جنسُ الصّباح

أبوللو يلعب القيثارة                       
 

     أستيقظ من نومي، أكُنتُ في حلم رائع؟! أُغمض عينيّ مرة أخرى، لا أريد أن أستيقظ الآن. أريد أن أعود أدراج حُلمي الشهوانيّ… يتقلّب هو فتُصدر أنفاسه بريق الملوك، وهو بين النوم واليقظة. لا، لم أكن أحلم. الآن أسمعه بتخفّت، أسمع نبضات قلبه التي تعزف على قيثارة الإلهام، فألتفّ نحوه بميكنة مغناطيسيّة لا إراديّة. فهو قوة جذب كامنة تلتقط كلّ شيء وأيّ شيء. من ذي التي لا تهواه وتتمناه بين يديها مثلي أنا؟! ألمسه برفق وحذر بالغ، فإنّي أخاف على جلده الزجاجيّ الهشّ ألّا يحتمل لمساتي النهمة. نعم أخاف، وأحب مبالغتي في حبي له. إنّه حقيقة، ما أنعمها الحقيقة! أقبّله، وأنا بين النوم واليقظة. يفتح جفنيه… إلهي يستيقظ من النوم… إلهي يشرق وينثر النور من بين أسنانه اللؤلؤ… المجرات تتحرك في فلكها الصباحيّ… إلهي يبتسم… يا إلهي! إن ابتسامته الصّباحيّة لهي كفيلة بأن تنهي يومي. أنا راضية مرضيّة الآن فقط. وقد أعيد كرّة النوم كلها ثانية حتى أنعم بهذه الابتسامة ثانية، وإلى الأبد في مشهد سيزيفيّ يستعيض عن الآلام بالمتعِ.

     أمضغ علكة النعناع وأسلّمها له بين شفتيه دون أن تمسّها يديّ أو يديه. فحبّنا المعقّم المترف يهلع الميكروبات الغير مرئيّة. وهذه هي الطريقة الوحيدة الآمنة بين كل طرق الأكل المشتركة. فهذه شروط اللعبة، كيف أناوله العلكة بدون استخدام اليدين؟! لنا نحن في ذلك دروب شتّى. وقد تُستبدل علكة النعناع بأشياء أخرى كثيرة ليست على سبيل الحصر، مثل قطعة شوكولاتة، حبّة فراولة، دخان سجائري المفضّلة، أو حتى رشفة بيرة خضراء من لسانه الكريم.

     بلا أدنى اتّفاق ضمنيّ أو شفهيّ مسبق، يستعيد جسدينا الحرارة سريعًا، ففي حضرة الحبيب، أكون موصّلة ممتازة للحرارة. فنحن لا نؤمن إلا بشفهيّة القبلات الحميميّة، ولا نحتفظ وعودًا ضمنيّةً تثقل عاتقيْنا. فالحب يطغى على كل هذه الأكاذيب الملوّنة. وهذا يتجلّي في استهلالنا لجنس الصباح المضّرم كغابة أفريقيّة. إنه مثل نوبة استكمالية لما كنا قد بدأناه من قصص في ليلة أمس. وهذا يتأكد بأن هذا النوع من الجنس الصّباحيّ لا يعرف ألاعيب التمهيد. فلقد سلكنا طرقًا عدّة في الجنس ليلة الأمس على ضوء الشموع، وموسيقى الآورجازم، وزيوت التدليك. واستبدلنا الأدوار والأوضاع، حتى بدت الأوضاع المعروفة للعالم خارج هذه الغرفة ضئيلة مقارنة بما أبدعناه.

     يعتليني في وضعيّة المبشّر الكلاسيكيّة. فبعد أن تكون قد خرجت في الليل عن كل ما هو مألوف من أثر الحب والثمالة والترنّح، فلا يجدر بك إلا أن تحاكي القدماء في الصباح. ليس فقط من قبيل الاستعداد لروتينيّات الحياة اليوميّة. بل حتى نستطيع أن نعود لأورثوذوكسيّة العالم الخارجيّ المملّة بعد ليلة هرطوقيّة ماجنة كلَيلة أمس.

     يداعب ثدييّ، وهو بين النوم واليقظة، بيدين ناعمتين كطفل. لقد حفظ جسدي، وهو على أتمّ استعداد لامتحان مادة المرأة التي أكونها. بينما أنا في مقدوري أن أرسم لوحة له من خيالي بحجم العالم والناس والوجود، أُبرز فيها كافة تضاريس جسده البانوراميّة المتألّقة. ما أجمل حبيبي في الصّباح الباكر هذا! وما أقدس هذا الطقس الصباحيّ على مذبح ذكريات الليلة الماضية!

     أغسل أسناني، بينما يتبوّل هو. ألتفت لمراقبته. أضحك. ينظر لي؟! لما لم تتبوّل حتى الآن؟ لأنك تضحكين. وما العلاقة؟! لا يجدر بهذا العالم التافه أن تُضنين نفسك مشقّة البحث عن علاقة بين كل متلازميْن! أنت محقّ ولكن ما العلاقة جدّ؟! العلاقة أنّي… أنّي… يأتي من خلفي… يحملني بقوة فارس… يلقيني برفق في حوض الاستحمام… أتأوه متدللة… يفتح ساقيّ بشراسة… ينهمك في مضاجعتي ثانية… أستسلم… تطرف عينيّ مع إيقاع أنفاسي المتهدّجة، ممسكة بالوجود تارةً وبالعدم تارةً أخرى… أرفع رأسي شاخصة لمنظر نشاطه الذكريّ المحموم… يبلغ كلانا الذروة… يعصر ثدييّ… أصرخ… أقبض على طرف الحوض… تنتابني لذة الذروة الخاطفة كموسيّ يسلخ جلد مهبلي برقة وعنف معًا… أقشعرّ… أنقبض… أترك رأسي تتهاوى على الحائط من فرط النشوة والخمول اللحظيّ ما بعد الجنس… أطلب سيجارة… يقوم متثاقلًا، فيناولني واحدة… أشعلها… أكوّن سحابات بيضاويّة في الفضاء المبخّر… الأبخرة تكتب اسمه على المرآة بأحرف ساخنة… أطفئها في المرحاض. نستحمّ سويًا تحت رذاذ المطر الدافق كماء الحياة في ضحك ومرح وصخب. دائمًا ما يحب أن يهمس في أذنيّ، مع أننا بمفردينا في الشقة كليّة… أضحك كامرأة لم تضحك منذ طوفان نوح.

     القبلة البريئة تعلن صباح الخير حبيبي، وتأذن لكلينا بالانصراف. أنطلق لعملي، أتصفّح الصحف غير عابئة بأحوال العالم. وأثناء مداعبتي للأوراق أحسبها جسده الأبيض البضّ الذي يعتقل دمه القرمزيّ الناضح في كل بقعة من بقاع جسده الطاهر، ذا رائحة العنبر، وملمس المخمل، وفي مخيّلتي شريط سينمائيّ يحكي قصص جنسِ الصّباح… أحتسي القهوة مبتسمة دون سبب ظاهر إلّاه… أين هو الآن يا تُرى؟! إن فمه يشي برائحة الشعير في محاضرة طب النساء والتوليد على الأرجح.

                                                    أحمد زيدان

     *أبوللو يلعب القيثارة أو أبوللو قائد إلهات الإلهام هو تمثال غير معلوم الأصل، يقال أن فيليسكس الروديسيّ هو من نحته في القرن الثاني الميلاديّ. والصورة توضح تفصيلًا نادرًا من التمثال البديع الذي يوجد في متحف كابيتوليني، روما. اكتُشف التمثال الضخم المصنوع من الرّخام أولًا في مانتوا، إيطاليا. وهناك نسخ كثيرة منه في والفاتيكان، وباريس، وبرلين، وميونخ، وإسطنبول. بحيث لا يعرف أحد أيّهما الأصليّ، لأن التواريخ بشأن نحتهم غير محددة البتّة.

     أمّا أبوللو، فهو أهم الآلهة الإغريقيّة والرومانيّة، وهو إله الضوء والشّمس، الحقيقة والنبوءة، الرماية والحراثة، الطّب والمداواة، والشّعر والرّسم.

Advertisements
هذا المنشور نشر في سوريالية. حفظ الرابط الثابت.

7 Responses to جنسُ الصّباح

  1. nana كتب:

    بجد يا احمدقمة الابداع

  2. Ahmed كتب:

    شكرًا لكما: – )

  3. Hitham كتب:

    رائعة هذه الكلمات … احساس مؤثر للغاية

  4. Ahmed كتب:

    Thanks for everyone who commented.:- )

  5. Mai كتب:

    i love it fe3lan..magnificence baby!

  6. Ahmed كتب:

    ثانكس ليدي…

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s