الحرّيّات الفرديّة 1

     الحرّيّة “Liberty” هي قيمة شاملة تحوي عدّة استقلاليّات “Independences”، بداية بالإستقلاليّة الفسيولوجية التي تستهلّها رأس الجنين منذ المهد، و لعلّ هذه الرأس بالتحديد هي التي ستنتزع آخر الإستقلاليّات لنيل حياة الحرّيّة حتّى اللحد: الإستقلاليّة الفكريّة.
فالإنسان ينمو، و ينفش ريش التبعيّة باطّراد من خلال حاسّة غريزيّة نحو البقاء متوطّدة في كلّ عاقل: الحرّيّة. و لا غبار على ذلك لدى كافّة الكائنات.
يكتسب الفرد استقلاليّات جديدة باطّراد مع مرور الزمن، و تزيد عمق و اتّساع استقلاليّاته القديمة، بل و تحتّد رغبته فيهم و تشتّد مطلبه عمّا سواهم؛ ليكتسب ثاني ما يكتسب، بعد الإستقلاليّة الفسيولوجيّة، الإستقلاليّة العقليّة، أي يكون عقله كاملًا قادرًا على التمييز، لتؤهله هذه فيما بعد لمحوريّ حياته: الإستقلاليّة الماديّة، و من ثمّ الفكريّة.
و إن كانت الحرّيّة كقيمة يُشتقّ منها تعريف الفرد نفسه
“Individual” في السياق الحضاريّ الحديث، بعد انقشاع أزمنة العبوديّة بلا رجعة، فكأنّ الفرد بنيله للحرّيّة الكاملة يستعيد شجرة تطوّره الحضاريّ عبر ملايين السنين في ستّة عشر عامًا، أو أقلّ، حتى وقت بلوغه تمامًا. و علاوةً على ذلك، فإنّ الإستقلاليّة الماديّة تسبق الفكريّة و لاشك؛ لأنّ الفرد لا يجنح للفكر إلّا بعد إشباع حاجاته كاملةً، و التي توفّرها الإستقلاليّة الماديّة، و هو ليس بمعزل في هذا الصدد عن الإنسان البدائيّ الذي لم يستخدم عقله في بناء الحضارة الحديثة إلّا بعد إشباع حاجاته الأوليّة، و لهذا سبقت الحضارةَ الصناعيّةَ، الحضارةُ الزراعيّةُ و التجاريّةُ في كلّ أنحاء العالم المتحضّر.
و إنّ كان البلوغ و العقل هما الشرطان الرئيسيّان اللتان تقودان للحرّيّة كقيمة أساسيّة و نهائيّة يستكمل بها الفرد كيانه النهائيّ اصطلاحيًّا و عمليًّا، فإنّ الحرّيّة الفردية
“Individual Liberties” للفرد، و لكلّ فرد على حدة، هي الشرط الرئيسيّ لتوالي الحرّيّات الإقتصاديّة و السياسيّة لمجموعة أفراد تجمعهم دولة واحدة، و من هذا المبدأ سوف نناقش حقوق الفرد الطبيعيّة “Natural Rights” المتمثّلة في حرّيّاته الفرديّة، و التي تنطبق على كلّ فرد بالغ و عاقل على حدة، بلا أدنى تمييز لأيّ سبب كان.

Free individual as the basic unit for a free society

 

     الفرد، و أسرته، هو وحدة المجتمع الرئيسيّة، و أصغر أقليّة في تركيب المجتمع التشريحيّ، و مجتمع ينبذ، أو يتجاهل، أو يميّز ضد أقليّاته هو مجتمع غير حرّ، و حتى إن بدى عكس ذلك.
نتيجة واحدة لما أسهبنا في ذكره الآن: أنّ باستكمال الفرد لاستقلاليّته الفسيولوجيّة، و من ثمّ العقليّة، و من ثمّ الماديّة، و من ثمّ الفكريّة، يصير فردًا حرًّا، و إن لم، فهو لم يزل عبدًا، و لم يرتقِ بعد لما ارتقاه أسلافه من غاية القيم و أسماها: الحرّيّة.

     الحقّ الرئيسيّ “Fundamental Right” لأيّ فرد هو حقّ الحياة “Right to Life”، و من ثمّ تملُّك ما ينتجه هذا الفرد خلال حياته من منتجات أو أفكار “Property Rights”، و لا شكّ بأنّ الحياة و المِلكيّة، الماديّة و الفكريّة، هما أساسان الحقوق الفرديّة جميعًا “Individual Rights” و اللتان تندرج تحتهما كلّ و أيّ حقّ آخر؛ لأنّ فرد لا يتحكّم في حياته، و لا يملك ما ينتجه هو عبد “Slave.”
أمّا الفرد الذي له حقّ التحكّم بحياته، و بممتلكاته هو الفرد الحرّ الذي نتطلّع إليه من خلال مقالاتنا هذه، و لتكن التزام الفرد بالحقوق الفرديّة هي حماية كافية له ضد كلّ الأفراد الأخرى.
أودّ أن أختم هذه المقدّمة بتعريف الحياة، هذه الحياة التي هي الحق الأوّل لكلّ فرد على حدة، فالحياة، بحسب الفيلسوفة الأمريكيّة آيان راند، هي عمليّة حفاظ ذاتيّ (قد تكون نفسها غريزة البقاء التي أشرنا عنها قبلذاك) و إستهلال ذاتي للأفعال*.

*الحرّيّة و المجتمع:

     المجتمع ليست هذه الهالة المقدّسة التي تضفيها لفظته بديهيًا، فهو اصطلاحيًّا مجموعة أفراد يعيشون في نفس الزمان و المكان، و هي بذلك لا تحمل بين طيّاتها أيّة أبعاد أخرى، غير توصيف لحال أفراد يتعايشون مع بعضهم الآخر، و الكلمة نسبيّة جدّ، فقد تصير، مع هذا، المدرسة مجتمعًا، و النادي مجتمعًا، و المصنع مجتمعًا، و المدينة مجتمعًا، و الدولة مجتمعًا، بل و مجازًا تطلق لفظة المجتمع الغربيّ أو المجتمع الدوليّ.
و المجتمع ككلمة لا تكفل، أو تمارس، في ذاتها أيّ تمييز سواء معنويّ أو ماديّ ضد الأقليّات، بل الفرد، و هي لا تنتج أو تقدّم أيّة منتجات أو خدمات، بل الفرد، و هي أيضًا لا تشكّل فكرًا و لا توجّهًا و لا ثقافة في ذاتها، بل الفرد – أي أنّها خاوية من أيّة معنى إلا ما يضفيه عليها الفرد بإرادته و توجّهه، و لذا فالمجتمع المتقدّم هو ليس إلّا أفراد منتجين، و المجتمع المتخلّف ليس إلّا أفراد خاملين.
و بالتالي فقد نستخدم اللفظة مجازًا للدلالة على مجموعة أفراد، و لكن بغير الإشارة إلى ثقافة مشتركة، أو مؤثّر واحد، أو محرّك جماعي، لأنّ كلّ فرد هو مصدر ثقافة نفسه، و هو المتحكّم في مدى استجابته للمؤثّرات من حوله، و لا سيّما في ظلّ هذه التقنيّات التكنولوجيّة الحديثة التي نحياها الآن و التي تسهّل على كلّ فرد التعرّض لمؤثرات لا حصر لها قد تختلف البتّة عن فرد مقابل يحيى في نفس المجتمع، بخلاف المجتمعات البدائيّة الذي كانت السيطرة فيها على الأفكار و المعتقدات شبه مركزيّة. بل و أنّ الفرد نفسه محرّك نفسه، نظرًا لغريزة البقاء عن طريق إشباع الحاجات التي تحرّك كلّ فرد حرّ.
أودّ عرض استنتاج مهمّ من هذا المقطع الأخير: حضارة العالم تتّجه في اتجاه مجتمعات فرديّة
“Individualist Societies” يكون فيها الفرد هو النواة الرئيسيّة للمجتمع، و حرًّا داخل مجاله الخاصّ**، و يمتلك فيها الفرد حياته و إنتاجه الماديّ و الفكريّ، أينما تتشكّل علاقاته مع الأفراد الآخرين عن طريق التبادل الحرّ المباشر “Voluntary Exchange”، برعاية قانون يساوي بين جميع الأفراد في حقوقهم الفرديّة، أو قد نطلق على هذا النوع من التبادل: التعاون عن طريق المنافسة و التبادل الإراديّ*** و التي ناقشناها في مقالات سابقة.

Individual liberties as the priors for further economicals and political freedoms

     الحرّيّة التي ترسم بانتظام حدود العلاقة بين الأفراد داخل مجتمع ما، بشقيّها الإيجابي الذي يكفل لكل فرد حرّيّة مطلقة داخل مجاله الخاص**، و السلبيّ الذي يحتّم على المؤمن بالحرّيّة احترام المجال الخاصّ للفرد المقابل. فمفهوم "أنا حرّ" له ثنائيّة دلاليّة؛ ففي المعنى القريب تنطبق المفهوم عليّ شخصيًّا، و في المعنى البعيد تنطبق على شخص مقابل لي تمامًا يردّد نفس الكلمة ضمن مجتمع حرّ يتداخل فيه الفرد باختياره الحرّ

“Voluntary Contract” مع أفراد آخرين، أو لا يتداخل، تمامًا كدوائر متداخلة “Overlapped Circles”، مركزها النفس “Self” و مجال تداخلها مع دوائر أخرى قد يكون لمصلحة مباشرة ماديّة أو معنويّة “Self Interest”، أو لأيّ سبب آخر تحت مسمّى أيّة قيمة نسبيّة بين الأفراد المتداخلين كالحبّ “Love” أو الصداقة “Friendship”، و أمّا عمق التداخل فهو نابع من إرادة كاملة من هؤلاء الأفراد المتداخلين “Free Will”

Voluntary contracts between the individuals within a free society
 

     و لتكن العلاقة بين الأفراد في مجتمع حرّ تكتمل بهذا المفهوم: "حرّيّتك في تحريك قبضة يديك تقف تمامًا عند حدودي****،" و هو المفهوم الواسع الذي سيشكّل فيما بعد طفرة هائلة المدى على السلوك الإنسانيّ، بل و تندرج تحته كافّة القيم الأخلاقيّة للفرد الحرّ “Virtue”.
فالحرّيّة المطلقة داخل مجاله الخاصّ**، هي نسبيّة جدّ عند تداخل هذا الفرد مع أفراد آخرين، بمعنى آخر؛ فأنت حرّ، أوّل ما تكون حرًّا، على نفسك، و من ثمّ على مالك أو ممتلكاتك الشخصيّة، و من ثمّ على إبداعك الفكريّ؛ فكونك حرًّا تعني أنّه في إمكانك الإنتحار، و لكن ليس في قتل فردًا آخرًا. و كونك حرًّأ تعني أنّه في إمكانك العمل بدون أجر طواعيةً، و لكن ليس في إجبار فرد آخر، أو استعباده، للعمل بدون أجر. و كونك حرًّا تعني أيضًا أنّه في إمكانك عرض إبداعك الفكريّ بلا حظر للنسخ أو النشر، و لكن ليس في سرقة عمل إبداعيّ آخر محفوظ
“Copyrighted.”
و الحرّيّة آنذاك تشمل حرّيّة الإعتقاد، التفكير، التعبير، أو الإعلان الجهريّ عن هذه الأفكار و المعتقدات، أو حتى في التبشير على مرأى و مسمع من المجتمع
“Preaching”، مادامت لم تصاحبها عنف أو قسر.
و قد نستلخص ممّا مضى أنّ المجتمع ليس الذي يمنعك من ممارسة القتل أو الإعتداء على ممتلكات الغير، و لكن حقّ الغير في الحياة و التملّك هما اللذان يمنعانك. فحرّيّة أيّ فرد، و كلّ الأفراد مجتمعين، غير مصونة في مجتمع يتمّ الإعتداء فيه على حرّيّة فرد واحد، أو كلّ الأفراد مجتمعين. و على الفرد احترام حقّ الآخر في الحرّيّة إذا أراد أن يحيا هو نفسه بحرّيّة.
إذن، فالحرّيّة التي تكفل هذا النوع من الرقيّ في التعامل الإنسانيّ بدون عنف و لا قسر، هي الحرّيّة التي تشعر معها أنّك فردًا و ليس عبدًا، و أنّك المتحكّم الأوّل في مصيرك بإرادتك الحرّة
و ليس طرفًا خفيًّا آخرًا.

 

*Life is a process of self-sustaining and self-generated action
Ayn Rand, The Virtue of Selfishness, Man’s Rights, Page 93, Ayn Rand® Institute (ARI); http://aynrandlexicon.com/ 

**Within your sphere of your own rights, your freedom is absolute
Ayn Rand, The Ayn Rand Collection, Textbook of Americanism, page 85, Ayn Rand® Institute (ARI); http://aynrandlexicon.com/

***Cooperation throughout competition and voluntary exchange

****Your freedom to move your fist is limited to the proximity of my own chin

                                                                                                            أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في اقتصاد سياسي. حفظ الرابط الثابت.

5 Responses to الحرّيّات الفرديّة 1

  1. fofa كتب:

    THIS IS REALLY WONDERFULL, THANK YOU SO MUCH INDEED

  2. Ahmed كتب:

    Thanks Fofa! :- )

  3. Ahmed كتب:

    Hey.. It is your right (as a natural right) to say what you think .. but i disagree with you .. First, you said that your life is yours, so you can easily suicide !! i think it is wrong, as your life is not yours .. it is owned by your God_as you are his slave_ that gave it to you& ordered you NoT to even harm yourself . second, you said that individual liberty could be absolute .. it couldn\’t be .. there will be always limits .. as you know.

  4. Ahmed كتب:

    Thanks 3iad for your visit and comment.Liberty and Religion is a subject that we\’ll tackle in the 2nd part of the article!Just warm up man, and have an open, objective, and free mind.Enjoy the vac.!:- )

  5. Mahmoud كتب:

    بسم الله الرحمن الرحيم : (أفرئيت من اتخذ الهه هواه و أضله الله على علم و ختم على سمعه و قلبه و جعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون. و قالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا و ما يهلكنا إلا الدهر و ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون. و إذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بابائنا إن كنتم صادقين. قل الله يحيكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه و لكن أكثر الناس لا يعلمون.) صدق الله العظيم

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s