في رحاب جون لينون


في رفقة الأصدقاء

التهمت فطوري في مطعم قريب، ثمّ خرجت على عجل. مددت أصابعي الباردة أثناء مسيري إلى محفظتي، التقطت الطابع، وضعته تحت لساني، أغمضت عينيّ لبرهة، واستهليت عملية الامتصاص.

هممت بدخول القهوة العتيقة، ارتكنت بين حوائطها الصفراء الباهتة، وجعلت أغزل ما حولي من مشاهد بنَول سريالي على ورق كرّاستي بنفَس واحد لا يتوقّف بلا شطب أو تعديل، ولكن غالبًا ما يُعدّل هذا كلّه في اللحظة الأخيرة ليتمّ نشر قصيدة مغايرة تمامًا، و بعيدة كلّ البعد، عن ما استُهلّ؛ و هذا لأنّ الورق الناصع سرعان ما يوجّه كاتبه لخطّ أيّ شئ آخر غير الذي نواه، وليتني أدعو هذه العبثية إلهام الورق الأبيض أو الإغواء الأخير للكاتب، فغالبًا ما ينشر الكتّاب نسخة معدّلة، بل و مختلفة كليًا عن مسودّاتهم الأولى. لا يهمّ كثيرًا ما كتبته مقدمًا في ذلك اليوم، لأنه لم يكن سوى لقتل الوقت حتى يحين موعد انطلاق الرحلة برفقة صديقي المُنتظر.

لاح أخيرًا بشعره الكثيف ونظارته المعهودة من خلف زجاج القهوة المكسور، و المستعاض عنه بكرتون بنّي في نفس عمر المكان تقريبًا، دخل في مشيته البطيئة، لم يكترث به أحد و لم يرحّب به إلّاي، خلع معطفه و سند جيتاره الأحمر اللامع على الحائط، وهوى على كرسي خشبيّ بجانبي.

لم نتكلّم كثيرًا حتى وصول زجاجتي هاينِكن، حيث ابتلع هو طابعًا ملوّنًا في إثر طعم الشعير المثلّج.

استهلّ هو الحديث حول “بيرة الصباح،” زجاجة البيرة التي، على حدّ قوله، لم يفارقها صباحًا واحدًا منذ ثمانية وعشرين عامًا. شربنا في نخب الموسيقى والكلمات و الفتياتالجميلات، واللائي اختفى معظمهنّ من ظهيرة القاهرة الغائمة هذه، إمّا بداعي العمل أو الدراسة، أو بعد ليلة طويلة من ليل العاصمة، أو استعدادًا لليلة جديدة على الأرجح.

شربنا و انطلقنا، وليتني أطلق على هذه اللحظات “نشوة بيرة الصباح” بحسْب صديقي چون. عجبته سحب القاهرة الكثيفة ونهارها التي تزيّنه شمس خجولة تبعث على الدفء والإلهام. النهار الذي كان بالنسبة لساكن قاهريّ، مثلي، من أحسن النُهُر التي رآها في القاهرة على الإطلاق، بيْد أنّه تعجّب كثيرًا، على الجانب الآخر، لمشهد محتجبات كُثر يعجّ بهنّ ميدان الفلكي، و لذا فضّل الاكتفاء بمشاهدة السماء فضلًا عن النظر المباشر في عيون القاهريين طوال الرحلة القصيرة.

كنت أستمع إلى إليانور ريجبي بينما نتجه غربًا في اتّجاه شارع عبد السلام عارف. كنّا مستلبي العقل غير مكترثين، ورأيته، في هذه الأثناء، يضحك بلا سبب جليّ، و عندما سألته، أخبرني الرجل الغامض أنّه يضحك من مشهد هؤلاء المارّة الوحيدين الذين يكتنفهم حزن عميق، ومع هذا يهرع كلّ منهم لقضاء حاجته داخل حدود شرنقة عالمه النسبيّ الضئيل جدًا مقارنة بعوالم الآخرين؛ فهناك من هم ذاهبون لأعمالهم، وآخريات لاقتياد أبنائهنّ من المدارس، وهناك العائدون، وآخريات يتبضّعن، وآخرون للّحاق بمباريات الدوري، وآخرون لا شاغل لهم سوى الحملقة في المارة، و آخرون، مثلنا، بلا هدف محدد، و في حين أنّ كثافة الأفراد ضخمة جدًا مقارنة بالشارع الذي يستوعبهم بصعوبة بالغة، إلّا أنّ كلّ منهم يعاني، سواء اعترف بذلك أو لا، من مرض الوحدة المزمن.

إنّ المارّة يمشون في لااتّجاه حقًّا، و لا يعبئ أحدهم بالعالم الخاصّ بالشخص المجاور، فهذا أو تلك يعتقد أنّه هو، ذاته، مركز الكون، و أنّ مشاكله وهمومه ونزواته العاطفيّة كُتبت على العالم أجمع ليشهدها و يشهد عليها. دقيقتان انفصلت فيهما عن العالم الخارجيّ تمامًا كأنّي أصمّ، أشاهد حركات بطيئة بلا صوت، أفكّر في عالمي الخاصّ، بلا أدنى ربط واقعيّ بما حولي، حتى لم أكد أسمع ما قاله صديقي الإنجليزيّ في هاتين الدقيقتين. إنّه صمت حادّ أشبه بساعة حائطيّة توقّفت عن الدقّ بعد انتفاضة حبّ أخيرة جامجة.

لأنّ السماء زرقاء، فهي تبعث على البكاء… استفزّتني ملاحظة چون لاستنتاج عدّة ملاحظات أخرى متّصلة حول عبثية ما نعيشه من حياة يومية، فنحن نستلذّ بها ونستنفذ الفراغ التي تكونه، بحيث ننصّب آلهة ونضع أهدافًا ونناضل في سبيل قضايا وهميّة؛ كلّ هذا لنسم عبثيّتها الشديدة بسِمة قيمةٍ ما، أيّ قيمة، في محاولة أخيرة منّا لترقيع ثوبها العبثيّ بوضع أهداف أكثر عبثيّة وجدليّة وهزليّة، فخلال رحلتنا الهمجيّة، دائمًا ما ننسى المنشأ العبثيّ، فيستغرقنا الوهم حتى نخال أنّ ما نعيشه هو الحقيقة وليس الوهم، وقد نغالي في إظهار تعاطفنا مع وهمًا إنسانيًّا آخرًا فقط لكسب تعاطفًا جماهيريًا مع وهمنا الشخصيّ، أو حتى في الدفاع ببسالة، شديدة الشبه بالكوميديا السوداء، عن وهمنا الأوّليّ بكلّ ما أوتينا من قوّة، حتى نكاد ندهس وهم آخرين في سبيل الوصول لوهمنا أوّلًا، تمامًا مثلما كلّ شئ يعبده الإنسان، فهو يمجّده بحيث يصبح من الضخامة المهولة التي يصعب معها نفيه، بل وتستحيل أيّ محاولة إنسانية آخر في اجترار الواقع المؤلم إلى انشقاق بيّن عن الوهم الجماعيّ المحتوم، فيبدأ الإنسان تدريجيًا في نسيان أنّه هو نفسه المسؤول عن هذه الهالة، فهو يضخّم الوهم ثمّ ينسى، بين ما ينسى، إعادته لهيئته الأصيلة، يؤلهه ثمّ ينسى أنّه من صنع يده، يؤطره ثمّ ينسى أنّه هو صاحب الخزف. وهلمّ جرّا، هلمّ جرّا، هلمّ جرّا… ضمن سلسلة مكررات سرديّة ضخمة تبحث عن اختلاف الدلالة.

كلّ منّا يفكّر في اتّجاه أوحد يربطه بالمستقبل، غير مكترثًا حقًّا بما مضى، ولا بما يوازيه من خيالات مشوّشة لأفراد مماثلين له في الأحلام والطموحات، ولا بما هو آت. وأكاد أجزم أنّ أيّ تفكير تحليليّ بسيط في أيّ من الثلاث اتّجاهات كفيل بتقدير كميّة العبث المناسبة التي نعيشها. إنّ تاريخ كلّ منّا أشبه بمن يحتذي طريقًا غائمةً كثيفة الغيوم، طريق تسمح لك بإدراك ما تحت عينيك فقط وليس المستقبل البعيد، وكلّ فرد حولنا يحتذي ذات الطريق النسبيّة بدوره، التي تسمّى العالم، في غيمته الخاصّة.

إن النظر للوراء – إلى الماضي – يسمح لنا، نحن الذين نمثّل الحاضر، برؤية الطريق ممهّدةً مع استحالة تغييرها، فيصبح الحكم على شخصيّات الماضي جائرًا بل أخرق ولا شكّ؛ لأنّنا نحكم عليهم من خلال منظورنا الجليّ الواضح وليس من خلال منظور ما كانوا يواجهوه هم، أنفسهم، وقتذاك وسط غيماتهم الخاصّة.

ليتنا ننطر من زاوية أعلى الآن بعد رسم طريق خياليّة يتّصل فيها ما حدث بما هو قادم من أحداث، ولنفترض أنّ أيّ منا ترك إرثًا قد تتذكّره، من خلاله، الأجيال القادمة. الآن ماذا بعد؟! سيظلّ ذكراه نصف كاملة في الجيل الأوّل ثم ربع كاملة في الجيل التالي، أو حتى خالدة لمئات أو آلاف السنين، وهكذا دواليك حتى يُحال لنقطة نافقة على درب التاريخ الشاسع، نقطة ضئيلة يدوسها كلّ جيل متتابع، و ينساها، ويخفّفها حتى تختفي ولا تعد لذكراها أيّ مجال ذكر مناسب. هذا الحال بالنسبة لمن ترك إرثًا خلفه، فما الحال بالنسبة للغالبيّة العظمى من الذين لم يتركوا إلّا اسمًا سيُمحى بالتأكيد عند أول جادة ينحرف إليها من عبد السلام عارف. السؤال الأكثر إلحاحًا الآن: ماذا نصنع نحن هنا إذا كان التاريخ الإنسانيّ يتراكم بهذه العبثيّة الساحقة، ماذا نفعل ولمن؟! سؤال لاذع ومؤلم وجدليّ وعبثيّ في آن.

فكّرت في كلمات أغنيّته الثوريّة تخيّل، و كيف أنّ أفكار لينون الفوضويّة الداعية للحبّ و السلام في أغنيّة تحمل بين طيّاتها أقلّ من خمسين كلمة توازي، في ثقل فلسفتها، كتبًا و مذاهبًا عدّة. و كما قال لينون، فهو ليس الوحيد الذي يحلم بعالم خالٍ من وساوس الجنّة والنار والدين والدولة، و لكنّه الوحيد الذي عبّر بكفاءة مزرية عن هذا العالم الذي رأيته لتوّي، وارتآه هو قبلي، إبان تنقّلي بين الشوارع وعيون الناس بصحبة مبدع في حجم چون لينون.

كنّا نتّجه في اتّجاه ميدان التحرير إبان لازمة أغنيّة هاي چود… حدّثني چون عن ابنه چوليان من زواجه الأوّل بسينثيا، وأخبرني كيف ساعدت هذه الأغنيّة چوليان على التخلّص من الآثار السلبيّة لانفصالهما. ولكني سرعان ما فقدت كلماته ثانيًا، و سرحت في اللاوجود، وظللت محملق له، أسمع كلامه مشوّشًا، و لكن عقلي في مكان آخر تمامًا. كيف تكون الحياة هي مكان آخر هكذا؟!

صور متتابعة لديچا-ڤو لم تسبق لها الصيرورة أبدًا، ارتجاعات عقليّة في صورة ومضات خاطفة، أو فلاشات محضة أبيض في أسود لحياة موازية تحيا بها نيرڤانا، لا أسأل ماذا لو؟! ولكنّي أتحدّث عن تجربة حقيقية في عالم موازي، حيث يبرز حال نيرڤانا من حال چوليان تمامًا، لدرجة أنه قد تسعهما أغنيّة هاي چود معًا، و لكن الفرق الوحيد أنّ چوليان من أب وأم أنجباها ثم افترقا، بينما نيرڤانا لم تولد إلّا في هذا العالم الموازي، فقد افترق والداها حتى قبل تكوّنها الأوّل في عقليهما المجرّدين. هنيئًا لها! فهي لم تضطّرب بعبثيّة هذا العالم الوهميّ الذي نكونه الآن، آمِلًا أن يكون العالم الموازي أكثر اتّزانًا. أقبض على زمامي متلبسًا بتبديل كلمات اللحن لاشعوريًا لهاي نيرڤانا!

لم أستفق من غيبوبتي، و لم ينتهِ هو من حديثه، الذي لم ألتقط منه الكثير، إلّا عندما هممنا بقطع ميدان التحرير في اتّجاه كوبري قصر النيل، وسط ضوضاء السيارات والباعة والناس، تحت السماء المضطّربة كمانا تمامًا. خطوت خلف چون على علامات المشاه البيضاء تمامًا مثل غلاف ألبوم آبي رود الشهير. ابتسمنا، ولوّحت لنا شابّة أنيقة من خلف الزجاج الأمامي لسيّارة بيتلز زهريّة اللون كانت تقف في الإشارة منتظرة انفراجة ضيّقة علّها تخترق نحو عالمها الخاصّ المتقاطع مع عالمنا في هذه اللحظة بالتحديد.

مدخل أغنيّة الأمس تقتلني بمعدّل خمسين مرّة في الثانية… هنالك عبء يلقي بظلاله عليّ، الأمس جاء فجأة، لماذا هي اختفت؟! لا أعلم! هي لن تقول شيئًا! هنالك شئ خطأ على الأرجح، أوّاه كم أشتاق للأمس!

الأمس مسجّلة في موسوعة چينِس لوصفها أكثر أغنيّة في تاريخ الموسيقى العالميّة قد أعيد إنتاجها و غنائها في نسخات أخرى لفنّانين آخرين، حتى وصلت إلى ثلاثة آلاف نسخة. إنّها تعبّر عن نوستالچا الماضي القريب التي تصيب كلّ منّا بعد ليلة رائعة من السمر، أو تجربة شيّقة من السفر، أو حتى موعد مع عشيقة حول طاولة من الورود والعشاء الشهي والخمر المفضّل، أو هي نفس نوستالچا الماضي البعيد التي تصيب الحالمين منّا بالشوق المجهول للعودة للعصر الڤكتوري، أو ستينات الهيپيز، أو ثلاثينات القاهرة. إنها نوستالچا في كلا الحالتين مع اختلاف مسافة الزمن الذي يكتنفه الحنين، بل الهوس في بعض الأحيان.

نوستالچا الأمس مختلفة نوعًا ما؛ إنّ الزمن لم يكن إلّا الأسبوع الماضي، و الحنين المنشود إزاء امرأة موجودة، وليست شبحًا أو ميتًا. هي من نوع فريد إلى حدّ ما، فهي نوستالچا لماضي كانته امرأة لم تعد الآن كما كانت، هي ذكرى بكلّ ما تحمله المعنى من تجريد، والذكرى ليست هنا إثبات على تاريخيّة الحدث وآلام الفراق، بقدر ما هو حنين لحبّ عنيف تحوّل بالولادة قيصريّة إلى ذاكرة التاريخ. نوستالچا الأمس لمّا كانت معي وبين ضلوعي، تمامًا مثلما نوستالچا بيتلز لأمس الأغنيّة، كما أتبعوها بأغانٍ عظيمة أخرى تبرز نوستالچا بيتلز للماضي وتلهم الحائرين، من أمثالي، و تنير طرقهم الوعرة، مثلما حدائق الفراولة الخالدة وممر پيني.

عرجنا يسارًا على رصيف كورنيش النيل المديد، و تحدّثنا عن التماهي مع النفس، وعن مدّة الوقت المسموح به لإنسانٍ ما للتماهى مع نفسه مع احتفاظه باتّزانه المنشود.

حكى لي الرجل الرشيق عن تاريخ موسيقى الرّوك، وقال لي عنها أنها على الأرجح موسيقى “غير مُدَندَنة،” و قبل أن أسأله عن مقصده، فصّل إجماله بأنّ الروك لا يُدندنها المرء منّا عادةً في بيته منفردًا، و لكنّها موسيقى يصل الاستمتاع بها مداه كلّما تماهى المستمع بالمغنّي – التماهي الذي قد يبلغ عند بعض لحظات الصوفيّة الموسيقيّة إلى الاتّحاد، سواء على المسرح أو من خلال اسطوانة مسجّلة لمطرب فارق العالم الماضي منذ ثلاثة عقود. وهنا بالتحديد نشأ ضرب جديد من المعجبين، مع انتشار الرّوك على نطاق واسع في القرن الماضي، أو لندعوهم ضرب جديد من المهووسين بنجوم الرّوك. إنه هو الهوس الفتّاك الذي قد ينشب لحدّ قتل المعجَب لنجمه المفضّل. إنّهم يجبّونهم حبًّا جمًّا، و ما القتل إلا لأنّ هؤلاء المهووسين قد اكتشفوا عن طريق المصادفة، من شدّة التماهي مع المعجَب به، أنّ هناك أحدًا قد قام بتعرية آماله وأسراره وآلامه، وكشفها على الملأ – أحدهم قد سبب فضيحة مدوّية له على الأرجح. وبعض المعجبين لا يتحمّلون هذا التشهير الفاضح، فيكون الحلّ الوحيد المتاح أمامهم حينذاك، بعدما أعمتهم ستائر الكشف المبين عن مسرح الحقائق، هو قتل هذا الذي فضحهم، حتى لو كان معبودهم المفضّل، تمامًا مثلما يقرأ أحدنا رواية ما، ويتماهى مع المؤلّف لدرجة الجزم بأنّه رأى نفسه لتوّها في طفولة البطل أو مراهقة البطلة، وأنّه يمثله شخصيًا بلا مواربة. إنّها مرحلة من مراحل التماهي حتى التعرّي، أو تواطؤ التفاصيل.

أنت لم تعطني أموالك البتّة، فقط أعطيتني أوراقك المرِحة، و في أثناء المفاوضات، علّقت كلّ شئ!

أخبرني الرجل، ذو الشعر الفوضويّ، مثلما كلّ شئ يؤمن به عن إلحاده الجادّ، الإلحاد بوصفه الملاذ إلى النفس، فهو لا يؤمن إلّا بنفسه و يوكو، على حدّ تعبيره في أغنيّته الشهيرة الإله، الأغنيّة التي أحدثت جدلًا واسع المدى عند صدورها عام 1970، بل لا يكاد يؤمن حتى ببيتلز، أو أيّ آخر قد يعطّل تماهيه المطلق مع ذاته تحت غطاء السلام النفسيّ الهائل الذي بلغه بفضل الاتحاد الجسديّ بيوكو والروحيّ بالموسيقى، ومن ثمّ قادنا الحديث إلى “طفح يوكو الإبداعي” كما أطلق عليه، ثمّ تحدّثنا حول هولدن كولفيلد، و تيموثي ليري و أغنية تعالوا معًا التي غنّاها مع بيتلز في العام 1969، حيث قال لي حرفيًّا، “شئ واحد أودّ أن أقوله لك: كن حرًّا!”

حدّثني أيضًا پارانويا حول پول مكارتني “العنيد”، بحسب وصفه، و كانت المرّة الأولى والأخيرة التي تحدّث فيها عنه أثناء رحلتنا معًا، و قال “تخيّل أنّه اتّهم شركة هاينِكن العالميّة لصناعة البيرة بالاعتداء على المِلكيّة الفكريّة لبيتلز، وبالتحديد على ملكيّة اسم أغنيّة تعالوا معًا، عندما استخدموا شعارهم الأبيض الشهير ذات الخلفيّة الخضراء عظماء معًا، حيث يؤكّد في محض ادعائه أنّ الشركة الهولنديّة الأصل استخدمت شهرة اسم أغنية بيتلز لأغراض تجاريّة، مع عدم الرجوع لبيتلز، فقامت بتغيير طفيف لاسم الأغنيّة مع إعطاء الإيحاء بها للقارئ.” جدير بالذكر أن كُلًا من چون لينون ورينجو ستار رفضا التوقيع على الادّعاء، بل ساندا حق هاينكن التامّ لبُعد الاسم تمامًا عن “تخاريف مكارتني” كما وصفها لينون.

حدّثني حول تدخينه للحشيش بصحبة بوب ديلان عام 1964 في نيويورك، و أشياء أخرى مثل محاولاته، بمشاركة يوكو، الرامية للسلام في العالم بواسطة نشر الجنس كوسيلة للتأمّل العميق.

أريدك! أريدك بشدّة! هذا يبعثني على الجنون… سمعنا صوت نسويّ يصرخ بهذه الكلمات أثناء عبورنا أمام فندق شهير مطلّ على الكورنيش، ولم تكد ثوانٍ حتى انطلقت نحونا في إثره فتاة ياپانيّة من وسط فوجها السياحيّ الكبير، و قبّلت جون من فمه قبلة طويلة وحارّة، و طلبت منه أن يوقّع لها على ظهرها التي كشفته وعلى صدر قميصها الأبيض القصير، و قد كان. ومن ثمّ قبّلته مرّة أخرى ببراءة، ثمّ طلبت منّي أن ألتقط لها صورة تذكاريّة مع نجمها المفضّل، متجاهلة تنبيهاته المتكررة لها بأنّه لن يظهر في الصورة بعد تحميضها.

كررت له في وداعها المحفوف بالدموع،  “أريدك! أريدك بشدّة! هذا يبعثني على الجنون،” و أخبرني صديقي، الذي في ضمّها الحنون إلى صدره ذكّرني وكأنّ أحدهم يعانق شخصًا افتقده كثيرًا ولم يره منذ سنين بعيدة، أنّ تعرّض لموقف مشابه لهذا في طوكيو عام 1966 أمام الفندق الذي أقام فيه بيتلز لبضعة أيام بوسط العاصمة، حيث اخترقت فتاة، تحمل نفس المواصفات تقريبًا، حشد الصحفيين وأعضاء الفريق، و طلبت من چورچ هاريسون وقتها تصويرها بصحبة لينون، و لعلّها هي من ألهمت لينون بعد ذلك بفترة ليست بالقليلة لتأليف أغنيّة بيتلز الشهيرة أريدك بشدّة (إنّها ثقيلة جدًا)، الأغنية التي تبلغ ذروتها بعزف لينون منفردًا لمدة ثلاث دقائق، وهو العزف المرتجل الذي لم يكن متّفقًا عليه قبل عزم الفريق تسجيل في أغسطس 1969. أمّا العزف المستلهم، والذي استغرق فيه لينون لحدّ التجلّي وبسببه طالت الأغنيّة لأكثر من سبع دقائق و نصف، لم يكن إلّا بسبب فقدانه للتركيز أثناء تسجيله بمصاحبة الفريق في ستوديوهات آبي رود 1966؛ ولمّا تخيّل چون صورًا لحظيّةً ذات أبعاد حقيقيّة تتابع أمام عينيه، كومضات سينمائية لحظية، لممارسة الحبّ مع هذه الفتاة اليابانيّة في هذه الليلة البعيدة من نهاية العقد السابع من القرن الأخير، لم يسعه هو إلّا إعادة إنتاجها موسيقيًا بعزفه المنفرد والمتواصل لنفس النوطة الرئيسيّة مرّات ومرّات مكررة حتى النهاية. لقد كان في مكان آخر، وليس في آبي رود، أو لنقل أنّه كان في آبي رود ولم يكن هناك في الآن ذاته، فقد كان يستبطن ما يعيشه عقله في طوكيو بخاصيّة فريدة، ويعيد إنتاجه إلى موسيقى في آبي رود، فهو، كما يشير، كان يعزف في آبي رود مرتجلًا بينما منغمسًا في انتشاء جنسانيّ كهذه الليلة التي ارتبط ذكراها بأفضل ليلة مارس فيها الرجل، ذو الموسيقى العبقريّة، الحبّ في حياته جمعاء، و كأنّ هذه الليلة قد وسمت حياته كلّها بميسم المتعة الحسيّة الخالدة. وقد جعل يعيد النوطة حتى ارتقائه لنشوة الأورجازم العقليّة الكاملة، اللحظة التي تشبه في قصرها لحظة توهج المغنسيوم، ولكنّها تُدرَك بعد جهد حثيث ومثابر لبلوغ قمّة الجبل الشاهق. وقتذاك توقّف ليجد أفراد الفريق والمنتج مندهشين من دفق تعبيريّة المقطع الجديد التي أُضيف على الأغنيّة الأصيلة لتوّه، و الذي جعلها من أطول أغاني بيتلز على الإطلاق، وأقصر كلمات، حيث لم تحتوي سوى على أربعة عشر كلمة فقط، وآخر أغنية سجّلها أعضاء الفريق جميعًا قبل الانفصال النهائي في أوائل العقد الثامن، تحديدًا في عام 1970.

لقد رأى هذه الفتاة اليابانيّة مرّة أخرى بمعرضها الفنّي بلندن؛ لأنّ هذه الفتاة لم تكن إلّا يوكو أونو نفسها.

عرجنا يمينًا على كوبري قصر العيني في اتّجاه كليّة الطبّ والمستشفى القديم، كان الجو بديعًا للغاية، و لم يستطع هو مقاومة النسمات والغيمات والخلاء التامّ المسيطر على الأنحاء، فما كان إلا أنه قبَس جيتاره بالهواء، واستهل الغناء بغتةً:

الحبّ، الحبّ، الحبّ،

لا يوجد ثمّة ما تريد فعله لا يمكن فعله،
و لا يوجد ثمّة ما تريد غنائه لا يمكن غنائه،
لا يوجد ثمّة ما تستطيع أن تقول، و لكن بإمكانك أن تتعلّم كيف تلعب.
الأمر هيّن.

لا يوجد ثمّة ما تريد صنعه لا يمكن صنعه،
و لا يوجد ثمّة أحد تريد إنقاذه لا يمكن إنقاذه،
لا يوجد ثمّة ما تستطيع أن تفعل، و لكن بإمكانك أن تتعلّم كيف تكون نفسك في الوقت المناسب.
الأمر هيّن.

كلّ ما تحتاج إليه هو الحبّ،
الحبّ هو كلّ ما تحتاج إليه.

صفّقت… هللت… أحدثت صفيرًا و جلبةً وصراخًا… وحدي. وما أن انتهى حتى التقطنا خيوط الحديث، بعد أدائه المذهل على كوبري قصر العيني، عن الانتحار، تحدّثنا حول الإنتحار بوصفه الطريقة الأزلية السامية للتماهي مع النفس، وفي كونه محاولة أخيرة لفرض هيمنة الحرّيّة الفرديّة والتحكّم الإرادي في اختيار الإنسان الفوضويّ في الهجرة لعالم أكثر فوضويّة، وليكن هذا الإنسان هو سيّد قراره الأخير: الفناء.

مرقنا من خلال البوّابة الرئيسيّة، توقّفنا يسارًا بعدها بحوال عشرين مترًا تحت ظلّ شجرة معمِّرة. حيّاني بابتسامة مُلغزة، وقد اختلجني وقتذاك إحساس مناوئ لما هو نفسي، ثمّ انسلت كطيف في اتّجاه قسم التشريح المجاور لإحدى بوابات الكلية الرئيسيّة الضخمة، ارتقى درجات السلّم التسع في سلاسة عجيبة، ومن ثمّ اختفى داخل قاعة القسم الكبيرة المظلمة.

أحمد زيدان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

8 Responses to في رحاب جون لينون

  1. Maged كتب:

    يا أخي قلبت علينا الذكريات الجميله والموجعة علي السواءتحياتي وتقديري لك ولكل من يفهم هؤلاء العظماء الأربعةALL WE NEED IS LOVE

  2. Ahmed كتب:

    أشكرك دكتور ماجد فرج على المرور و التعليق… أقدّر تمامًا تعليق عاشق قديم لبيتلز…تحيّاتي و موّدتي…Keep it Beatles!

  3. Muhammad كتب:

    its so beautiful one, i like the quantum of information, i really enjoyed it, u r brilliant Sir Zidan 😉

  4. Ahmed كتب:

    Thanks my friend Taymour.عود أحمدٍ يا صديقي.

  5. Wael كتب:

    Excellent piece!John Lennon. Surely. Good to meet that wandering soul again. After all those years.Your talent is soaring, Ahmed.

  6. Ahmed كتب:

    Thanks Wael,I really appreciate your comment. : )

  7. kooty كتب:

    Whenever I read your articles, I feel like I am flying high in nowhere, where a lot of vague, yet interesting ideas stimulate my mind to think. Well-done, Ahmad!

  8. Ahmed كتب:

    Thanks Kooty for your wonderful comments.I appreciate your visits, and I want to read your opinion always. ; )Have a nice day!

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s