قبّعات و عذارى

     هي… تخلع قبّعتها السوداء المصنوعة من فراء ناعم ملمسه، و تنّحي معطفها الأسود الدافئ جانبًا.
انطلاق أحمر قاني، بلون شفائفها المطرّزة بعناية حاذق، نحو الحياة بعد طول انتظار و شغف.
كسر مقطعيّ، لا إصلاح له، لصدغ الزمن النافقة في مكانها منذ قرابة من ربع قرن بلا حراك – إلّا عراك شهريّ لا إراديّ خفيف. اليوم: حرب إراديّة عنيفة.
إرادة ورديّة، و شعور غامر بالإمتنان للجنس، و الحبّ، و الحياة، و له بطبيعة الحال.
هدم تامّ لكلّ حدود المجتمع الحمراء الباهتة الفاصلة، كجدار عازل، بمعول النفس و الحريّة و الإشراق – لتنفجر شلّالات دماء طاهرة، تعلن قتل عادات بالية، و أبديّة حبّ شيوعيّ تستوي تحته نفسان ثوريّتان و يتساوا.
تشعر الآن، تحت إمرة هذه القشعريرة الحالمة، بكونها أكثر تحرّرًا من ذي قبل، و لمّا ولدت، هي، مرّتين؛ مرّة منذ قرابة ربع قرن، و أخرى في هذه اللحظة بالذات، فهي تعلم جيّدًا أنّ هذه المرّة نابعة عن إرادة كاملة، كزهرة تنمو منحنية ناحية الضوء، و غصبًا عن مجتمع قبليّ، و أهل بدائيين، و بلد مقيِّدة… خليط يعوزه الإنسجام، ربطت هي بين خيوطه على عتبة بيت مهبلها العنكبوتيّ، و إذ بها تقرّر اليوم، بينما هذا راقد يلاطف ثدييها، أن تتحرّر من خلاله لترتقي لإنسانيّتها الكاملة الكامنة خلف بلاط فخذيها، و الزمن، و الناس.
انتشت بكثافة أثناء حفل الإستقبال المهيب داخل أحشائها، و الذي سيعدّها بعد قليل ضمن زمرة المتحرّرات.
لفّ الغشاء الرهيف المانع لضوء الصباح على نفسه لفّتين، لينكمش، و يستأصله الهوى، ليتساقط بجاذبيّة التحرّر كورقة ذابلة، من خريف مضى – و هكذا لن تعوق أشعّة الشمس عن بيتها فاصلًا أبدًا.
لقد خلعت أشياءًا كثيرًة قبل الحفل، سريعًا ما حطّتها ثانيًا بعده – صدريّاتها، لباسها التحتانيّ، قبّعتها، معطفها، و شمسيّتها، فالشتاء ممطر خارج هذه الغرفة التي يكتنفها الحبّ، كما أمطر جسدها سائلًا لذيذًا منذ قليل. و هي إذ تطهّره بجسدها اللامع، من آثر بقايا نوبتها المتهدّجة، كيما تستأنسه لبداية عهد جديد، يطهّرها في المقابل ليمسح عنها خطايا سبع سنوات عجاف ارتكبتهم في حقّ أنوثتها.
و لكن ثمّة شيئًا خلعته، و لم يعد، و لن يعود أبدًا… لقد خلعت، و تخلّت إراديًا عن، عذريتها، خلعًا لا رجعة فيها، و إخلاءًا لا رجوع عنه.

حبّ و مطر و حريّة

 

     هو… امتثل في هذا الصباح القارص لصفرة شعراتها الذهبيّة التي تعكس أشعّة الشمس الخجولة من جهة، و جسدها الأبيض العاري من جهة أخرى – إنّه الوجه ذاته، و لكن وجه الأنثى يختلف إذا ما كانت عارية، وقتذاك تعكس عينا العذراء لهيب الحبّ، و إثارة الجنس، و خجل المرّة الأولى في مكوّن واحد فريد، طالما اشتاق هو أن يغرقه بقبلات حارّة تتخلّلها كلمات الألسن الصامتة.
امتطى صهوة شهوته الجامحة كحصان طرواديّ انفكّ من قيوده الأزليّة – فقد حان وقت الحسم.
مدرك تمامًا، هو، مدى تاريخيّة اللحظات الآتية ببطئ ضوء كاميرا مقدمة على التقاط مشهد خالد. إنّها ليست تاريخيّة فقط، و لكنها كمعصم حديديّة تفصل بين حياة جدباء بلا جنس، و حياة أخرى تمامًا، ككأس شامبانيا تمتلئ عن آخرها لتغمر ما حولها و تزدهر لها وريقات الجنس، و الحبّ، و الحريّة.
أطرق للحظات قبل ولوج خرطومه المستثار في محيطها الرطب، عندئذ أدرك مدى تفاهة كوكب الأرض بالنسبة لحبّهما – فهو كوليد يتضرّع لبن أمّه، أو غريق يرتشف نور النجاة.
مثلما سمكة تتوقّف خياشيمها عن نبض الحياة كلّما ابتعدت عن مياهها الإقليميّة، كان هو وقتما خروجه المتتابع – فداخلها مسكنه… و خارجها لا معنى لأيّة شئ؛ لا معنى لوجود شخصيًّا، و لا لأشعّة الشمس، و لا لكوكب الأرض الذي يلمحه من طرف شبّاك الغرفة الضيّق كلّما تلحّن عنها بين الكرّ و الفرّ… بينما عند اتصاله بها، فكلّ شئ في موضعه؛ هو نفسه، و أشعّة شموس شعراتها، و كوكب مهبلها المتشكّل بأبعاد قضيبه التي تحلّق فيه دماء الشباب – فهما، المشكّّل و المتشكَّل، مثل إنزيمات الحياة، لا قيمة لهما إلّا متراكبين.
يشتدّ في تقلّباته فوق جسدها المنسجمة معالمه، و كلّما يخرج يرَ الكوكب الخارجيّ بتفاهته المعهودة فتنقطع أنفاسه، فيشتدّ أكثر و يمتدّ أعمق، و كأنّه يقتنص بتمدّده رؤوس كل خانقي حريّته في العالم الخارجيّ – خارج مهبلها. أو كأنّه، بعنفوانه المتزايدة حدّته، و تأصيله لقطار الحريّة على قضيبه داخلها، و حكّه المتواتر بجوارحها الداخليّة و نقاطها الموضعيّة، يقتصّ من مجتمع رسم خطوطًا حمراءًا واهيًة حرمته من مثل هذه المتعة اللانهائيّة بضعة سنين. أو كأنّه بعربدته داخلها يسحق وصمات المجتمع المتستّر على غرف نومه بقاعات معابد ضخمة و ميكروفونات للتخدير العام. و كأنّ آهاتها الناعمة هي نصرهما معًا و هزيمة مستديمة لمجتمع بأكمله. فقد تخطّوه معًا لاقتناص حريّتهما، بل و التفّا حول قوانينه للوصول لمكان أشرف من أماكن كثيرة مخادعة و مناورة و حائلة بينهما و بين ضوء الصباح.
هو يعلم تمامًا أنّه مازال يمتلك ربع قرن لممارسة الجنس، حتى و إن فاته القليل، فقد شرب نخب القادم – الأروع.
و هو يمنّي نفسه بأنّه التحق بزمرة المتحرّرين في شبابه، و لم ينتظر مثل كلّ الخاملين الذين رضوا لأنفسهم بخندق ارتسموه بمحاذاة خاملين آخرين بمحاذاة آخرين، في مدافن هائلة لنازيّة الأخلاق.
و لمّا انفلت هو من ربقة معسكرات اللاجئين باسم المجتمع و الدين، فهو يحيا الآن حياة المنادين بالتحرّر؛ لأنّه يدرك تمامًا أنّ جنس الشباب لهو خير ألف مرّة من جنس بليد أخرق تحت مسمّى أوراق حكوميّة بالية – جنس العجائز تحت غطاء المجتمع، و الدين، و المستندات.
جنس الشباب، حيث العظام الصلبة القادرة على التهشيم، و الأوردة الماجنة المبادرِة بالضخّ، و العضلات المشدودة الجانحة للإنقباض، و العقول المتحرّرة الرافضة للإنقياد، فضلًا عن الحنجرة الماهرة المشتاقة للتأوّه الشهوانيّ المجيد.
هي ملجأه و قراره، و لمّا يفرّ، هو، من مجتمع لا يفهمه و لا يقدّر حريّتهما، يعدو لعالم بداخلها يسعه، و يسعها، و يسع حريّتهما معًا.

     لقد دفنا، بأيديهما الشابّتين، عذريّتهما بمحاذاة توابيت المجتمع المحنّطة… ليحتذيا، بإرادتهما، أرض عالم حرّ، حريّة مهبلها و قضيبه.
و باسم الحبّ انتقلا لعام جديد، و قبعت عذريّتهما، مع العام الفارّ بذكرياته، ها هناك للأبد.
                                                                                                              
أحمد زيدان

* الصورة ذات مصدر مفتوح.

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

8 Responses to قبّعات و عذارى

  1. jeannette كتب:

    it is the best thing iv ever reead in all 2008… cobngrats u r conquring urself.. this time i didnt feel it is the same again.. it is just a velvet opice of silk enclosed in a short story frame.. wow ya a7mad… look how u did with those only around 10 mnts of thier lives… all these emotions u r weriting as if u were there holding a mind detector that write down each flash of thinking come up in thier minds..of course u know my other reasons that make me like it… how close it jis to some people.. got me of course… congrats envader.jeannette

  2. Ahmed كتب:

    Thanks Jeannie for the sweet words. Indeed, I know what you\’re mentioning.That\’s why I keep on envading, lady.Have a cool afternoon!Xid

  3. Alim كتب:

    So beautiful Ahmed; only the sacred words of the Sufis come close to this. Rumi said "A man is born twice; once from a woman\’s womb and agin when he finds faith." Now I know that faith and making love are the two sides of the "Divine."

  4. Ahmed كتب:

    Thanks Ayad, and thanks Alim for your comments. :- )Have splendid holidays!

  5. Amira كتب:

    هلّا أجبـتـني .. ممَ صنع قلمك؟ أمن ذهب هو أم من حبر؟ومم صنع قلبك وعقلك، كلاهما؟ أمن خلايا و أعصاب أم من فوتونات ضوء؟

  6. Ahmed كتب:

    عليك استكشافهما بعد…

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s