في الفكر البرجوازيّ 2

     النفس هي مركز الفرد، و الفرد هو أقلّ أقليّة موجودة في شرائح المجتمع، و إذا كان الفرد موجود بذاته الموضوعيّة، فالمحتمع و الدولة و الدين غير موجودين.
الإختلاف النسبيّ بين الأفراد يبرز في بصمة كلّ فرد ماديًّا كبصمات الأصابع، و الشفاه، و القزحيّة، و الصوت، و الشكل… إلخ، أمّا البصمة المعنويّة فهي تكمن في إبداع الإنسان، فإذا لم يكتشف إديسون المصباح الكهربيّ لكان اكتشفه آخر حتمًا، و لكن ما كان أحدًا غير موتسارت ليعزف السمفونيّة الخامسة و العشرين.
إذن فالتفرّد ليس إلّا تحرر النفس من كلّ ذوات الآخرين إلّا ذاته. و الإبداع، كعمليّة إنتاجيّة للهوس، ليست عصيّة على المتحررين من العصبيات، بل هي من الأمور البديهيّة بمكان بحيث لا يصف المبدع إبداعه بالصعوبة أو السهولة، بل لا يصفه على الإطلاق؛ لأنّ المبدع لا يحتاج لفهم أو ثناء العالم على منتوجه. إنّ الإبداع عمليّة فرديّة بحتة لا يرقى لها إلّا المتحرر الكامل، و هي تعلو مدرّج ماسلو للحاجات، حيث رفعها إبراهام ماسلو، عالم النفس الأمريكيّ، لقمّة هرمه المدرّج الشهير، و عنونها تحت "حاجات لتحقيق الذات." الهرم المنظّم تمامًا بحيث يجمع أكبر عدد من الكائنات على قاعدته الضخمة، العدد الذي يقلّ تدريجيًّا كلّما اقتربنا من قمّة الهرم، حتى يصل لحاجات تحقيق الذات، و التي ليست تقتصر فقط على الإنسان المرتقي أعلى درجات التطوّر البيولوجيّ، و لكنّها تنتقي بدرجة أكثر تفصيلًا، عندما تقتصر على الإنسان الأعلى Übermensch، المرتقي لأعلى و أمثل و أجود درجات التطوّر الحضاريّة الحاليّة.
حاجات تحقيق الذات Self-Actualisation عبّر عنها أيضًا كورت جولدستين، عالم و طبيب النفس الألماني، في كتابه الكائن بوصفها الدافع الأوحد التي يُعزى لها دفع الكائن للحدّ الأقصى لطاقاته و قدراته، و كتب عنها أيضًا عالم النفس الأمريكيّ كارل روجرز، و بطريقة أخرى اقترب منها فيلسوف الوجوديّة الأعظم فريدريش نيتشه بمفهومه الشهير "المشيئة للقوّة" der Wille zur Macht.

                                    مدرّج ماسلو للحاجات ترتّب بحيث تطوّر الكائنات بيولوجيًّا و حضاريًّا

     كونك فردًا لا تنتمي إلّا لنفسك يعدّ قمّة الموضوعيّة و لا شكّ، أمّا كونك تنتمي لسلالة الثدييات أو جنس البشريّة على سبيل المثال يعد الأقلّ موضوعيّة على الإطلاق، بل و الأقلّ أهميّة أيضًا، و في التوضيح أدناه نوضّح ترتيب أولويات الهُويّة من وجهة نظر برجوازيّة، أعتقدها موضوعيّة لحدّ كبير؛ فالفرد هو الدائرة الواحدة الكاملة حول ذاته، و هي الدائرة الأقرب و الأكثر موضوعيّة و الأعظم أهميّة على الإطلاق، و ما عداها من دوائر فهي غير مكتملة للهويّة، قد يرتّبها فرد بطريقة أخرى حسب أولويّاته، و لكننا سنظلّ متّفقين لحدّ كبير بأنّ النفس هي المركز الموضوعيّ الكامل، و كلّ ما عداها أقلّ موضوعيّة و ناقص في الوقت ذاته، فالعلاقة التي تدوم خلال حياة الفرد جميعًا هي علاقته مع النفس، أمّا مدى قربه أو بعده من أيّة من الهويّات الموضّحة أدناه، أو حتى تفضيله لبعض منها على الآخر، أو حتى إلغائه لبعض الخانات للأبد و التخلّي عن عصبيّاتها هي كلّها أمور نسبيّة بحتة، و ما نحن بصدده الآن ليست أزمة هويّة بقدر ما هي تعريفًا جديدًا للفرد.

Longitudinal Waves of Self Resonance

     نستخلص مما مضى أنّ بإمكان أيّ فرد أن يتخلّص من عصبيات الهويّة واحدة تلو الأخرى حتى يكتمل بنفسه و يتحرر تمامًا من تبعات أيّ عصبيّات بإرادته الحرّة، و لا يعود في حاجة نفسيّة لبقيّة العلائق، بل فقط يتعاون مع الأفراد الأخرى على أساس التعاون من خلال التبادل الإراديّ الحرّ “Cooperation through voluntary exchange”، و الذي ألقينا عليه الضوء قبلذاك في سلسلة الحرّيّات الفرديّة.
على اعتبار أنّ الموقفين الأكثر تطرّفًا هما: أولًا، الانتماء للنفس فقط و عدم الإعتماد على أيّ فرد آخر سيكولوجيًا، كما ذكرنا مسبقًا، و هذه هي أقصى مراحل الفوضويّة أو حكم النفس ”Self-Governance
، و ثانيًا، الانتماء لكلّ ما سبق ذكره، و الاعتماد السيكولوجي التامّ عليهم جميعًا مع العصبيّة الشديدة لكلّ منهم، و ليكن المثالان الأكثر تطرّفًا هما أمثلة وهميّة كخطوط إقليديّة لا تُبلغ عمليًّا، فإنّ ما يقع بينهما بالتأكيد هي عدد لا نهائيّ من النقاط يمثّلون أفرادًا يؤمنون بالنفس بدرجات متفاوتة من أقصى الموضوعيّة لأقصى اللاموضوعيّة، على اعتبار أنّ النفس هي العامل المشترك لكلّ فرد، فبالتالي سيكون المثال حسب أولويّة القرب أو البعد عن المركز.

     أنّ كلّ فرد عليه التحرر من كلّ العصبيات واحدة تلو أخرى ليكون نفسه فقط، و عليه فإنّ الأفراد المؤمنين بذواتهم تقلّ درجات اهتمامهم بالآخرين، و بالتالي تزيد موضوعيّتهم و إنتاجيتهم، فيلتحقون بتطوّر أعلى.
الصورة الأكثر زهوًا، حسب ما أعتقد، هي حرّيّة التبادل التجاريّ العالميّ
“Global Free Trade” بين الأفراد على مستوى العالم بلا أدنى قيود أو تنظيمات، إنّ هذا التطبيق العولميّ الضخم Globalisation الذي نعيش في رحابه الآن، و الذي يحوّل المجتمعات و المناطق الصغيرة لمجتمعات و مناطق منتجة و متبادلة مع المجتمعات الأخرى، و بالتالي مدرجة عالميًّا. إنّ العولمة، و التي هي النتيجة الحتميّة للرأسماليّة و تراكم الثروات، مسؤلة بشكل كامل عمّا تحياه البشريّة الآن من تسارع عالميّ للتقنيّات الحديثة و وسائل الاتّصال عالية الجودة، و إذا كانت كلّ البشريّة تقفز نفس معدل الوثبات بفضل العولمة، فإنّهم لم يكونوا متساويين على خطّ البداية، منذ فتح الأسواق العالميّة، و كانت، و لا تزال، هناك أعراق و أمم متفوّقة بيولوجيًا و حضاريًا على أعراق و أمم أخرى، و إذا كان هناك سببًا لتأخّر أعراق و أمم بعينها عن أخرى على السلّم البيولوجيّ و الحضاريّ غير الانتخاب الطبيعيّ، فهو بالتأكيد سيكون نتيجة نقص التبادل التجاريّ الحرّ في العالم القديم، إمّا نتيجة قلّة وسائل النقل الحديثة، أو بسبب تأخّر تطوّر الإنسان الحضاريّ في الماضي، مما نتج عنه نقص إدراكه أنّ طريق المجد لكلّ فرد هو عالميّة التبادل التجاريّ الحرّ بلا حظر و لا قيد و لا شرط و لا تنظيم.
و حقًا إن كنّا لم نرتقِ بعد لحرّيّة التبادل العالميّة المنشودة، فالعالم مازال يخطو الدرب، فيقترب الإنسان رويدًا رويدًا مما يصبو إليه كلّ فرد حرّ في العالم.
كتبنا قبلذاك عن مدى فداحة الضرر الاقتصاديّ الناجم عندما تمارس الحكومات سياسات تمييزيّة على نطاق واسع بين الأفراد، و هكذا فإنّ أيّة ضرائب على المواطنين أو رسوم على المنتجات الأجنبيّة أو حماية المنتجات المحليّة كلّها طرق فاقدة للنظر الموضوعيّ على الأمور، بل و قصيرة المدى 
“Short-sighted” لإنعاش الاقتصاد المحليّ، و الذي ستنشأ فيه الأسواق السوداء لا محالة، بل و كلّها حلول قوميّة خاوية التفكير و رخيصة المنطق، و الاقتصاد الحرّ عمّا قريب في سبيله لإرساء كلمته عن طريق قوّة السوق، و محيه لكلّ خرافات العصبيّات، و أوّلهم على الإطلاق العدو اللدود للإقتصاد الحرّ، ألا و هي القوميّة.
أمّا التميير الفرديّ في الإقتصاد، و هو تجنّب الفرد نفسه من التعامل مع آخرين بسبب هويّتهم، فقد يكون معقولًا و مقبولًا بشطل كبير، إن كان السوق حرًّا من أيّة قيود تعوق التبادل الحرّ من عدمه. و من هنا كان ترتيب الأولويّات في حالة التبادل الاقتصاديّ الحرّ بين الأفراد، و المشار إليها في التوضيح أعلاه، فمثلًا قد يميّز الفرد لصالح شريكته أو أخوه أو أيّ فرد في نطاق أسرته، ثمّ قد يميّز على نطاق أوسع لفرد آخر من طبقته الماديّة أو الاجتماعيّة، ثمّ على نطاق أوسع لعرقه، و من ثمّ على نطاق أوسع لأشخاص يعتقدون فيما يعتقد فيه من فكر فلسفيّ، أو توجّه سياسيّ، أو دين، أو حتى مشجعي لفريق الكرة المفضّل لديه و الذين قد يجتمعون كلّهم تحت مسمّى العقيدة
“Belief.”
و حقًّا إذا كانت أعتى و أقصى مراحل الزهو و الاعتزاز بالنفس
“Egocentrism” تكمن في انتماء الفرد لذاته فقط، فإنّ هناك تابعَين لهذه النظريّة، أوّلهم تحدّثنا عنه قبلذاك، و هو تمييز الفرد في معاملاته الاقتصاديّة لصالح الأفراد الموجودين في الدوائر الأقرب له، حسب أولويات هويّة كلّ فرد، و ثانيهم، أنّ الاعتزاز بالأسرة و النسب، و الطبقة، و العنصر هم من المكمّلات الأساسيّة للإعتزاز بالنفس و لا شكّ، فالإحتفاء بالعنصر الأبيض، على سبيل المثال، هو من ثوابت الفرد الأبيض الكامل لأنّه في فخره المباشر بنفسه، يحوي فخرًا ضمنيًا بأجداده، و بمن جاء من سلالتهم، و العكس صحيح، ففخره بإنجازات عنصره و سلالته مباشرةً، يعدّ فخرًا ضمنيًا  أصيلًا بنفسه، و هكذا في كلّ الهويّات الأخرى، فكلّما اقتربت الهويّة من دائرة النفس كلّما كان الفرد أكثر موضوعيّة و العكس صحيح.

     العنصريّة “Racism” و الطبقيّة “Classism”، باستبعاد شبهتيّ التعدّي على أرواح الآخر أو ممتلكاته أو استعباده، يعدّان اكتمالًا لعنصر الفخر و الزهو بالذات معًا.
أي العنصريّة و الطبقيّة الخاليّتان من عدم استهلال العنف
Non-initiation of Violence يعدّان الضامن الفعّال لما نحن بصدده من مجتمع فوضويّ يتركّز فيه الفرد كحاكم لذاته و بذاته Self-Governance، و هذا الحكم الذاتيّ هو الضامن بدوره لأقصى مراحل الحرّيّة الفرديّة التي نؤمن بها، بل و لسنا مستعدّين، كأفراد، للمساومة حول حقّ الفرد في حرّيّة مطلقة غير مقيَّدة، و غير مشروطة، بل و غير منظَّمة من قبل أيّة حكومة أو فرد آخر تحت أيّ مسمّى كانت.
إيمان الفرد بعدم استهلال العنف يضمن مجتمع خالٍ من العنف، و خلوّ المجتمع من العنف يعقب وصول الأفراد لدرجة متقدّمة من التطوّر الحضاريّ الذي يملي على كلّ فرد التعاون من خلال المصلحة الشخصيّة
“Self Interest”، بل أكثر من ذلك، أنّ وصول أفراد مجتمع ما لهذا التطوّر الحضاري يضفي بعدًا جديدًا خالٍ من نظام دولة تستعبد الفرد و تُملي عليه ما يجب و ما لا يجب أن يفعله، و هو التطوّر الذي شرحنا فيه باستفاضة في الجزء الأوّل.

     فكر النخبة البرجوازيّة و إنتاجهم الماديّ و الإبداعيّ هم دائمًا، و لا يزالون، المحرّك الرئيسيّ للمجتمعات البشريّة على مدار جميع العصور و في جميع الحضارات.
و كما علّق يومًا لودفيج فون ميسس، الإقتصاديّ النمساويّ العظيم، بأنّ الرأسماليّة، كفلسفة مسؤولة بشكل أساسيّ عن تطوّر الحياة المذهل على هذا الكوكب، لم نرتقيها إلّا عن طريق تزكية من نخبة قليلة “Élite”*
و لا يعني اكتساحها لجميع النظريّات الاقتصاديّة على الإطلاق، و بقائها المذهل، و تجديدها المستمرّ، مع كونها فكر نخبويّ، إلّا لأنّ طبقات أقلّ اعتقدت بأنّها الطريق الاقتصاديّ الأمثل للتوزيع حسب الإنجازات “To all according to their accomplishments”، و نجاحها يعني موضوعيّتها؛ لأنّ الفئات الأقل تبغي ارتقاءًا، بغضّ النظر عن موقعهم الاجتماعيّ، فجعل العالم كلّه بفئاته المختلفة يتّجه إليها، سواء بحسّ العامّة، أو بالحسّ الماديّ، أو بالحسّ الفلسفيّ، جميع الطرق تؤدّي للرأسماليّة.
بل و يؤكّد أ.ج.ب. تايلور المؤرّخ الإنجليزيّ و مترجم كارل ماركس للإنجليزيّة بأنّ حتى الثورات و الإضرابات، التي يأخذ عليها الفكر الرأسماليّ استهلالها للعنف مما ينافي قيم الرأسماليّة تمامًا، لم تنجح إلّا عن طريق مساعدة النخبة لها، نفس النخبة التي ساعدت كارل ماركس نفسه في انجلترا لنشر أفكاره المضادة لهم في الأساس، و على رأسهم فريدريش إنجلز.**

     صنّاع النخبة، و تُجّارها، و مفكّروها هم المسؤولون عن الحراك الجذريّ الذي يحدث في أيّة مجتمع يتواجدون فيه، بل و منتجاتهم الاستهلاكيّة و الإبداعيّة تنتشر بفضل وعيهم و اتّجاههم للربح لخدمة المستهلكين، و رواج سلعة أو خدمة أو منتوج ثقافيّ ذات جودة عالية هو ما يحفّز منتجيها على الإنتاج بكميّات أكبر، فيستوعب المستهلكون هذه الكميّات، لتتحوّل في خلال سنين معدودة المنتجات و السلع و الخدمات الترفيهيّة إلى منتجات و سلع أساسيّة، بل و تجعل الرأسماليّة من المنتجات و السلع و الخدمات الترفيهيّة منتجات و سلع و خدمات أساسيّة.
هذا التأثير المباشر الذي تمليه الطبقة البرجوازيّة على المجتمع، يضاف إليه تأثير غير مباشر، نتيجة الارتياح النفسيّ الذي يبعث الطبقات الأخرى على اقتناء الرفاهيّة تشبّهًا بالطبقة البرجوازيّة، و كأنّ هذه الطبقة البرجوازيّة، بتأثيريها المباشر و الغير مباشر، تجذب طبقات المجتمع جميعًا بقوّتها الماديّة و الفكريّة لمصاف ارتقاء أعلى، مع الحفاظ على الفروق الاجتماعيّة و الماديّة بين الطبقات. تظلّ الطبقات المتوسّطة و الدنيا تحاول الارتقاء للطبقة البرجوازيّة تمامًا كما يحاول الإنسان دائمًا الارتقاء للإنسان أعلى، و لكن على الطبقات المتوسّطة و الدنيا أن تتوافر فيها الإرادة الحرّة، و الطاقات الذهنيّة و الإبداعيّة، بالإضافة للقدرة الماديّة حتى ترتقي لتطوّر الطبقات البرجوازيّة، و تستطيع توريث صفاتها المكتسبة الجديدة للأجيال القادمة.
على سبيل المثال فإن الطبقة البرجوازيّة التي كانت تمتلك تلفازًا في الخمسينات و الستينات جذبت الطبقات الأخرى لاقتنائه، بالإضافة إلى التقنيّات الأخرى، فأصبحت كلّ الطبقات الآن تملك جهاز التلفاز الذي كان حكرًا برجوازيًّا في الماضي.***
هناك مثال شائع في مصر حول ما نحن بصدده، و هو سوق التليفونات المحمولة، و التي كانت في بداية تشغيلها عام 1998 حكرًا على الطبقات البرجوازيّة الثريّة بنسبة استخدام تقلّ عن 1%، بيد أنّ هذه النسبة قفزت بعد عشر سنوات إلى 43% في يونيو 2008، بحسب الإحصائيّات الرسميّة للجهاز القوميّ للإتّصالات.****
الآن يجب ترجمة هذه الأرقام المجرّدة لحقائق لا تقبل التشكيك، و هو أنّ الطبقة البرجوازيّة، و في سبيل ربحها، تنهض بالمجتمع ككلّ، بل و تشكّل هذه الطفرة الهائلة، و تجعل من ثانويّات الماضي أساسيّات الحاضر، و كأنّ الطبقات تتعاقب على التطوّر الحضاريّ مثلما تعاقب الإنسان عليه، فإن كانت الطبقة المتوسطة حاليًا تأخذ مكان الطبقة البرجوازيّة في الماضي، من حيث الإمكانات الماديّة و التقنيّة، فإنّ الطبقة البرجوازيّة تحرّكت هي الأخرى و قفزت درجة أخرى على سلّم التطوّر اللانهائيّ، و كأنّ الحراك الذي تبادر به الطبقة البرجوازيّة ينتج عنه لحاق الطبقات المختلفة بتطوّر حضاريّ و بيولوجيّ أعلى، و كأنّ الطبقة البرجوازيّة هي الجاذب و الدافع معًا لتطوّر البشريّة ككلّ و لحاقها بتطوّر أعلى. أو كما قال لودفيج فون ميسس، فإنّ الرأسماليّة تفكّ حصار بروليتاريّة الرجل العادي، و ترقى به لمصاف الطبقة البرجوازيّة.*****

     أحبّ أن أستشهد هنا بفقرة خالدة لصديقة رأسماليّة عزيزة، و هي أميرة طاهر، و الفقرة ليست بمعزل عن ما نحن بصدده، حيث تقول: "الفقراء في الأصل لا يمانعون في أن يكونوا كذلك، بل و لا يكرهون الأغنياء و لا الرأسماليّة؛ لأنّهم قد يصبحوا أغنياءًا في المستقبل القريب بإمكاناتهم. أمّا الحقد و الضغينة فهما ينبعان من الضعف، و ليس أكثر. فالفقراء يرحّبون بالنظام الطبقي أيضًا؛ لأنّه الشاهد الوحيد على عدالة التوزيع المالي و الاقتصادي، فأنا كرجل فقير يسعدني العمل كثيرًا كعامل في مصنع لأحد كبار الرأسماليّين البرجوازيّين، بشرط أن تتوافر في الدولة القوانين المناسبة التي تكفل لى افتتاح مصنعي الخاصّ في المستقبل، فعندئذ لن تكون هناك مشكلة في أن أكون بورجوازيًّا في يوم من الأيام.

     "الرأسماليّة و الطبقيّة تحققان العدل الإجتماعي أيضًا، فالرأسماليّ يهتم بالشّغّيلة أكثر مما تهتم بهم الحكومة؛ لأنّهم كموارد بشرية، يحرص الرأسماليّ عليها حتى لا تصاب بعطب أو بمرض أو يخطفها المنافسين، و إلّا فإنّ هذه الموارد البشرية التي تعدّ ثروة و التي تحقق له المكسب الماليّ سوف يخسرها و للأبد. الرأسماليّ يهتم بتوفير الرفاهية للشّغّيلة كي ينتجوا أفضل فتزيد أرباحه، أمّا الحكومة فلا يعنيها الأمر بشكل شخصيّ، و نادرًا ما توفر الراحة والرفاهية للشّغّيلة.

     "من الخطأ أن تساند الحكومة المواطنين الذين تعثّروا في أزمة الرهن العقاريّ الأمريكيّة أو في الأزمات الاقتصاديّة المختلفة، فالمنتحر بسبب عجزه عن تسديد القرض و فقد منزله ليس ضحيّة مثيرة للشفقة، بل أنّه فاشل لم يسعفه عقله و قدراته لكي يخطط جيّدًا و يعمل للمستقبل، لكي يحصل على وظيفة أعلى دخلًا. و لذلك رفض مجلس الشيوخ بأغلبيّة ساحقة مشروع القانون الذي تقدم به بوش لتخصيص 700 مليار دولارًا لمواجهة أزمة إفلاس البنوك.

     "الخلاصة، أنّ هذه الأموال تم أخذها من المواطن الشريف الذي يدفع الضرائب. الفقراء لا يكرهون الرأسماليّة بقدر كرههم للإستغلال الحكوميّ باسمهم/ و إذا اقتطعت الحكومة منّى، شخصيًّا، ضرائب باهظة لتساند هؤلاء الفاشلين و الضعفاء و الأغبياء، فهذا لا يعني إلّا اعوجاج النظام الرأسماليّ، الذي لا بدّ من تقييمه بإلغاء نظام الضرائب. ليس من العدل أن أعمل ثم أدفع للحكومة مالّا تأخذه بيدها اليمنى، و تعطيه بيدها اليسرى للمحرومين و المفلسين و معدومي المواهب.******"

     أمّا ضعف الإمكانات و القدرات هو الذي يقود الضعفاء لمعاداة الطبقة البرجوازيّة، و الرأسماليّة التي تمثّلها هذه الطبقة “Anti-Capitalism”، و ليس التفكير الموضوعي.*******
الطبقة التي نحن بصددها، هي الطبقة الرأسماليّة بمفهومها الحديث، منذ الثورات الصناعيّة الآوربيّة، طبقة أصحاب الأعمال، و ممتلكي وسائل الإنتاج إمّا عن طريق اكتسابها بالإرادة الحرّة و العمل و القدرات العقليّة المميّزة، أو عن طريق وراثتها من آباء اكتسبوها بذات الكيفيّة. التعريف السابق هو لإزالة أيّ لبس لدى القارئ الذي مازال يُصرّ على الخلط الشنيع بينها و بين الإقطاعيّة، أو بينها و بين الأرستقراطيّة. الإقطاعيّة لم يعد لها وجود منذ سقوط أنظمة الرقّ العالميّة قبل مائتيّ عامًا في المملكة المتّحدة، و قبل أكثر من مائة و خمسين عامًا في الولايات المتّحدة. أمّا الطبقة البرجوازيّة، فهم هؤلاء العصاميّون، بالمفهوم الشائع، الذين تكسّبوا انتمائهم للطبقة الأكثر رقيًّا على السلّم الطبقيّ إمّا لمهاراتهم الفرديّة المكتسبة أو الموروثة، أو لممتلكاتهم الخاصّة المكتسبة أو الموروثة.
أضغط في النهاية على قيمة العمل التي نفّذتها الطبقة البرجوازيّة بلا تشدّق و لا افتعال و لا تنظير يوتوبيّ يناقض واقعه، فالقيم البرجوازيّة دائمًا ما كانت تتلمّس طرق الواقع قبل التنظير، و ما أنا بصدده حقائق و ليست أوهامًا… حقًّا، إنّ العالم لا يحتاج لقيمة العطف، بقدر احتياجه لقيمة العمل.

أجزاء سابقة:
في الفكر البرجوازيّ 1.

References

*  Ludwig von Mises, The Anti-Capitalistic Mentality, Illinois; Libertarian Press, p. 35

** Karl Marx and Friedrich Engels, The Communist Manifesto With an Introduction by AJP Taylor, Penguin Books, Introduction p. 20

***  Ludwig von Mises, The Anti-Capitalistic Mentality, Illinois; Libertarian Press, pp. 42 – 43

**** لقراءة هذا التحقيق المثير، إضغط هنا!

***** Ludwig von Mises, The Anti-Capitalistic Mentality, Illinois; Libertarian Press, p. 1

***** Capitalism deproletarianizes the “common man” and elevates him to the rank of a “bourgeois.”

****** الفقرة منقولة حرفيًّا من المبدعة أميرة طاهر، الفنانة الرقيقة و الرأسماليّة الشرسة و الكاتبة المتميّزة.

****** Ludwig von Mises, The Anti-Capitalistic Mentality, Illinois; Libertarian Press, pp. 11 – 15 

                                                                            أحمد زيدان                                                                          

Advertisements
هذا المنشور نشر في اقتصاد سياسي. حفظ الرابط الثابت.

6 Responses to في الفكر البرجوازيّ 2

  1. Hitham كتب:

    أنّ كلّ فرد عليه التحرر من كلّ العصبيات واحدة تلو أخرى ليكون نفسه فقط، و عليه فإنّ الأفراد المؤمنين بذواتهم تقلّ درجات اهتمامهم بالآخرين، و بالتالي تزيد موضوعيّتهم و إنتاجيتهم، فيلتحقون بتطوّر أعلى.You Are Totally Right In That Thanks On This Great Bourgeoisie Article ^^

  2. Ahmed كتب:

    Thanks Hitham!

  3. ihab كتب:

    رائع رائع رائعايهاب زكريا

  4. Ahmed كتب:

    Thanks Ihab. : )

  5. Khaled كتب:

    This is a perfectionist & theoritical AND euphoric way of descriping the concept of capitalism.Not only it is dependening on Wiki ideas mainly not on current events, it also can\’t relate to the realityMr.zidan, a mega corpotration is so malignant that it will try to prevent competition in all Legal and illegal ways possible, if you are a poor worker, you can\’t grow up to open the new General Electric. It is possible theoritical, but practically the REAL General Motors will make damn sure you can\’t. The Capital knows no morals.A mega American corporation (the ultimate capitalistic country) donates money in political campaigns and lobbying, millions and millions. why is that?1-to force adminstrations to issue or remove regulations or ignore certain actions by the company. and this is STRICTLY, benefit for the individual, harm for the society2-open up markets, Any country that looks interesting as a target market. CAN and WILL be infiltirated either by politics or FORCE sometimes3-eliminate competitionEveryone believes that Capitalism is to be thanked for the great leaps of science of now days, and also this sentence is totally wrong, for another big set of reasons to be talked about later.With these facts in mind, you will find that a burgoise or however you spell it, will NOT let you climb that ladder to the top of the ladder at any cost, it would be acceptable as natural competition and natural selection. but turning your society into a boxing arena with no morals or consideration, to rage wars against communities and kill thousands so you could sell your stuff? to sell your product with a price less than the cost of production so that you would drown all the local companies? to hire vietnamese cheap workers in unhuman working conditions because it is cheaper?i did couple of the medical sales representative jobs, basicly a big multinational pharmaceutical company will try to continue to sell its product as much as possible with all the furious market techniques on earth, Even if this product is not the best on the market. BECAUSE of the capitalism, the value of your medicine now is partly marketing. If you have a drug that you believe is good, probably that is because of good marketing and not any kind of potency at all. The medicine science is the most sacred of all sciences amongst the histroy, is now turning into this… a factory. a lab and 4 big marketing buildings. Why do you need such buildings? because your competitiors WILL lie about their product, so you need to make sure that you also do this.THE CAPITAL KNOWS NO MORALSAllah created us all different, some of us are capable of thinking, drawing, calculating, and all in different levels. Some people have better capabilities than others, some people are just average, some people would read your article and think "Ommh. This guy knows about ummm stuff", some of them will suffocate on words, some of them WONT understand, some people are illiterate.Some kids are futureless, and only used as body parts. We are different, strong and weak, tall short, smart dumb, but because we are intelligent and aware, we decided thousands of years ago, that we need to protect the weak, because there is more value of a human than his physical and mental powers.. his soul which is priceless in a market, (unless you market that person into a reality show and make money out of it), so your complete rejection of social security and believing that let the humans settle it the animal way. where the powerful ones come and eventually enslave the weak??????if you are actually believing in this than you are incredibly out of your mind, we 3ayz 3al2a men etneen shabab weskha 3shan te7asesak bel ahra bta3et enak tkoon el ad3af

  6. Khaled كتب:

    1848? 1956?.. dool senen publishing el refrences bta3ak? you need to read modern ideas.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s