقضاء أوقات لطيفة معه، و أخرى تسجّل البرامج الدينيّة كاملة على حاسبها المحمول و هو نفس الحاسب الذي تحتفظ عليه بأفلام إباحيّة لمثلييّن تستمتع بنفسها من خلالهم في ساعات الليل الأخيرة قبل الغسل و أداء صلاة الفجر.
باتت هذه المظاهر، و أخرى كثيرة، غاية في الطبيعيّة بين طبقات مجتمع اكتسحه الفقر و القهر و الجهل، و صار ما عداها من ظواهر تقع تحت تعريف العامّة اللامفهوم للآخر، و مع كونها مظاهر بحتة لا تدل بالكاد عن أدنى علاقة بما يبطّنها من سلوك، فأصبحت بالتدريج، بعد غزو الوهابيين، هي الغطاء الشرعيّّ لما عداها من سلوكيات منافية لمفهوم العامّة، و في ظلّ غياب قانون حازم يمنح الأفراد الحريّة و المسؤليّة الكاملتين، صارت هذه المظاهر فارغة الجوهر هي هروب مخزي لهذا الجيل بأكمله من مواجهة الحقائق و الوقوف أمام النفس وقفة نقد للذات علّها تخفّ من حدّة أمراض إزدواجيّة الشخصيّة المتفشّي بصورة وبائية بين الجيل الحاليّ لهذه البلد. الوباء الذي لم يعدّ إزدواجيّة معاييريّة فحسب، و لكنه أصبح علامة مميِّزة لمجتمع بأكمله يرى من خلال ثقوبه الصدئة نفسه متعريًّا تمامًا أمام حقائق صادمة تمثّل اتجاهًا شاذًا أحمقًا لجيل مصريّ بأكمله سترقمه ملفات التاريخ لأقذر صفحاتها و أكثرها انحطاطًا على الإطلاق.  

     و لا شكّ أن جيل الشباب الحاليّ في مصر، و منذ جيلين أو ثلاثة، ينشأ في بيئة تعصف بها هذه الأوبئة العطنة، و في وقت تمزّقت فيه كل مفاهيم الحريّة و قيم تقبل الآخر، بل و تهلهلت ثوبها من جرّاء تربية أقل ما توصف بأنها وضيعة، و تعليم حكوميّ فاسد، و حكم سياسيّ عسكريّ مركزيّ شموليّ، و إعلام قوميّ منافق، و مكان عبادة غير طاهر يعجّ بالمنافقين و المرتزقة، و بيئة قذرة تزكم الأنوف، بالإضافة لآخر صيحات العصر: تمظهر دينيّ مغالي يلثّم انحرافًا ليرضي ضميرًا كاذبًا، و قنوات دينيّة فضائيّة بالعشرات لتصلب عجزًا ثقافيًا شاملًا، و صوتًا جهوريًّا متعصّبًا خالي إلا من الجهل ليبرر تطرفًا أجوفًا و إيمانًا لم يرق لمرتبة الإقتناع قطّ.
يصير الآخر و غير الآخر على السواء بين هذه و تلك مرتعًا موبوءًا لما نراه الآن من جاهليّة و عصبيّة القرون الأولى، فالعامّة موجّهون في حاضرهم معصوبي الأعين، سواء بكامل إرادتهم أو بجزء منها، نحو مستقبل جزافي إلا في عقلهم، واهمون أنّهم سيحرروا العصابة فيما بعد ليجدوا أنفسهم و أنفسهن، بعدما حياة مديدة فاشلة، في جنّة المرعى؛ فقط لأنّه ردد بعض العبارات بتسلسل نصيّ قطعيّ، و تظاهر بمعاداة الدنمارك، و تبرّك ببول الرسول، و فقط لأنها ارتدت قطعة قماش زهيدة على رأسها ابتاعتها من على أرصفة نائية موبوئة، و لم تصافح رجل قطّ، و أرسلت خطاب إلكترونيّ لخمسين شخص من أصدقائها المقرّبين تحضّهم على الصلاة الوسطى.

     ليت كلّ منّا يتفهم أنّ من تعتبره آخر يعتبرك هو، أيضًا، آخرًا، فتبادل وجهات النظر المسبقة هي ثنائيّة الأطراف قطعًا، و لا ينجو منها إلا العاقل الذي يفرّ من الإشعاعات المسرطنة المسلّطة على عقله منذ نعومة أظافره، و أحسبهم قليلون.

     و إذا انتقلنا الآن لمستوى أصغر: الأطفال، و هم فئة لا يستهان بها، لأنهم الأمل في ظل غياب الأمل، نجدهم يعيدوا نفس كرّة من سبقوهم إلى الجهل، فهم محصورون في بيئة خانقة قاتلة للفرد و الإبداع، و يتلقّون تعليم حكوميّ متواضع للغاية، كمثل أيّ شئ حكوميّ آخر، هو أول ما يغرس في الطفل هذه الإتهامات المسبقة و الإدعاءات السخيفة تجاه من هم يشاركوه أحلام هذا الوطن و تحديّاته و طموحاته. فلأول وهلة تشدّ حصص الدين إنتباه محمّد و إسماعيل و آية إلى أنّ جورج و مايكل و إيناس كائنات من فصيلة أخرى بالكاد تشاركهم الفصل، و هم، كما يخبرهم مدرّس أحمق، يختلفوا عنهم و يتخلّفوا عن نصوصهم "قطعية الدلالة قطعيّة الثبوت،" و نفس الشئ للمعسكر الآخر، فهم يُلقَنّوا من ذويهم و مدرسيّهم على السواء أنّهم الأقليّة المضطهدة، و أنّهم أهل هذه البلد الأصليّون، و أنّ الخلاص سينجدهم وحدهم دونما بقيّة زملائهم المختلفون و المتخلّفون عنهم.
هذا الصدع المهيب الذي يتولّد في الطفل من جرّاء حصص الدين الأسبوعيّة في المدارس الحكوميّة و ما يتلوه في المنزل أو في دور العبادة من خطابات الكراهية و العداء و البغضاء و التكفير هو ما يزيد حدّة الهوّة كل يوم بيننا و بين الأمم التي سبقتنا للعلم و لم تسبقنا للإيمان – هذا الجرح الغائر الذي قلّما يلتئم في نفس الرجل أو حتى الشيخ، فقد أصبحت هذه الخرعبلات العنصريّة مرتبطة بأعمق حسّ لديه، و أصبح الشعور الوحيد لديه أو لديها بعدما شوّهت حصص الدين تفكيرهم: أنا أختلف عن هؤلاء، إذن أنا أفضل منهم جميعًا.
تأخذ حصص الدين العنصريّة هذه حواليّ 12 سنة من حياة المصريّ، أي سدس معدّل حياته، و لكن تأثيرها السامّ يلوّث البقيّة الباقية من حياته، فحصص الدين ليست فقط مصدر كل بلوى طائفيّة تحطّ على دماغ هذه البلد من حين لآخر، و لكنّها مصدر كل تشويه نفسيّ و سلوكيّ للرجل و المرأة الناضجين فيما بعد، فهي ليست فقط تجبره على ترديد و حفظ نصوص لا يفهمها ليكتسب بها درجات ماديّة بحتة تساعده على النجاح، و ليست فقط تسبب الإضطراب و التشتت لأطفال صغار تحت مسمّى الإنقسام العقائديّ لأبرياء لم يعرفوا أيّة معنى للكراهيّة أو الفرقة بعد، و لكنّها أيضًا تزّكي مشاعر العزلة بين أبناء البلد الواحد و تهدم قيم المواطنة و الإنسان و الحرية.  هذا الفصل العنصريّ الذي يتولّد عنه اتباع المسيحيين الصغار للكنيسة و اتباع المسلمين الأعمى لكتاب الدين، مع أنّه كان الأولى لكليهما أن يتّبعا ما يمليه عليهما علم وطن، ممزّقة طوائفه، بارز أمامهما فوق تختة سوداء باهتة بالية، و لكنّهما اجتمعا تحت سماء وطن واحد و تحت سقف فصل واحد و تفرّقا في حصة الدين تحت اسم هذا الفصل العنصريّ الشائن.

     مصر ليست بمعدومة من العاقلين و لا المفكرين و حتى إن ندروا، فالمشكلة القائمة الآن في مصر هي مشكلة تقبّل الآخر، و ما جذور الفتن الطائفيّة المشتعلة رحاها الآن في مصر إلا حصص الدين المزيّفة التي نحن بصددها.
ليس لي أن أطالب بإلغاء التعليم الدينيّ تمامًا، فاحترام حريّة الآخر تحضّني على هذا، و لكلّ فرد الحريّة الكاملة فيما يريد أن يتعلّمه و يستظهره، و لكن يؤمن العاقلون أنّ دور التعليم الدينيّ يقع على عاتق المؤسسات الدينيّة الخاصّة فقط، و ليست من المؤسسات التعليميّة في شئ حيثما يتمّ خلط الدين بالألعاب و الحساب، فهذا ليس منطقيّ و لا مقبول، و لا مقبول أيضًا أن يتمّ تدريس العلوم العلمانيّة في مؤسسة دينيّة تاريخيّة مثل الأزهر، فما المانع إذن أن يكون التعليم الدينيّ مقصور على الأزهر و الكنيسة المصريّة العريقتين، أمّا التعليم اللادينيّ فينحصر في المؤسسات التعليميّة بمدارسها العامّة و الخاصّة.
ليس بالضروريّ بالطبع أن يتفرّغ الطالب للتعلّم الدينيّ تمامًا، فيكفي أن تقدم المؤسسات الدينيّة المنهج الذي تقدّمه المدرسة الآن، بجانب كون الطالب يدرس في مدرسة أخرى عامّة أو خاصّة. أو في حالات أخرى، حسب رغبة الطالب، يتفرغ تمامًا لتحصيل هذا أو ذاك، و في حالة التفرّغ يكثّف التعليم الدينيّ؛ لأنه سيصبح في هذه الحالة هو التعليم الأساسي، تمامًا كما يحدث الآن مع العلوم الشرعيّة في الأزهر، و هكذا يكون للطالب و لذويه الحريّة الكاملة في اختيار ما يناسب عقل و ثقافة و توجّه الطالب حتى لا يعاني من أمراض الإزدواجيّة المزمنة مستقبلًا.
و لكن كون الطالب المصريّ لا ينال شهادة البكالوريوس أو الليسانس إلا بعد أدائه لامتحان التربيّة الدينيّة فهذا هو ما ليس مقبولًا و لا معقولًا على الإطلاق.

     أخيرًا و ليس آخرًا، إنّ حصص الدين ليست فقط تنمّي روح التشتت و استعداء الآخر و الخوف منه، و لكنّها، أيضًا، تمدّ تربة خصبة للصراعات و النزاعات و العصبيّات القبليّة فيما بعد، آنما يعاني العالم كله الآن من تبعات العنصريّة و الجهل و الظلم و التخلّف و الدين: الإرهاب.

* الصورة ذات مصدر مفتوح، و قابلة للنشر و إعادة النشر.
                                        
                                                          أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في أخبار وملاحظات سياسية. حفظ الرابط الثابت.

One Response to الفصل العنصريّ يبدأ بحصص الدين و لا ينتهي عندها

  1. Amr كتب:

    Types of Secularists in Egypt:1-They directly attack and insult you, hoping for your “withdrawal”. (Kel adabak we ebka safiq technique, prototype: Bahaism followers who are secular by nature). Sometimes the insults are not that frank, a technique usually used by ex-Muslims.2-They insult your intelligence by repeating silly questions and empty debates, hoping you might get bored and go away and at the same time they attract naïves to be recruited in their gangs. (Ga3ga3a fadia, prototype: some “liberals”).3-They claim they are “still religious” but you are just twisting their words. (Ekhda3 yemken yenfa3 technique, prototypes: atheists and agnostics).4-They ignore you because you are threatening their very existence by exposing their lies and ignorance. This is the usually the end stage of any of the above.Not every atheist is Godless but every Godless is atheist. Indeed many atheists are Buddhists.It is not uncommon to see gangs consisting of atheist/agnostic seculars, Baha’ism followers, coloured “Muslims” like shi3a, and present day “Christians” among others (Lem El Shamy 3ala el Maghraby maho el 3adow wa7ed protocol, predominant nowadays). You might hear, this is conspiracy theory. Well, who said that history is without series of conspiracies?!Of course, these groups in my classification are not mutually exclusive.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s