إقتصاديات التمييز 2

     التمييز قيمة يمارسها كل منّا في حياته اليومية، و هي ما تخلق اختلافًا على أساس الجدارة، أما الآن فسنمضي في الحديث حول التمييز بأسباب أخرى غير الجدارة، و هو قد يكون تمييز حسب اعتبارات شتّى تختلف من شخص لآخر سنتناولها في هذا الجزء باعتبارها حرية فردية لا علاقة لها بالقوانين المنظمة للدولة. و تمامًا كما يبيّن الفيلسوف الإقتصادي الألماني هانس هيرمان هوب، في مقال عن كتابه "الديمقراطية : الإله الذي فشل،" بأن النظام الإجتماعى الطبيعى يتميّز بزيادة التمييز.*
باختصار شديد، فإن للأفراد الحرية الكاملة في ممارسة التمييز أو لا، و هو التمييز الذي يدفع مقابله الفرد جزءًا من ماله الخاص أو ربحه
، و لكن ليس على الحكومات فرض هذا التمييز قصرًا على الأفراد، و هو ما نحن بصدده الآن.

                     State shouldn't exert wide discrimination over certain groups using special acts, however group of individuals are free to do so without causing physical hurt or private property damages. 

     و لضرب مثال مصري حي، فإن ما حدث بتخصيص نسبة معينة في البرلمان المصري للمرأة هو ليس فقط تقويضًا شنيعًا لحرية الأفراد و تدخلًا صارخًا في اختياراتهم، على فرضية نزاهة الإنتخابات و التي تقوم في الأساس وفقًا لحرية الأفراد، بحيث أنه يخالف الإتجاه العام للأفراد “General Attitude” في هذا المكان و هذا الزمان بالتحديد، سواء كان هذا الإتجاه العام يتمثّل في اختيار نسبة أقلّ من الإناث، أو حتى عدم اختيارهن من الأساس، تبعًا لديمقراطية السوق التي تفرضها توجهات الناخب، و لكنه أيضًا، أي القانون، يحرم الأفراد من خدمات نسبة من الذكور مساوية للنسبة المحددة للإناث، هذه النسبة التي كانت من بينها من هو أكفأ من امرأة معيّنة بالطريقة ذاتها، و تمّ التمييز ضده، مع كفاءته، نظرًا للقانون المحدد لنسبة الإناث، و هو ما يؤثر سياسيًا و اقتصاديًا على أوضاع الأفراد في هذا الحي أو ذاك، و يتبعه تأثير ذات نطاق عام.
و المثال الماضي يثبت بما لا يدع مجالًا للشك بأنه مهما كان التدخل الحكومي
 “State Intervention”يتخذ صورة ملائكية فهو يظل شيطانًا يقصف بحرية الأفراد في انتخاب من يرونه أكفأ لتلبية مطالبهم في هذه الفترة بالتحديد، سواء كان هذا المختار ذكر أم كانت أنثى.
مثال آخر محلي أراه يلوّح في ذاكرتي الآن و هو لم يطبّق بعد، و لكنه يكاد يكون مثالًا واضحًا تمامًا بشأن التمييز، و هو "قانون دور العبادة الموحّد" و الذي يختلف بدوره مع ذوق عام للمسلمين
في مصر في الوقت الراهن تحديدًا بشأن رغبة عامة تتمثل في إبقاء عدد كنائس الأقباط بالضآلة التي هي عليها الآن، مقارنة بمساجدهم؛ نظرًا لأقليتهم الدينية، فالمسلمين بهذا يمارسون تمييزًا واضحًا بالإضافة إلى تعدّي صارم على حقوق الآخر، إن امتد الأمر لأذى مادي أو تخريب للمتلكات، و هو الذي يتمثل في رغبة الآخر المشروعة بتملّك قطعة أرض ما و تحويلها لكنيسة للصلاة، و أريد هنا أن أفصل فصلًا نظريًا ما بين "التعدّي على حقوق الآخر" و "التمييز المتعمّد بسبب الدين" لتوضيح ما قصدت به من المثال؛ و ليكن التمييز يكمن في عدم سماح الملّاك المسلمين ببيع الأرض للمسيحيين لبناء الكنيسة عليها، و هذا يقع تحت طائلة التمييز فقط، لأن للمالك المسلم الحرية الكاملة في بيع أرضه أو تأجيرها أو حتى تعطيلها لمن أو عمّن يشاء، فهو بدوره عبّر عن إتجاه خاص ستقلّ تبعًا له عدد الكنائس بشكل أو بآخر إن استشرى هذا الإتجاه و أصبح توجهًا عامًا للأغلبية المطلقة، و قد دفع المالك المسلم ثمن تمييزه ضد المسيحيّ بكونه عطّل أرضه عن الإيجار، أو باعها أو أجرها بثمن أقلّ لمشتري مسلم، و لكنه فضّل أن يدفع ثمن تمييزه مقابل عدم بيعها للمسيحي، و بهذا فقد وقع ضررًا بالغًا على المسيحيين المتواجدين في هذا المكان و هذا الزمان بالتحديد من جرّاء الذوق العام للأغلبية في نفس ذات الزمان و المكان.
و الآن، سواء كنا من مؤيدي ضرورة نشر قيم عدم التمييز في عقول الأفراد على مستوى عام بمثل قوانين "تبدو جيدة" مثل "قانون دور العبادة الموّحد،" باعتبار شقّه التمييزي فقط، لضمان عدم التمييز على نطاق واسع، أو كنّا، مثلي، من مؤيدي حرية الإختيار
“Free Choice” و عدم إلزام الأفراد بقوانين محددة لمعاملاتهم (مثل التي تكمن في المثال السابق في منع المالك المسلم من طلب إخلاء الكنيسة نظرًا للقانون الجديد الذي يحدد قوانين خاصة لدور العبادة)، فإن كلينا يجد نفسه أمام شرّين حكوميين لا ثالث لهما عليه أن يختار بينهما، خاصة إن كنا نعيش في بلاد شمولية لا مكان للفرد فيها: إمّا التمييز بقرار حكومي عام و هي مجموعة القوانين الجارية التي تسّهل بناء المساجد و تعسّر إقامة الكنائس، أو عدم التمييز أيضًا بقرار حكومي عام كقانون دور العبادة الموّحد أو تحديد نسبة المرأة في البرلمان بنسبة النساء العاملات من كتلة القوى العاملة المصرية، فسيجد كلانا مجبرًا بأن يتجه، و لا شك، لتفضيل الثانية على الأولى.
و لكن إن نظرنا بتمعّن، سنجد أن الحكومات التي تفرض مثل هذه القوانين، المانعة للتمييز، تشوبها قصر نظر بالغ مزري، و التي ستؤول بعدذاك لفشل شعبي ليس فقط لكونها لا تمثل عن إرادة حرة للمواطنين، و لكنها ستزيد من معدلات الإحتقان و التمييز عندما يجد المالك المسلم نفسه مرغمًا على السماح بتأجير الأرض أو بيعها مرغمًا، مع أنها أرضه الخاصة، لتحويلها لكنيسة، أو في حالة قانون تمثيل المرأة في البرلمان الذي لا يعبر عن ذوق عام، و بالتالي سيزيد من معدل التمييز ضد المرأة في مجالات أخرى.
و بالأحرى، فإن القوانين المانعة للتمييز قهريًا تنفّر الأفراد و تنتج عنها تمييز عكسي
“Reverse Discrimination” في حين أنها تقوّض حرية الأفراد في انتخاب من يرونه الأجدر أو في التعامل مع ممتلكاتهم الخاصة، و هو ما يبدو ممارسة غير مشروعة ضد حرية الأفراد و ضد حرية التبادل الإرادي الحر.
و في هذه الحالة التي أشرت بذكرها، ففي حين لو حررت الحكومات العلاقات بين الأفراد من تبعيتها لقوانين تجبرها على التمييز أو عدم التمييز، سيعبّر السوق، إراديًا، عن رغبات المتبادلين من بائع و مستهلك لخدمة أو سلعة، و تصير نسبة السلع و الخدمات تمثّل حتمًا الذوق العام للأغلبية، مما يسهم في خلق جو حر من التبادل بعيدًأ عن ممارسة جبرية غير مشروعة، و مثال واضح على ما أقول هو ما حدث في ولاياتي فرجينيا و شيكاجو في ستينيات القرن الماضي بالولايات المتحدة، حيث زادت معدلات الفصل العنصري بين الزنوج و البيض في الأولى خاصة بعد قوانين حكومية تمنع التمييز، في ظل ثبات المعدلات في الثانية في ظل غياب قوانين عامة تمنع التمييز، و ظلت المعدلات معبّرة تمامًا عن إرادة الأغلبية، خاصة و أن القيم الراسخة و العادات المتأصلة عند الأفراد لا تتلاشى فجأة، حتى و لو بقوة القانون.**
مثالان نهائيان يثبتا كل ما تقدّم ذكره و يقطعا كل شك بكل يقين؛ ماذا لو قررت نقابة الممثلين منع أفلام محمد سعد نهائيًا؛ بحجّة أن مستواها الفني متدني و أنها تساهم، بتفاهتها، فارغة الجوهر و المعنى في الإنحطاط الفكري للجيل الحالي، و قررت على الجانب الآخر زيادة عدد الأفلام التاريخية المعروضة سنويًا حتى تدعم المتعة الترفيهية بأعمدة ثقافية و تاريخية ترفع بدورها الوعي لدى جموع الشباب؟! دعنا نستنتج النتائج الآن، و هي نتائج عكسية التأثير تمامًا لما ظنّته النقابة "نيّة طيبة" بمنع أفلام من وجهة نظرها "تافهة،" و زيادة أعداد أفلام من وجهة نظرها "هادفة؛" و قبل الخوض في النتائج، فيجب الإشارة إلى أن هذا القرار يعدّ "تمييز" من النقابة ضد محمد سعد لمصلحة أبطال الأفلام التاريخية جميعًا، و لكل واحد منهم على حدة، و هو ما يشبه إلى حدّ كبير الأمثلة التي تحدثنا عنها قبيلًأ، من حيث التمييز الحكومي لفئة ضد فئة أخرى؛ أولًا، بالضرر المادي المباشر ضد محمد سعد، و كل فنان يؤدي أدوارًا مشابهًة، من حيث منعه من ممارسة المهنة التي يتحصّل منها على العيش، بالإضافة إلى تقويض حريته بالعمل في مثل هذه النوعية من الأفلام. ثانيًا، بالضرر المعنوي المباشر ضد محمد سعد، و كل فنان يؤدي أدوارًا مشابهة، من حيث اختلاف نظرة المنتجين و الجمهور له الآن، فقد صارت بضاعته "تافهة" و غير مرغوب فيها "بقرار سلطوي" و هي النظرة التي ستنخفض من جرّائها أجر محمد سعد و مدى شعبيته. ثالثًا، بالضرر المادي المباشر ضد المنتجين المتعاقدين مع محمد سعد، أو المنتجين الذين كانوا سيتعاقدون معه في المستقبل، و هو لم يحرم المنتجين من دخل جماهيري كبير و مضمون فقط،  و لا أضرّ أعمالهم الأخرى التي من بينها "فيلم تاريخي هادف" بالتأكيد، و لكن القرار أيضًا قوّض حرية المنتجين في إنتاج أفلام لمحمد سعد بالتحديد. رابعًا، بالضرر على صناعة السينما لانخفاض معدل حضور الأفلام بعد القرار الذي سيضرّ بدوره جميع الأفلام في المستقبل. خامسًا، قد مارس القرار انتهاكًا شديدًا ضد حرية جمهور المتفرجين في التمييز بين محمد سعد و غيره على أساس "الذوق العام" و على أساس الجودة، بل و حرم سوق السينما نفسه من التنافس الحرّ، مما أثرّ بشكل غير مباشر على إنتاجية هؤلاء الجمهور الذي كان يسبب لهم الفيلم مصدر البهجة و المتعة الترفيهية، بل و أثّر على حرية الممثلين نفسهم في مناقشة ما يرونه هام بأيّة طريقة، حتى لو كانت "تافهة" من وجهة نظر النقابة، الأمر الذي حدد إبداعهم و حجبه عن الناس، بل و حجب إبداع جيش من المؤلفين و كتّاب السيناريو و المخرجين و المصورين… إلخ. سادسًا، لقد أثّر هذا المنع على بورصة السينما، و على الإقتصاد عامة، فهو يشبه أيّة قرار للتدخل في الإقتصاد من قبل الحكومات “Intervention” حيث سبب من العجز الإقتصادي، و الخسائر المالية، و عدم ثقة الجمهور في صناعة السينما جميعًا، حيث سيعتقد كل معجبين محمد سعد بأن النقابة مارست ضده تمييز لتحقيق مآرب شخصية، أو بأن هناك مستفيدون من وراء هذا القرار، أو سيشكّ العامة بارتشاء النقابة من قبل فنان منافس لممارسة الإحتكار على هذا النوع من الفن. سابعًا، سواء تمّ هذا القرار بفعل فاعل ضد شخص محمد سعد مباشرة لممارسة الإحتكار، و هو الأرجح، أو كان كما أعلن "بحسن نيّة" لرفع المستوى الحضاري للناس، فهو في كلا الحالتين قد رفع من الدخل المادي لآخرين لم يكونوا ليربحوا بهذه الصورة في وجود محمد سعد، أو بالضرورة فهو قرار "غير عادل" لأنه أجبر المنتجين على دفع مبالغ طائلة لآخرين أقلّ كفاءة من محمد سعد، نظرًا لظروف غيابه القمعية. ثامنًا، من المعروف أن السينما في أيّة دولة تنمّ عن الحالة الثقافية و الإجتماعية لهذه الدولة، و لكن بسبب هذا القرار، أصبحت سوق السينما في حالة غير طبيعية، و أصبحت الأفلام لا تتبع لرغبات المشاهدين الحقيقية، و أصبحت غير معبّرة عن الثقافة الحقيقية السائدة في هذا المجتمع بالتحديد في هذا الوقت بالتحديد، و تفرّق إنتاج الأفلام عن رغبات الجماهير تفرّق منفرج تمامًا. تاسعًا، استخدمت الحكومة سلطاتها بطريقة غير مشروعة لممارسة تمييزًا بقوة قرار سلطوي على الأفراد “Coercive Power.” عاشرًا و أخيرًا، فقد لعبت الحكومة دور وليّ الأمر “Parentalism” الذي قرر للأبناء "المواطنين" ماذا يجب أن يشاهدوا و ماذا لا، و في أيّة أفلام يجب أن يدفعوا و في أيّة أفلام لا.
المثال الثاني، و قد يستنتجج القارئ مساوئه بنفس المنطق، ماذا لو قررت وزارة الأوقاف التمييز ضد المسيحيين بوصفهم "بالغير صالحين،" في الحين الذي وصفت فيه المسلمين بأنهم صالحون؟! ماذا تظن أن يسبب تمييزًا مثل هذا من أضرار مادية و معنوية على المسيحيين؟! و أضرار مادية للمسلمين المتعاملين مع مسيحيين؟! و بالإضافة إلى أنه استخدام لسلطة قهرية لفرض تمييزًا صريحًا ضد أقلية بسبب دينهم، فهو يعتبر قرارًا "شموليًا" لا يراعي "نسبية القيم،" و هو بذلك قرارًا ظالمًا؛ لأنه يعتبر جميع المسلمين صالحين أمام القانون بمن فيهم من مجرمين، سارقين، و قاتلين، و بالتالي فهو يقوّض قوانين كانت من المفترض أن تكون صارمة تجاههم، و على الجانب الآخر، فهو يعتبر جميع المسيحيين غير صالحين أمام القانون بمن فيهم من رجال أعمال عظام، و شرفاء، و سيدات ذات سمعة طيبة، و بالتالي فهو يقوّض قوانين كانت من المفترض أن تعاملهم أفضل. و لا سيما بعد كل ذاك، فالقانون الذي يساعد على التمييز، يحضّ على العنف و الإحتقان و الحقد الطائفي كما هو في مصر الآن. و الآن، إن كان من البديهي أن هذا المثال يضرّ كل الأطراف؛ لأنه ببساطة قانون يساعد على التمييز، فلنأتي لقانون آخر يساعد على "عدم التمييز" و أطلقت على كلا الطائفتين "صالحين،" و هو القانون الذي "يبدو" جيدًا، و لكننا إذا أمعنا النظر فيه فسنجده به من السيئات ما بقوانين التمييز، فهو يفرض "قيمة مطلقة" و لا يراعي نسبية القيم، و يفرض على المواطنين جميعًا أن يكونا صالحين من "وجهة نظر" الحكومة، و يقوّض حرية الأفراد في كونهم يريدوا أن يكونوا أي شئ آخر "غير صالح" مع عدم الضرر بالآخرين، و أيضًا يقوّض القوانين الرادعة للمجرمين، و السارقين، و القاتلين من المواطنين؛ لأنه يفرض عازلًا بينهم و بين القانون بهذا الساتر المسمّى "الصلاح،" تمامًا مثلما تغطي جميع المواطنين "بالحصانة الدبلوماسية،" و أكثر من ذلك، فالقانون الباعث على عدم التمييز، يساوي بين المواطنين على أسس غير الجدارة، و لذا فهو ظالم لكل المواطنين، و لا سيما المواطنين الشرفاء بمساواتهم بغيرهم من المجرمين، فالقوانين المانعة للتمييز دائمًا ما تحرّض على مجتمع ساكن “Status Society ”  لا حركة فيها و لا تبادل للمراكز و المواقع، و هي الصفات الأساسية الحركية “Mobility” لأي مجتمع متحضّر منتج، بل و يضرّ هذا القانون، كما ذكرت سابقًا، المواطنين الشرفاء، لمصلحة المجرمين، فهو، مع كونه "يبدو" يساعد على عدم التمييز، فهو في الحقيقة يساعد على التمييز.
و نستخلص من الأمثلة السابقة شيئًا واحدًا، أن أي تدخل حكومي في الإقتصاد، أو في القيم، أو في "تقويم المواطنين" يضرّ، و يأتي بنتائج عكسية تمامًا، مع أن أصله كان ذات "نية طيبة."  
 

                                                 Racial Discrimination

     و في جميع الحالات السابقة، فإن الفرد يدفع مقابل تمييزه الإرادي و هذا ما أسهبنا قبل قليل، و لذا فإن تمييزه لا يؤثر إلا على شخصه، و لكن التمييز على نطاق واسع من قبل سلطة حكومية قهرية يؤثر سلبًا على جميع الأفراد داخل نطاق هذه الدولة، و مثل جليّ على ذلك هو التعريفات الجمركية التي تفرضها بعض الدول على بضائع الدول الأخرى، فالدولة قاصرة النظر تظنّ أنها لا تخسر أي شئ في الوقت الذي تفرض فيه هذه التعريفات الجمركية الزائدة على الواردات سواءًا لحماية المنتجات المحلية أو بداعي التمييز ضد دولة أخرى أو مجموعة دول***، و لكن هذا التدخل في حرية التجارة يسبب خللًا و شللًا للتبادل الحر بين الأفراد أو بين الكيانات الإقتصادية متعددة الجنسيات “Multinational Firms” و هذا لن يتبعه إلا تقويض لحرية الأفراد بالإضافة لخسارة على نطاق واسع، و هذا تمامًا ما حدث لبريطاينا بعد الحرب العالمية الأولى أو على نطاق أوسع في أوائل 1930 عندما منعت التجارة الحرة.
و هذا ما جعل دول العالم الكبرى تسعى لاهثة لتحرير التجارة العالمية
“Free Trade” من تبعات هذا النظام الجائر بداية بالمحاولات الأولى في القرن الثامن عشر من جانب إنجلترا و بقية دول العالم المتحضر لتغيير نظام المركنتلية “Mercantilism” الذي كان سائدًا وقتها، حتى اجتماع منظمة التجارة العالمية الذي عقد في العاصمة القطرية الدوحة عام 2001.
و قد نادى بتحرير التجارة كثيرًا من الإقتصاديين و الفلاسفة العالميين بداية من آدم سميث و ستيوارت ميل حتى فريدمان و هايك و فون ميسس مرورًا بكينيز.
و غالباً فإن الدولة التي تفرض تعريفات تمييزية على وارداتها سيؤثر ذلك في المستقبل القريب على إقتصادها الداخلي بداية بدعم الإحتكار الداخلي و اقتصار المنافسة على الشركات المحلية حتى الزيادة الحتمية في أسعاد وارداتها مما سيقلل من القوة الشرائية لعملتها أمام عملة هذه الدولة الممارس ضدها التمييز بالتحديد، و من هنا نجد أيضًا أن التدخل الحكومي قد فرض تمييزًا
“Intervention that leads to a discrimination” في صورة تعريفات زائدة على المنتج الوارد و الذي سيزيد من ثمنه في أسواقها المحلية و سيعوق التنافسية الصالحة للمستهلك “Competition”، و قد خسر التاجر المستورد من ربحه المتوقّع، على ضوء هذا التمييز، هذا الفارق الآن، بين سعر المنتج الأصلي و سعره بعد التعريفة، و خسر المستهلك نفس الفارق في المستقبل القريب عند الإستهلاك، بل و خسر المستهلك المحلي بدوره عندما اشترى المنتج المحلي بسعر أعلى من سعره الأصلي مما يترتّب عليه ارتفاعًا، غير مبررًا على أساس تنافسي، في سعر المنتجين المستورد و المحلي مع بقاء جودة الإنتاج المحلي على ما هي عليه، و فقط كسبت الحكومة هذا الفارق في الوقت الراهن، أي أن المكسب للحكومة فقط جاء من جرّاء هذا التدخل الحكومي، و الخسارة، المادية و المعنوية، للأفراد، و هذا يعدّ تقويضًا بيّنًا باسم "الوطنية" “Patriotism” أو حماية المنتج الوطني “Protectionism” و هي كلّها أسباب واهية تخدع الحكومات بها الأفراد، و ما هي إلّا تمييز ضد شعوب بعينها أو مكاسب إضافية تدخل للدولة من مصادر مشبوهة.
و مثال على ذلك هو التعريفات الأقلّ على المنتجات الصينية أمام نظيرتها اليابانية، مما يؤدي للتمييز الذي يخدم المورّد و المستورد الصينيين و يضرّ بالمورّد و المستورد اليابانيين، و هو نتيجة لسياسة جكومية
“State Policy” تغيب فيه الإختيار الحرّ “Free Choice” للأفراد في التفضيل بينهما على أساس تنافسي يقيّم على الجودة و الثمن الأقلّ، و ليس على أساس شمولي من جانب تمييز حكومي قهري “Coercive Discrimination”، و هو ما يظهر جليًا في المنتجات الواردة لدول الإتحاد الآوربي من الخارج، في حين أنه داخل الإتحاد تتمتع الدول الأعضاء بحرية التبادل بشكل شبه كامل، و هو ما يقوّض حرية الأفراد على نطاق أوسع، لأن الإتحاد الذي يتم على شكل سلطوي قهري يضرّ بمصالح الأفراد و الكيانات الإقتصادية الخاصة، و لكن الإدماجات الفردية في ظل تجارة عالمية حرة هي التي يربح من جرّائها الأفراد و يربح العامة كردّ فعل طبيعي للتنافس الحرّ الذي يخدم العامة في حين أن المنتِج عندما بدأ نشاطه لم يضع في حسبانه إلا خدمة مصالحه الخاصة، و هو المصطلح الذي أشرنا له في الجزء السابق "اليد الخفية" Invisible Hand”.
فتحرير التجارة بالإمتناع عن عمل ما يسمّى بالإتحادات الإقتصادية بين الدول لا تثقل كاهل الفرد بتحمّلها غصبًا عنها، و لا تمنعه من المضي قدمًا فيها. و هذا تمامًا ما ولّد المصطلح الذي يعرف بالتشكيك في ضرورة الإتحاد الآوربي بهذا الشكل المذهل الذي يقوّض الإقتصاد و حرية الأفراد و يزيد من التمييز الحكومي، و هو ما يسمّى
Euroscepticism.”

 .لقراءة الجزء الأول، إضغط هنا: إقتصاديات التمييز 1

 جميع الصور مرخّصة تحت الرخصة العامة لتبادل المستندات "جنو،" و جميعها من هنا –

   مصادر –

* من ويكيبيديا عربي، إدراج "تمييز:"
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%85%D9%8A%D9%8A%D8%B2

Milton Friedman, Capitalism and Freedom, Chapter VII, page 118, Chicago and **
London: University of Chicago Press, 1982.

*** G. S. Becker, The Economics of Discrimination, Chicago: University of Chicago Press, 1957.
     أحمد زيدان                                                                                                                                       

Advertisements
هذا المنشور نشر في اقتصاد سياسي. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s