في الفكر البرجوازيّ 1

     التاريخ الإنسانيّ لا يختلف كثيرًا عن التاريخ الموثّق، فكلاهما يتوطّد كلّما يتقدّم، فالمؤرّخون إذ يختلفون حول حياة الشاعر الإغريقي هومر في فارق غير معلوم أكثر من 400 سنة، بل و الأدهى أنّ لا أحد يستطيع الجزم بأنّ الأوديسّى هي من نتاجه، نقف اليوم نحن على حافّة الشاطئ الآخر تمامًا بحيث لدينا ما يوثّق بوم وفاة رونالد ريجان بالتحديد، بل بالساعة و الدقيقة.
إنّنا نحيا في زمن هو من توطيد التوثيق بحيث لا لحظة تكاد تنفكّ من قلادة الزمن الممتدّة، إلّا و تتأرشف بفعل التقنيّات الحديثة مؤرَّخة، بل و مسجّلة بالصوت و الصورة لإعادتها مرّة أخرى وقتما يشاء الإنسان، و كأنّنا نعيش الحاضر و الماضي متوازيَين.
و بقدر ما تُحرّر، هذه التقنيات، الإنسان تدريجيًا من عبئ تحمّل عناء التذكّر في الوقت الذي تجرّد فيه التاريخ من الأهواء، تضع عليه عبئ مناوئ و مساوي من الموضوعيّة.
عبئ الموضوعيّة على العقلاء يوازي عبئ الفردانيّة على الضعفاء، فالعاقل يدرك أنّ أهوائه و مصالحه تتدخّل في اختياراته و لا شكّ، كما يدرك الضعيف أنّ تجريد العلم للعالم من أقمشة خرافات الماضي يؤلمه، سبيله في ذلك كسبيل من لا يزال يصارع الغرق من على حصيره الهشّ، بينما العقلاء من حوله على سفنهم المرفّهة و المتينة يبحرون، لعلّه يستطيع التنقّل لسفينة حربيّة بمفرده كما فعل هؤلاء، و لكن لأسباب ضعفه و جبنه و تعلّقه بخرافة الأوّلين سيموت هكذا ضعيفًا، أو تدهسه سفينة فيموت صريعًا، و لا عزاء اليوم للضعفاء!
إنّ العلم يتقدّم مع الزمن ليكشف النقاب عمّا لا يزال مختبئ، فيرقّع ثوب المعرفة الزاهية ألوانها، و إن كان ثمّة سببًا لانتشار الخرافة و الجهل في الأوّلين نظرًَا لحجم فجوات الثوب وقتذاك، فلا أدنى مبرر الآن، و قد تكشّفت حقائق كثيرة و بانت، و أصبحت الثوب لا تدركها إلّا بعض الرقع البسيطة، و التي أثق أنّها في طريقها للترقيع عمّا قريب.
و إن قصدت هنا الفجوات التي خلّفتها تساؤلات الأديان الواسعة التي التمسها عقل الإنسان المتفلسف، فإنّي لا أقصد بالرقع إلّا الثغرات البسيطة التي خلّفتها تعافب النظريات العلميّة المكمّلة لبعضها الآخر، أو اللاغية حديثها لقديمها، و التي تَعقَّبها عقل الإنسان الموضوعيّ بعد تفنيده للفجوات الكبرى.
ليتنا نؤمن بخلاص العلم! فلا سبيل لنا إلّا إليه، فهو هادي العقول الحائرة. و إن كنت في اجتهادي السابق قد وضعت الفلسفة قبل العلم، فهو ليس تقليلًا من شأنها بقدر توصيفها بالمشعل الكهربيّ الذي يعقب ضوءه التلسكوبيّ المسح الشامل بالعلم.

     إن كان كتاب في أصل الأنواع لـتشارلز داروين الذي يبحث في التطور البيولوجي للإنسان هو من الكتب التاريخيّة ذائعة الصيت؛ لتأثيره على فكر و فلسلفة و علم البشريّة حتى اليوم، فإنّ حلقات قناة البي.بي.سي البريطانيّة الوثائقيّة التي حملت اسم ارتقاء الإنسان في سبعينات القرن الماضي لـبروفسور جاكوب برونوفسكي عالم الرياضيّات و الأنثروبولوجيا البريطانيّ، و التي جُمعت بعد ذاك في كتاب هو من الكتب الهامّة أيضًا التي بحثت في مراحل التطور الحضاريّ للإنسان.
نظريّة التطوّر يعيد النشوء
“Ontogeny recapitulates phylogeny” أو ما يعرف باسم قانون ميكيل و سوريه، تقول أنّ تطور الجنين الحيّ للإنسان يعيد مراحل تطوره البيولوجيّة بداية من الخليّة الواحدة “Monocellular Organism”، وصولًا للإنسان، و مرورًا بمراحل التطوّر كما شرحها داروين، و من بعد يأتي عالم الحيوان الألمانيّ إرنست هَيكيل بعد أربعين عامًا تقريبًا، و تحديدًا عام 1866، ليرسم خريطة توضيحيّة لـقانون ميكيل و سوريه، لتحظى النظريّة بقبول عام في الأوساط العلميّة وقتها.
أعتقد في جواز هذه النظريّة بشكل أو بآخر، و لكنّي، مثلما يؤكد معظم علماء الأحياء اليوم، أرى أنّها لا تتبع بالضرورة ما رسمه هَيكيل، فقد تختلف بنِسب و أشكال متفاوتة بين كلّ فرد و آخر، خاصّة و أن الأجداد مرّوا بتجارب مختلفة، ستجعل التطوّر مختلفًا نسبيًّا بين جنين و آخر، و لكنّه سيظلّ يتبع الخطوط العريضة التي تحدّث عنها كلّ من ميكيل و سوريه، فالنظريّة جائزة، بل و منطقيّة تمامًا.

                        رسم هَيكيل الذي يوضّح قانون ميكيل و سوريه

و لا يوجد أشمل ممّا ذكره الفيلسوف الإنجليزيّ العظيم هيربرت سبنسر، صاحب تعريف البقاء للأقوى Survival of the Fittest و القوّة هنا تشمل الأهليّة العقليّة و القوة البدنيّة الملائميّة البيئيّة جميعًا، بخصوص قانون ميكيل و سوريه؛
"لو كان هناك ثمّة ترتيب لما جناه العنصر البشريّ من معرفة مختلفة على مرّ العصور، فإنّ من الأولى أن يجني كلّ طفل هذه المعرفة المكتَسبة بالترتيب ذاته، فالتعليم ما هو إلّا إعادة إنتاج للحضارة، و لو بنسبة متفاوتة."*
إن كنت أؤمن، كما آمن سبنسر يومًا ما، بأنّ ما نحن فيه الآن ما هو إلّا وراثة لما اكتسبه الأجداد بإرادتهم الحرّة
“Voluntary Will”، فهذا يعني أنّ كلّ ما يؤهلّ الفرد في أيّ مجال هو من صنع إرادته الحرّة، أو إرادة الأجداد الحرّة، أو إرادتهما معًا بنسبة متفاوتة، و هذا ما يعرف بمنهج اللاماركيّة نسبةً للعالم الفرنسيّ جون بابتست لامارك، و هو نفس ما أثبته مندل بعد ذاك (1822 – 1884).
إذن فالإرادة الحرّة ليست إلّا شحنة وراثيّة تتسلّمها الأجيال الجديدة من السابقين، و تورّثها معدّلة لللاحقين، فكما أنّ من يمتلك صوتًا جميلًا أو مهارة معيّنة هي حقّه المشروع كمن يمتلك إرثًا عينيًا تمامًا؛ فكليهما مُورَّث أو مكتسب، فكذلك من لديه إعاقة بدنيّة أو ذهنيّة قد ورثها أو اكتسبها نتيجة فشله في مرور اختبارات الظروف الطبيعيّة المحيطة به، مع نجاح أفراد آخرين في اجتيازها، سواء بفعل عوامل بيئيّة، أو كائنات أخرى، أو حتى أفراد آخرين لديهم ما لا يملك
Natural Selection.”
و إذا فصّلنا مفهومنا للإرادة الحرّة سنجد أنّ أيّة نقطة في الزمن لا تتعيّن إلّا عن طريق تلاقي عدد لا نهائي من الإرادات الحرّة لأفراد مشتركين مباشرةً أو بطريقة غير مباشرة في صنع الحدث، حتى يتجلّى لنا التاريخ إلّا مركّب معقّد من الإرادات الحرّة، و على هذا فإن أيّ ما يحدث، فقد حدث وُفقًا لترتيب زمنيّ تدخلّت فيه الإرادات الحرّة للأفراد و اشتركت في تحديد مصير هذا التاريخ بالذات في هذا المكان بالذات، و لنعطِ مثالين على ذلك؛ فقد يفوز لاعب بمباراة تنس لأنّ إرادته الحرّة أقوى من اللاعب المهزوم، و في مثال آخر، فإنّ الآنيّة الفخاريّة لم تقع على رأس راجل أسفل البناية إلّا لأنّ أحدهم ألقى بها من الشرفة عن إرادة كاملة منه، قد تكون الإرادة الحرّة للرامي هي التي لعبت الدور الأكبر هنا إن كان ألقاها عن إرادة كاملة منه، أو قلّة إرادته في عدم الحفاظ على اتّزان جسده إن وقعت بلا قصد مباشر منه، بينما تظلّ إرادة الراجل في أن يعبر هذا الشارع بالذات في هذا الوقت بالذات هي الأخرى مشتركة في صنع اللحظة، اللحظة التي تتشكّل من خلال التقاء إرادتهما الحرّة سويًا، أو التقاء إرادة لآخر مع قلّة إرادة لآخر، أو حتى قلّة إرادتهما سويًا في اجتناب ما لم يريدوه حقًّا. و إن كنا لنستخلص شيئًا ممّا مضى ذكره، فإنّ الإرادة الحرّة سواء للآباء أو للأبناء، بعد البلوغ، هي التي تشكّل كلّ لحظة، و لا دخل لأيّة عوامل أخرى خارجة عن الإنسان ”,
Free WillMetaphysical Libertarianism,” or “Voluntaryism.”
رجوعًا إلى سبنسر، و الذي يضفي بعدًا جديدًا بفلسفته اللاماركيّة، و التي أجدني أستنتجها بنفسي و أستخلصها من سبنسر في آن واحد؛ ليس كلّ تطوّر جنين “
Embryological Development” يعيد التطوّر البيولوجيّ للعرق ككلّ فقط، و لكن أيضًا يعيد التطوّر العمريّ من الطفولة حتى الشيخوخة التطوّر الحضاريّ هذه المرّة للعرق ككلّ.
التاريخ الإنسانيّ يؤكّد على الارتقاء الحضاريّ للإنسان بداية بالمجتمعات الفوضويّة داخل الكهوف، و العيش بمساعدة الصيد و من ثمّ الزراعة، مرورًا بالمجتمعات المنظمّة، التي نعيش ذروتها الآن بفضل التنظيم الدوليّ الجغرافيّ و المؤسسيّ و القانونيّ الصارم لقارّات و دول و كيانات مختلفة، و أعتقد أنّنا في اتّجاهنا للفوضويّة الفرديّة، و التي ليست كفوضويّة السيرة الأولى، و لكنّها فوضويّة من نوع جديد ينتزعها الفرد بعد إدراكه لمدى عبثيّة النظام و فساد السلطة، بالإضافة للقهر الذي يمارس ضده كلّ يوم باسم الدولة.
وُفقًا لما وصلناه قبيلًا، فإنّ ارتقاء الإنسان الحضاريّ عبر العصور من الفوضويّة الجماعيّة
“Totalitarian Anarchism”، للجماعيّة المنظمّة “Statist Totalitarianism”، للفوضويّة الفرديّة “Individualist Anarchism”، يجعل من الدول مركّبات حضاريّة وسيط فقط بين فوضويتين، الأولى جماعيّة ما قبل الحداثة، و الثانيّة فرديّة ما بعد الحداثة، و بالتأكيد فقد يوجد ما بينهم مراحل وسيطة لا حصر لها، و لكنّي اختصرتها هنا للخطوط العريضة فقط، هذا بالإضافة إلى أنّ كلّ عنصر أو عرق أو دولة تختلف فيما بينها حيث موقعها الحاليّ بين مراحل التطوّر المفترضة هذه، فقد يكون العنصر الأبيض سابقًا للعنصر الأسود بمراحل عديدة تساوي مدة سنين مديدة، كما أنّ العرق الآوربّي سابقًا على السلّم الحضاريّ للعرق العربيّ، مع وجود اختلافات استثنائيّة و لا شكّ، و هي نفس الفروق على مستوى الأفراد، فليس لكلّ الأفراد نفس مستويات الذكاء أو القوّة، و هكذا بين الأجناس بشكل عام.

التطوّر الحضاريّ للإنسان يوازي التطوّر العمريّ للفرد

و هكذا تمامًا، فإنّ كلّ فرد منّا يقلّ اعتماده على من حوله كلّما تقدّم في العمر، فالطفل، و إن اعتبرناه يمثّل مرحلة الفوضويّة الجماعيّة، هو فوضويّ بطبعه، حيث يهمهم، و يستهلّ اكتساب المهارات الإنفعاليّة و الحسيّة و العقليّة و اللغويّة شيئًا فشيئًا، و لكنّه يظلّ معتمدًا على أمّه بنسبة تقلّ عن المئة بالمائة بقليل، مرورًا بشبابه، و الذي تقلّ معه نسبة اعتماده على الغير مع زيادة حرصه المنظّم و سعيه الحثيث نحو الحياة، بالإضافة لاكتمال اكتسابه المهارات و الخبرات اللازمة و التي تؤهلّه للحياة و الإنتاج بمفرده، و لتكن تلك مثل مرحلة شباب العالم المنظّم الذي نعيش في تبعات تهوّره الآن، و من ثمّ أخيرًا لا تعني الرجولة أو الأنوثة المتقدّمة إلّا قلّة نسبة الاعتماد على الآخر لنسبة تكاد تصل للصفر، و إن اعتمد فمن خلال التبادل لأنّ تراكم الثروة هي التي تخلق نزعات الفرديّة الموضوعيّة، و هي المرحلة المتقدّمة التي تحمل في طيّاتها التقدير الصحيح لمدى عبثيّة العالم و فوضويّة الإنسان ما بعد الحداثويّة عالميًا، و ما بعد الحرّيّة الفرديّة على مستوى الفرد.

Reference 

* Herbert Spencer (1861). Education. pp. p.5.

                                                                                                        أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في اقتصاد سياسي. حفظ الرابط الثابت.

7 Responses to في الفكر البرجوازيّ 1

  1. georges كتب:

    nice one Zidan,, waiting 4 the rest

  2. Ahmed كتب:

    Thanks Georges man, keep checking for further parts.Greetings…

  3. Tarek كتب:

    شكرا يا احمد علي الموضوع وعلي معلوماتك الغزيرة

  4. Hitham كتب:

    Great Article Sir Zidan 😉

  5. Ahmed كتب:

    Thanks for you both, Tarek and Hitham.

  6. Wael كتب:

    Nice article.Well-done

  7. Ahmed كتب:

    Thank you Mr Wael. : )

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s