أربعة أسفار من توراة العاشقين

                                                                The Girl With the Rosa in the Setting of the Sun 
إشكاليّة التّكوين:
     الطّاقة لا تُستنفذ ولا تُستبدل، ولكنّها تتحوّل من شكل لآخر. وهكذا ثورات العاشقين.
     1: 3 وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ.
     الإنسان كائن انتقائيّ بطبعه؛ يحتفي بكلّ ذكرى تمثّل لديه قيمة الحبّ العليا، بينما يسقط من وعيه تمامًا كلّ ما لا يمتّ للحبّ بأوهى صلة.
     أنت الأولى والأخيرة، الظّاهرة والباطنة، الطّاهرة والغاوية، النّجاة والهاوية، الفناء والخلود، الارتكاز والشّرود، التّفكّر والجنون، والانفلات والسّكون.

الارتقاء والنشوء:
إذا تكوّنت الأبجديّة من حرف واحد، فمن أين تأتي اللّغة؟!
إذا تكوّنت البشريّة من لون واحد، فمن أين تأتي الحضارة؟!
إذا تكوّنت الأرض من جنس واحد، فمن أين تأتي الألفة؟!
إذا تكوّنت الموسيقى من مقطوعة واحدة، فمن أين يأتي الإبداع؟!

 
إشكاليّة الوجود:
     الوجود هو ما هو كائن (l’Être et ce qu’il est). هذا ما ينبغي أن يتعلّمه الفكر المستقبليّ، ويبلغ به القاصي للدّاني، ليجرّبه ويؤكّد أنّ الوجود – ليس هو الله، ولا هو أصل العالم. الوجود أبعد من كلّ موجود، ومع ذلك فهو أقرب إلى الإنسان من كلّ موجود، سواء كان صخرةً، أو حيوانًا، أو عملًا فنيًّا، أو آلةً، سواء كان ملاكًا أو إلهًا. الوجود هو الأقرب للإنسان. بيد أنّ هذا القرب يظلّ الأبعد بالنسبة إلى الإنسان؛ فالإنسان متعلّق، أوّلًا ودائمًا وفقط، بالموجود.
     النّتيجة الآن هي أنّ الوجود ليس هو موجود، و لا هو موجود بين الموجودات.
     وجود الموجود – هو ما يجعل كلّ هذه الأشياء وهؤلاء الأشخاص موجودين. إنّه لا يتطابق مع أيّ من هذه الموجودات، و لا حتى مع فكرة الموجود بشكل عام، و بمعنى ما، فهو لا يوجد، وإذا وُجد، فسيصبح موجودًا بدوره. وهكذا أنتِ!
     لمّا كان الوجود فيكِ وحدك، صرتُ أكثر انتقائيّة بشأن وجود الأشياء، حتى كدت لا أصبغ شيئًا بكنه الوجوديّة إلّا من خلال وجودك فيه أو من حوله. فكلّ لا قيمة فيه ولا رجاء منه، إلّا إذا تقاطع فراغه الباهت مع وجودك السّاطع، فيتطوّر نحو الوجود. وكأنّك تسكبين، بكرم معهود، صفة الوجود على الموجود، وصفة الموجود على الوجود، وكأنّ الموجود يستمدّ قوّته الحقيقيّة من وجودك في محيطه، أو وجوده في محيطك بالأساس. 

الارتقاء والنشوء:
       
إذا تكوّن عقلي بدون عقلك، فمن أين يأتي الفكر؟!
إذا تكوّن جسدي بدون جسدك، فمن أين يأتي الحبّ؟!
إذا تكوّن دمي بدون دمك، فمن أين يأتي الامتزاج؟!
إذا تكوّن قلبي بدون قلبك، فمن أين يأتي النبض؟!

 
إشكاليّة العدم:
     السبت 25 أغسطس/آب 2007، 14:44 GMT.
بي.بي.سي.: العلماء يعثرون على "العدم الكونيّ."
     منذ بارمنيدس في القرن الخامس قبل الميلاد، حدثت تعلّقات متفائلة بإمكانيّة عالم فارغ، في نفس الوقت التي حدثت فيه انقسامات، حول إذا ما كانت هناك فراغات، وطبيعة العدم والسلب. هذا السؤال أدرجه مارتن هايدجر كأهمّ مدخل أساسيّ إلى الفلسفة. لماذا نتوقّع لا شيء بدلًا من شيء؟ لا تجربة يمكن أن تدعّم فرضية ‘لا يوجد شيء؛’ لأن أيّ ملاحظة تستلزم بوضوح وجود ملاحظ.
     هل هناك أيّ دعم مسبق ل’لا يوجد شيء؟’ قد يجيب المرء بمنهجيّة أساسيّة أن يجعل العالم فارغ الأصل. كل من زعم وجود شيء وجب عليه الإثبات، والذي لم يزعم بشيء لا إثبات عليه. هذه الحروف السّوداء التي تقرأها الآن… هل تراها؟! لماذا؟! هل لوجودها؟! أم لانعدام ما حولها؟! نجمك جليّ بارز للعيان، ولا مثار جدل حول ثبوت وجودك وفناء عدمك.

     أطلانطس (
ἀτλαντὶς νῆσος) أو جزيرة أطلس، قارّة افتراضيّة أسطوريّة، أو عدميّة، لم يثبت وجودها حتى الآن بدليل قاطع، ذكرها أفلاطون في محاورتين مسجّلتين له مع كلّ من طيمايوس وكريتياس، إذ سرد ما حدّثه به جدّه طولون عن رحلته إلى مصر ولقاءه مع الكهنة هنالك وحديثهم عن القارة الأطلسيّة التي حكمت العالم يومًا ما.

      نشأ الكون من العدم نتيجة لانفجار عظيم. وقد ظهر نظام الكون المتقن الحاليّ بسبب تناثر جميع الجسيمات والقوى التي تكوّنت بتوافق ونظام هائلين منذ اللحظة الأولى لهذا الانفجار الكبير.
     أعقد مركّبات المادة هي الذرّة، والتي تحتوي على إلكترونات سيّارة سالبة خارج النواة، والتي تحوي بدورها بروتونات موجبة بالإضافة لنيوترونات متعادلة. تتضاءل التفاصيل أكثر فأكثر، في الذرّة والخليّة الحيّة على السواء، فتصير الأجسام جسيمات، والشحنات شحينات، حتى الوصول للعدم. إذن، فالعدم، نظريًا، هو الأساس في هذا الكون. الإنسان لم يأت إلّا من العدم، ومردود إليه. آنتِ العدم؟!

     على الجانب الآخر، يقول ابن حزم الأندلسيّ، الإمام البحر: "والفساد عندنا على الحقيقة افتراق الجسم على أشياء كثيرة وذهاب أعراضه وحدوث أعراض أخرى عليه، وأمّا الأجرام كلّها فغير معدومة الأعيان أبدًا بوجه من الأوجه، ولكنّها منتقلة من صفة إلى صفة كما قال القرآن: {خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} (6 الزمر 39)."
     فرضيّة العدم في علم الإحصاء (Null Hypothesis) أو HO، هي الفرضيّة القائلة بأنّ الفرق الملاحَظ بين مجموعتيّ التجربة والشاهد في العيّنة ناتج عن الصدفة، وغير موجود في الجمهرة، وتعتبر صحيحة حتى يتمّ إثبات بطلانها بواسطة الاختبارات الإحصائية.

     ألّمعدوم شيءُ أم لا؟! قيمة وجود أيّ مادة تساوي قيمة الحاجة إليها إذا ما انعدمت. أي أميرتي! عدمُك لا يقاس إلّا بالنّضير، أمّا وجودك، فلا قياس عليه!

     لكم أشتاق لاتّحادنا حتى العدم! ولكم أشتاق لتشقّق الشفاه القرمزيّة! وجفافها المزريّ بعد نوبة حبّ مطوّلة بطعم الشعير! ونزوة! وشعلة! واشتباك سكريّ طويل المدى مع لسانك وبين فكّيك! لكم أشتاق للانعدام بين ساقيك! أو الغرق في ضوء عينيك! أو التّحلّل في حرارة حنينك! لكم أشتاق للتّمذهب بعقيدة حبّك! و التّحرّر بموسيقى نهديك! فكلّ من العدم ومردود إليه. فليتماهى وجود عدمي مع وجود عدمك! وليُنشئا باتّحادهما دينًا جديدًا؛ لتضفي عليّ بعض ما أوتيتِ من علم!


    
مدافن الأحياء؛ مقابر أهل العشق ابتغاء مرضاة الملّة. 1370 هـ.


الارتقاء
والنشوء:
إذا تكوّن فكري بدون فكرك، فمن أين تأتي الحداثة؟!
إذا تكوّن هوائي بدون هوائك، فمن أين يأتي الاندماج؟!
إذا تكوّنت روحي بدون روحك، فمن أين يأتي الهوى؟!
إذا تكوّن تبسّمي بدون تبسّمك، فمن أين يأتي الابتهاج؟!
 

إشكاليّة الميلاد:

     يختلف
المؤرّخون حول تاريخ ميلاد عيسى، بينما متفائلون آخرون يجزمون بأنّه لم يكن هناك مسيحٌ. لا يهمّ حقًّا، فأنت هنا… الآن، وهذا يكفي! لا تهمّ الحقائق، فمعظمها مزيّف، ولا يهمّ التاريخ، ولا السّاعة، ولا الأيّام، ولا غصون الأشجار الغضّة. ما يهمّ وما هو حقيقيّ أنّك موجودة بكيانك وكينونتك.

     هل ميلاد عيسى يستحقّ أن يؤرّخ به العالم؟! وماذا عنكِ؟! أريد أن أُمسك الوقت الذي ولدتِ فيه، علّي أحلّل خصائص كماله.
     4: 4 في البداية كنت أنت.

     نحن نُولد ثمّ نموت، وبين هذه وتلك، يولد آخرون ثمّ يموتون، وهكذا دواليك حتى لا نهاية في حلقة مفرغة من العبث المضنيّ، فلا من عاش ثمّ مات بقى، ولا من يعيش الآن سيبقى للأبد، وإن بقيت كلماتي لبضع سنين، فمآلها في النّهاية معروف مسيقًا ولا مبالٍ – الموت. ولمّا كانت هذه العبثيّة المسليّة تفتك بالكون فتكًا، فلا أحد يعرف سبب وجودي أو وجوده؟

     كلماتي ما هي إلّا منك وإليك، فكلماتي داخَلتْك وداخَلْتيها مثل مياه عذبة على ضفّة خليج العقبة، مثل الصّخرة التي تحاصر المنحوتة، مثل المقطوعة التي يكمن بداخلها الإحساس، مثل المرآة التي تتربّعين داخلها أنت. أنت الكاتبَ والشاعرَ والفنانَ، وما أنا إلّا متلقّي كطبق ستالايت أبيض، يفرج ساقيه ويحتذي الهوى؛ ليلتقط الإشارات، فيبعث صورًا مرئيًّة عالية الجودة والوضوحيّة.

     هي ليست إشكاليّة ميلاد، بقدر ما هي إشكاليّة هويّة بالأساس، فأنا أهواكِ، ومعك وُلدت، فصرت ثملًا بكليهما – بك وهواك – حتى صرت أتحسّس الأشياء بأيدٍ مرتجفة، متخبّط الحواس، أهَواك سبق ميلادي أم ميلادي بُعث من هواك؟!

    
أربع وردات برتقاليّة فاقعة، وأربع كرات آيس كريم مثلّجة في وضح الرّبيع، وأربع ساعات من الولع المحموم، العلامة الرابعة مارقة، والغرفة الرّابعة حارّة، وآمال زيتيّة ساطعة.

     تجرّدي من أعباء التّاريخ، والزّمن، والعالم، فاليوم يحملنا لتعيين مدّة بقائك على الأرض حتى الآن، أو بقاء الأرض بك على أقلّ تقدير. كلّ عام وأنت أقوى… فالسّلام والخير لا يعنيان شيئًا للضّعيف، ولكن فقط للقويّ، للإنسان الأعلى، مثلِك.

الارتقاء والنشوء:
فإذا نشأتُ أنا بِلاك، فلما تلك الحياة؟!
وإذا كنتُ ولم تكنيني، فهل أنا موجود حقًّا؟!
فإني لم أكن لِأُخلق لأحد سواك!
فإذا لم تأتِ أنت، فهل أتي أنا؟!
                                                     أحمد زيدان
* اللوحة "الفتاة مع الوردة في حضرة الشّمس" هي للرسّام الألباني آجيم ميتا، وهي إنتاج عام 2006.
Advertisements
هذا المنشور نشر في سوريالية. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to أربعة أسفار من توراة العاشقين

  1. Hitham كتب:

    يأبني أنت أسطوره جرب تنشر كتاب فيه كل الكلام ده

  2. Ahmed كتب:

    Thanks Hitham.Regarding publishing. There\’s still a long way to the book road, my friend.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s