رباعيّة چوني ووكر

                                                Johhnie Walker as the Vitruvian Man - Ahmed Zidan

     لمحته من خلال نافذة الغرفة المطلّة على الحديقة، يرتقي صخرة القلعة ببطء حثيث، وقت بدايات تزحزح الشمس عن كبد السماء، حينما أسمح لنسمات آواخر النهار أن تتخلّلني كشبح من خلال ثيابي الربيعيّة الخفيفة. توقّف بعد اجتيازه بوابة القلعة الحصينة، فكبَح فرسه السوداء المدلّلة في مربط الفرس الداخليّة على يمين البوابة السوداء الضخمة، ثمّ دخل في عِزّة. إنّ مشيته الساحرة، و كأنّه يثب، لا تشي أبدًا بربيعه الرابع و الأربعين. طرق باب غرفة 4 في قلعة إدنبرة، التي تقع على جرف المدينة القديمة تمامًا، طرقًا خافتًا كمزيج بين الموسيقى و الصمت، فقمت في إثره، و فتحت الباب لأستقبله في لباسه الفاخرة المعهودة؛ قبّعته و أربته الفراشيّة و بوطه الذين كساهم السواد جميعًا، معطفه الأحمر الطويل، و سرواله الأبيض المُجسِّم الزاهي. أسند عكّازه السوداء ذات القمّة المكوّرة تحت المرآة، و خلع قبّعته تحيّة للأميرة و لي، التحيّة التي عبّرت عن مزيج من الشوق و اللهفة. أخرج زجاجة كبيرة من معطفه و وضعها على أرضيّة الغرفة على مقربة منّا، و من ثمّ اتّكأ يجلس قبالتنا على الفراش الورديّ الواطئ. كنّا ثلاثة قبلما ظهور زجاجة الويسكي المعتّقة منذ السّنة الثّامنة قبل الميلاد، الزجاجة الأنيقة الموسومة بالعلامة السوداء الأصليّة، حيث يضرب فيها الويسكي ألوانًا شتّى من البنّي الفاتح للداكن. الآن نحن أربعة. أفصح چوني للمرّة الأولى عن صوته الخفيض آنما كان يهمّ بصبّ الكؤوس بابتهاج مرِح فقال، “واجهت بعض الصعوبات أثناء عبوري نهر كْلَايد، إنّه يعجّ بالإنجليز، و لكنّي عبرته علي أيّة حال.” ثم استطرد عابسًا بعد مِلء أوّل كأس، “لقد عدت لتوّي من حفل تأبين الوحدة و الفراغ.” شربنا في نخب اللاوحدة.

     دائمًا ما أحبّ الأرقام الزوجيّة لأنها دافعة نحو الكمال و القوّة، بعكس مثيلاتها الفرديّة الباعثة على النقص و الضعف و العزلة. انتقلت في إثر هذا لاستنتاج آخر، و هو ابتهاجي الشديد برقم أربعة، ليس لكونه رقمًا زوجيًّا كاملًا فقط، و لكن لكونه و مضاعفاته (4، 8، 12، 16 …) هم الأكمل على الإطلاق بحيث يعطي أيّ منهم نصفين زوجيّين كاملين عند قسمته على الرقم اثنين، و كأنّها دائرة لا نهائيّة من الكمال، بعكس الأرقام الزوجيّة الأخرى (2، 6، 10، 14 …). و بُعيد هذا الاستنتاج صرت انتقائيًّا أكثر، فهوسي لم يعد بالأرقام الزوجيّة الاعتياديّة، و لكن بالأرقام الزوجيّة من مضاعفات الرقم أربعة فقط. لقد أصَبت بحمّى الرقم أربعة، و كأنّ الهوس ألقى بظلاله عليّ، فهو يطاردني مطاردة لطيفة حتى صرت لا أرى من الأرقام إلّا هو، فصار وعيي بالأشياء و الأرقام على السواء يحلّل أيّ شئ و أيّ عدد لعدّة أربعات، و من ثمّ يستأنف الحكم عليه، فإن كان عدد الشئ يتحلّل ليعطي عدّة أربعات كاملة، أخذ عقلي في تصنيفه على أنّه عدد مثالي، و إن لم يكن، اهتاجت حواسي و سلبته صفة العدديّة بلا رجعة و لا شفقة، بل و صار تعريفًا جامعًا للنقص و الشلل، حتى صار عقلي لا يحوي إلّا مضاعفات الرقم أربعة فقط، فصرت أتعقّب آثاره كمن أصابه مسّ. إنّ استنتاجاتي الخاصّة بخصائص الرقم أعطتني انطباعًا بأنّه الرقم الكامل، بينما الأرقام كلّها في النقص تتخبّط حوله. وفقًا للتحليل نفسه، وجدت نفسي أنجذب تلقائيًّا لأشياء لم يلحظها عقلي قبلذاك؛ مثل السنة الكبيسة التي تأتي كلّ أربعة أعوام لتجمع شُتات أربعة أرباع في يوم يزيد فيها عن السنوات الثلاثة العجاف الأخريات للمحافظة على سنة التقويم متزامنة مع السنة الفلكيّة، و كأنّ الرقم يتنزّل ليهب سكان الأرض الحياة كلّ أربع سنين، تكريمًا للسنة الكبيسة الكاملة التي تتكوّن من ثلاثمائة و ستّة و ستّين يومًا بالتمام و الكمال، و هو العدد الذي يقبل القسمة على أربعة بدوره. انجذبت أيضًا، و بشدّة، لزجاجة الويسكي الاسكتلنديّة الثّمينة، ليس لكون صانعها الأوّل هو من أتى بها إلينا تكريمًا لنا، و ليس أيضًا كونه جالس قبالتنا على نفس الفراش، بل و ليس أيضًا لجودتها أو أصالتها أو علامتها السوداء فحسب، و لكن لكونها تعتّقت في اثنى عشر عامًا بالتمام و الكمال، العدد المكوّن من ثلاث أربعات كاملة، و مثل زجاجة الويسكي هناك أشياءًا أخرى جميلة ليست من قبيل المصادفة، مثل يهوه، الاسم العبرانيّ الرباعيّ للإله، السمفونيّة المكوّنة من أربع عبارات، فصول السنة، أحماض الكّائن الحيّ الأمينيّة المكوّنة من أربع قواعد كيميائيّة، ساعات اليوم الأربعة و العشرين، شهور السنة الإثنى عشر، الدزينة من الشئ التي تساوي اثنى عشر أيضًا، و أشياء أخرى كثيرة لا حصر لها اكتنفتها الرقم أربعة و مضاعفاته بكرم بالغ.

     كان ينظر لنا من حين لآخر ليبادلنا ابتسامة من محيّاه الأبيض المستدير. أفضى الكأس عن آخرها في حلقه، و اعتدل في جلسته قائلًا، “لقد كتبت رباعيّة لسموّ الأميرة.”

     الرباعيّة ما هي إلّا زوجان اثنان، و جوزائيّتنا سويًّا ما هي إلّا رباعيّة خالصة من حاصل ضرب الرقم اثنين في نفسه. اثنان هو الرقم الزوجيّ بدوره، و هو نصف الرقم أربعة. اثنان، المعبّر عن الحميميّة و السريّة. اثنان: الأمان و الامتنان. اثنان الذي يساوي زوجًا واحدًا مفردًا. شئ جدّ غريب، بل يكاد يكون الأغرب لغويًّا على الإطلاق، و هو أن تعبّر كلمة “زوج” عن مثنّى، مع كونها ليست من المثنّى في شئ. إنّها ليست مثل كلمات من نوعيّة “مجموعة” أو “جماعة” اللتيْن تعبّران عن جمع مجرّد لا حصر له رغم مفرديّة كلمتيهما، و لكن كلمة “زوج” على العكس من ذلك هي كلمة مفردة تعبّر بالتحديد عن الرقم الزوجيّ اثنين، اثنان لا ثالث لهما. حالما استخدامي لفظة زوج، فأنا لا أبتعد كثيرًا عن فلسفتي الفرديّة، و لا أبتعد في الآن ذاته عن شيوعيّة الحبّ، فكلمة زوج مثيرة للرغبة، و عندما يرغب الفرد أن يتحوّل لزوج، فهي لا تعني إلّا رغبته الحارّة في الجنس، بل و الرغبة القويّة في التخلّص من كلّ شئ إلّاه. الجنس بوصفه أداء و أداة؛ أداء عقلانيّ روحانيّ رياضيّ ينشد المتعة، و أداة حافظة للذكريات تنشد الكمال. أداة عمليّة، لا تعبّر بأيّة حال من الأحوال عن علم الرياضيّات المجرّد، أداة تجمع فردين ليصبح مجموعهما زوجًا واحدًا، واحدٌ أحدٌ. و لتكن أداة الجنس هذه، إبان حركاتها المتحرّرة، تضرب بكلّ قواعد المنطق ضربًا بيّنًا، فهي في جمعها لفردين أثناء الولوج تعطي الرقم واحد، الواحد الذي تُحلله عند الخروج ليرجعا اثنين كسيرتهما الأولى، و كأنّه بيان ضمنيّ عن مدى قوّة الفرد المفرد، حتى في أعتى لحظات المتعة الجنسانيّة على الإطلاق لدى كافّة الكائنات الحيّة. فلا يتمتّع الزوج إلّا لكونه فردًا، أو بمعنى أوضح لا يرتقي ذروة المتعة بغير أن يرتقي مرتبة الفرد أوّلًا. زوج جمعهما الجنس ليوحّدهما في عدد أقلّ، و لكنّه يُزيد من قوّتهما. و كأنّ الجنس يثبت عمليًّا على أنّ الكمال يكمن في الفرد لا في الجماعة. لمّا كانت أداة الجنس تجعل من الإثنين واحدًا، فهي أداة مساعدة للإرتقاء نحو الكمال. الكمال قوّة كامنة في كلّ فرد منّا، و الجنس ما هو إلّا الأداة المساعدة للإرتقاء لمرتبة الكمال. إنّه الكمال الجنسانيّ.

     الكمال عند أرسطو هو من لا جمع له و لا مفرد منه، أو من لا قبل و لا بعد له. و عند كانط هو الواقع كليّ الوجود. و عند إقليدس هو أرقام زوجيّة معيّنة تتكرر بتتابع معقّد وفق صيغة محدّدة. و عند أفلاطون لا وجود للكمال، و لا حتى في فكرة الإله، و قد اعتبر بعد ذلك، على ضوء افتراضه المسبق، أنّ ابتغاء الكمال هو الكمال في ذاته. و عند بويل أيضًا لا وجود للكمال، و لكن من جهة علميّة بحتة؛ كون الغاز المثاليّ هو غاز افتراضيّ لا وجود له إلّا في النظريّات المجرّدة لدراسة خصائص الحجم و الكثافة و الضغط المثاليّة. و عند سپينوزا هو وجود الحقيقة المجرّدة بوصفها ماهيّة الأشياء. و عند نيتشه أنّ ممارسة الفرد لمشيئة القوّة تجعله كاملًا، هذا كما ارتأى له بجانب جوته، سپنسر، و داروين أنّ الحقيقة تكمن في الإنسان الأعلى كتطوّر طبيعيّ نحو الكمال. على صعيد الفن، فإنّ دافنشي رسم مخطّطه التاريخيّ المتماثل الرجل الفيتروفيّ أو شريعة الأنساب؛ ليوضّح كمال أنساب الجسم البشريّ بالنسبة للدائرة و المربّع، بإيعاز من كتابات فيتروفياس، و الذي كان يرى أنّ الكمال هو ما لا يعوزه شئ و لا يُزيده شئ، أو ما يُبنى عليه كلّ شئ و لا يُبنى هو على شئ. لا أعلم أنا ماهيّة الحقيقة و لا كنه أبعادها و لا مدى هَول صدمتها، و لكن بعيدًا عن الدائرة التي تمثّل الكمال الهندسيّ، و الذهب الذي يمثّل الكمال الكيميائيّ و الصناعيّ و الاقتصاديّ، و الرقم الذهبيّ الذي يمثّل الكمال الجماليّ و الفنّي و الرياضيّاتي، و الرقم أربعة الذي يمثّل الكمال الحسابيّ، فإنّي أعتقد، رغم كلّ هذه الآراء التي تتراوح بين تجريد الكون من الكمال حتى وجود الكمال المطلق في كلّ شئ، و بين عزوّ مفهوم الكمال لفكرة الإله حتى نزعها منها تمامًا، أنّ في الحقيقة كمال. لقد رسم دافنشي لوحة الرجل الفيتروفي عام في 1492، السنة الميلاديّة الكبيسة الكاملة.

      تحدّثنا حول أحوال الرعيّة و الخدم و الحشم، و التقطنا خيوط الحديث حول المعركة الأسطوريّة المشتعلة في طروادة، ظهور مسيحِ يتكلّم في المهد ببيت لحم في أورشليم، علاقات المملكة المضطّربة مع انجلترا، و حروب الفرس و الروم الدائرة رُحاها في الشرق الأوسط الكبير. سطَلَنا الويسكي فصرنا نتغنّى بكلمات عذبة. استأذنها چوني بتأدّب جارف أنّ يتحدّث، فأومأت له أن ابدأ، فقال، “أيّتها الأميرة الاسكتلنديّة الفاتنة…” و توقّف قليلًا كمن مقبل على قرار حاسم، ثمّ تحدّث بتطلّع و كأنّه ينشد، “ليتني أقدّم لك قرابين الطاعة و الولاء جميعًا،” و همّ بصبّ ثلاثة كؤوس و قد طالته الثمالة كما طالتنا أيضًا، فألقت بظلالها الخفيفة على لعثمة ألسنتنا، و لكنّها لم تعقّدها عن الجمال على كلّ حال. استطرد الرجل الطويل، حليق الذقن ذو الشعر الكثيف، يغازل الأميرة، “اتركيني كيما أتأمّل جمالك الذي لا أظنّ أنّ فيه من حوّاء أو هيلانه، فأيّ منهنّ لم تتخطك سحرًا وفتنةً. لم أرهنْ، و لا أتطلّع لرؤيتهنْ بعدك على أيّة حال، فأنت المتمم لما قبلك.” ثم حملق في الفراغ لبرهة و استكمل ما قد بدأه من الغزل الجميل، “جسدك البارز مُحكم التّفاصيل كرسم فرعونيّ قديم، بياضك المثير المتعالي كجبال الآلب، شعرك الأسود كليل روما، شفتاكِ الضاربتان لحمرة الشّبق و الغسق معًا، رقبتك الثخينة دقيقة التطريز كقنينة عطر، خصلاتك المتهدهدة على كتفيك كمسرحيّة من العهد القديم، صدراك المصدّران الأوّلان لموسيقى الولع، و ما بينهما كما بين الصفا و المروة، حلمتاك المتثبّتتان كمرمرتين على لوح مرآة لامعة تفاصيلها، فخذاك المتأيقنة عليهما كتابات غير مقروءة إلّا للراسخين، ردفاك كبرجين قديمين على مرفأ مدينة الأسكندريّة، و ما بينهما كسجن الباستيل، حيثما هبّت شرارة ثورتي الأولى، أصابع يديك كسيوف الملائكة المسوّمين، و آثار قدميك على الرمال مشهود بتماثلها مع أقدام الأنبياء. متى تنزّلت عليك الرسالة؟!”

     قد نستثني رقم واحد الأبيّ من كرهي القديم للأرقام الفرديّة؛ أوّلًا، كونه يفقد خصّيصة أصيلة في الأرقام الفرديّة و هي فقدانها للكمال الذاتيّ و بغيها الأزليّ نحوه؛ لأنّ الواحد كامل في ذاته، فكأنّه بمنأى عن الأرقام جميعًا، فهو الكامل، و الأحد، و الأوحد، و المتوحّد، و الفرد، و الوجود، و العدم، و الحبّ، و الجنس، و القوّة، و التّطوّر، و النجاح. ثانيًا، لأنّ للأوّل دائمًا بريقًا لا يضاهى، فالمركز الأوّل هو أكثرهم قوّة، و الترتيب الأوّل هو أكثرهم ذكاءًا، و التصنيف الأوّل هو أكثرهم إرادة نحو التفرّد، و حتى في ورق اللعب، فالواحد أو الحرف اللاتينيّ Aهو دائمًا ما يمثّل الورقة الأعلى و الأكثر كمالًا بين أوراق اللعب المختلفة كونها المبتدى و المنتهى، و كونها الورقة التي ليست قبلها بداية و لا بعدها نهاية، فورقة الواحد هي القوّة الغاشمة فوق ورقات الملك و الملكة و الأمير، في إسقاط لا يقبل التشكيك على قوّة الفرد في مواجهة الدين و السلطة و الفساد، و لكن كم منّا يولي فرديّته هذه القوّة الأنانيّة الكامنة؟! كم منّا يستخدمها للتفرّد و الإبداع؟! كم منّا يستغلّ قوّة الفرد الفارقة التي لا تتزحزح و لا تقبل المساومة؟!

     ابتسمت الأميرة تقديرًا لكلمات چوني، فابتسم هو بملء فيه في المقابل، و هبّ واقفًا غير متزنٍ من أثر الثمالة، ثمّ أدخل يده اليمنى ببطء في جيب سرواله و أخرج بعض الوريقات الصغيرة. انتقى منهم وريقة مربّعة، و ما لبث أن أعاد البقيّة لجيب سرواله مرّة أخرى، قَلّب الورقة و عدلها و دعك عينيه بيده اليسرى، ثمّ همّ بالقراءة بصوت شعريّ رقيق؛
“أميرةُ السما و الأرض الطاهرة،
حافظةُ اسكتلندا من الدمار،
أشرقتِ فهَبتِ سلامًا و حبًّا،
هواءًا و شجرًا و بردًا و نار.”

     استهللت أنا في تقبيلها تقبيلًا حارًّا اختلطت فيه أنفاس الويسكي بدخان غليون چوني البنّي، و التي لعقته لإثارتنا فوق إثارتها التي لا تقاوم. وضعتُ يديّ على مؤخّرتها الكبيرة باشتياق لكلّ منحنى أملس من منعطفاتها الخطيرة كملحمة، حينما كان جوني يخلع عنها قميصها الأبيض الشفّاف. أخذ هو يضمّ ما بين صدريها الكبيرين، في الوقت الذي كنت ألعق أنا فيه ما بين فخذيها بحالميّة متأنيّة، و من ثمّ جعلت أصبّ من كأسي على فرجها فأشربه من خلالها، الويسكي الذي أرجعت حرقته اللذيذة لكونه يمثّل الويسكيّ المهبليّ، صرت أصبّ و أشرب حتى الثمالة التي وطّدتها رائحة مهبلها الناعمة، بينما كان چوني يلعق حلمتيها كطفل. استبدلنا الأماكن، فأخذ جوني مكاني، بينما هِمتُ على وجهي أنا بين صدريها اللذين تذكّرت معهما معارك الملك سليمان… أكانت بلقيس؟!

     دائمًا ما أتذكّر بحنين أوّل مرّة مارسنا فيها الحبّ، كان يوم السادس عشر من الشهر الرابع. إنّ أعراض مرض الرقم أربعة الجميل تخيّم على ذكرياتنا. العدد ستّة عشرة له وقع جدّ ساحر، فهو فقط الذي يحوي أربع أربعات كاملة مكتملة، إنّه الكمال الأسمى في عقد أرقامنا الخاصّة، فالعدد ما هو إلّا حاصل ضرب الرقم أربعة في نفسه. بل أنّ العام السادس عشر أيضًا من العمر يحمل معه بدايات الحُلُم. هذا اليوم بالذات كان لنا بدايات حُلْم أيضًا، حُلْم أشبه برباعيّات الخيّام، و لكنّه من تأليفنا و تلحيننا و تعتيقنا و إنتاجنا، إنّها رباعيّة حصريّة كلَيلة حُلْم منتصف العمر.

     هممنا بالوقوف أنا و چوني، و هي على ركبتيها بيننا تلعق قضيبينا، لا أستطع وصف نهمها في لعق قضيبينا بأكثر من أنّه كان نهم مهتاج بعد سنين طوال من العطش الجامح. أخذَتْ هي رشفة طويلة من الويسكي المرجِف مذاقه، و وقفت بيننا، حينها أمسكتْ هي بأيري ليضفي في مهبلها حُرقة الحاضر في امتزاج مثاليّ لرباعيّتنا؛ فكنت أنا داخل مهبلها، بينما چوني يطأ دبرَها، بينما الويسكي في فيها. استلقى چوني على ظهره، بينما في وقوفها هي على الفراش منفرجة الساقين فوقه قبل انغماسها في وضعيّة الفارسة، ذكّرتني بلوجو جوني الماشي على الزجاجة الشفّافة، و هو اللوجو الذي يشهد انفراجة قدميّ چوني، أثناء المسير، بمقدار أربع و أربعين درجة. لم تأخذ ثوانٍ حتى كانت ترتاده هي هبوطًا و صعودًا، و إبان ممارستهما الحالمة، في أثناء دعكي لأيري بكفّ يدي اليسرى، أخبرنا الرجل، ضخم الجثّة، أنّه على وشْك إطلاعنا على سرٍّ خاصّ بمنتجه، و هو أنّ الورقة السوداء، و أشار بسبّابته، بينما ثابتة هي على وتده ناظرة، التي تُطبع عليها اسم و علامة الويسكي، تأخذ زاوية مقدارها أربعة و ستّين درجة على الزجاجة المربّعة الشهيرة، و الرقم ما هو إلّا حاصل ضرب أربعة في ستّة عشرة. و لمّا أذهلتني دقّته الحادّة في علمه الجامع و في ممارسته الجنس الجامحة، جرفني الشوق المجنون للأميرة المثيرة، فاتّجهت قبالتها منفرج ساقيّ كيما تلعقُ لي قطرات عرق تجمّعت بين فخذيّ و تحت أيري من مناطق مفعمة بالجنسانيّة و الحسيّة، و من ثمّ انسجم ثلاثيّتنا ثانيًا؛ هي فوقه، و أنا داخل فمها المتألّق بالشهوة.

     لم يكن اليوم هو الأربعاء من الشهر الرابع من العام الرابع الميلاديّ فقط، بل كانت الساعة توازي في أيّامنا هذه الرابعة عصرًا تقريبًا، بحيث يعطي مجموع أرقامهم ستّ عشر. الساعة الرابعة عصرًا هي ساعة ساحر بدورها، ليس فقط لاحتوائها على الرقم أربعة، و لكن لكونها الساعة الوحيدة بين الإثنتي عشرة ساعة المسائيّة الذي يعطي حاصل ضرب عددهما في نفسه نفس ساعة الأربعة و عشرين الكبيرة، فالساعة الرابعة عصرًا ما هي إلّا الساعة السادسة عشرة من اليوم كلّه. احتسينا ما تبقّى من الويسكي في نخب الرقم أربعة؛ فهذا اليوم لن يتكرر ثانيًا أبدًا، و عندما نَصِف يومًا بأنّه لن يتكرر ثانيًا أبدًا، فنحن محقّين في ذلك إلى حدّ كبير، فأثناء قراءتِك لهذه القصّة الآن تقصف أنت وقتًا لن تعود أنفاسه ثانيةً أبدًا، فما بالك إن كان حدثًا رائعًا كاجتماع رباعيّتنا في هذه الرقعة البديعة من العالم في يوم مشرق و نادر كهذا، ليس لنُدرته على مستوى الحدث الأفقيّ فقط، بل و على مدار التاريخ الرأسيّ أيضًا. إنّه يوم كامل لم يَنقُصه مِلء محيطه الرباعيّ ببعض من الهوس العالق في غرفة 4، و الذي يتكثّف برائحة جوني ووكر الباعثة على السلوى و الرغبة معًا.

      أثناء ممارستنا لهذا الجنس الرباعيّ العنفوانيّ، كانت تنظر في عينيّ تارة بجنون و تُردد “أحبّك! أحبّك!،” ثمّ تنظر في عينيه تارة أخرى بفخر و تُردد “اقتلني! اقتلني!” فكان يتبسّم بتودّد، خاصّة و أنّ منتج الويسكي خاصّته كان اسمه التجاريّ الأوّليّ كيلمي ويسكي نسبة إلى مدينة كيلمارنوك أين كان يسكن و يقيم فيها بقالته ذائعة الصيت، و التي تبعد عن إدنبرة مسافة أربعة و ستين ميلًا. إدنبرة المدينة شبيهة الصور، و هو المصطلح الرومانتيكيّ الذي أطلقه الفنّان الإنجليزيّ ويليام جيلپين، و فيه يشبّه روعة طبيعة إدنبرة البانوراميّة بروعة الصورة المثاليّة المرسومة، بل و الأدهى من ذلك أنّ لفظة بانوراما ذاتها قد أطلقها الرسّام الإنجليزيّ ذو الأصول الآيرلنديّة روبرت پاركر لوصف لوحاته عن إدنبرة باعتبارها لوحات ذات زاوية رؤية واسعة المدى كي تكفي نهم متأمّل جمال طبيعة إدنبرة الساحرة بأريحيّة مقبولة. كان الويسكي يمثّل 8% تقريبًا من حجم تجارة چوني في بقالته الكبيرة في وسط كيلمارنوك، بإيْرشَيَر، جنوبيّ غرب اسكتلندا، و هذا يعدّ إضافة جديدة لتوطيد ريادة ظلّ الرقم أربعة و مضاعفاته على اليوم. چوني ووكر، رجل الأعمال الماسونيّ الشهير، يعمل أيضًا بجانب بقالته، التي تأخذ معظم وقته، في تجارة الحديد و الفحم.

     اندمجنا برباعيّتنا أيم اندماج، و تناوبنا الأماكن و الوضعيّات حتى رقبة الليل. أسرعنا وتيرة الأداء، ثمّ أبطأناها قليلًا، ثمّ توقّفنا لنقضي على ما تبقّى في كؤوسنا الفضيّة من الويسكي الفاخر الذي ذاب لوعةً من آثر التهاب جوّ الغرفة بالجنس اللاذع، ثمّ استكملنا على أضواء الشموع الجاذبة للإلهام و الخلاص. اهتجنا بحدّة مرعبة، فأخذنا نمارس الجنس بوحشيّة منشّطة للحرارة و مُسرعة للذُروة. وصلنا جميعًا لحافّة الشبق، فانتشينا جميعًا، و ارتمينا في غيبوية مسكرة لساعات طوال.

     استدعت هي هذه الصور في يوم مشمس اختلطت فيه الذكريات بالحنين للجنس، و كأنّ الجنس هو الأداة الوحيدة الجديّة الحافظة للذكريات من الضياع، و هو يتفوّق في ذلك على الكاميرات و كافّة وسائل التسجيل الحديثة؛ كونه يسجّل الأحداث في صورة ذكريات شبيهة الواقع بأبعاد ثلاثيّة تمامًا. إنّ الجنس بوصفه أداة بدائيّة تقف كما هي منذ أيّام الحيوان الأولى على الأرض، لهي كفيلة بأن نكون نحن أنفسنا لسنا إلّا صورًا متعددة لنتاج نفس العمليّة. إنّ الكائن الحيّ يلهث بطبيعته الجنسانيّة في إثر لحظة الاهتزاز الأخيرة أو لحظة ذُروة الشبق، و ما نحن جميعًا إلّا كائنات جاءت لهذا الكوكب عن طريق الصدفة في أعتاب بحث مضنٍ لكائنات أخرى أقلّ عن لحظة الكمال هذه بالاتّحاد بكائن آخر بواسطة الجنس. إنّها اللحظة التي تهزّ كيان النفس الحيّة، بحيث لن يلقي، هذا الكائن الحيّ، أهميّة كبيرة، في سبيل ابتغاء هذه الرعشة بالغة الحسيّة و التعقيد، بتِبعات هذه العمليّة، فكلّ ما يعنيه أو يعنيها في هذه اللحظة بالذات هو اقتناص هذه المتعة النورانيّة بأيّ ثمن كان، و كأنّها جنّة واحدة كبرى للمتعة الخالدة يقطف كلّ الكائنات منها بلا حدود و لا إشباع. إنّ الجنس هو أداة ذكريات في الماضي، و أداة متعة في الحاضر، و أداة لاسترجاع كليهما، الذكريات و المتعة، في المستقبل.

     حينما استيقظنا في الصباح، كان چوني ووكر، صانع الويسكي الأوّل في التّاريخ، قد غادر أثناء سباتنا العميق. قرأنا رسالة منه كان قد خطّها بيمناه على المرآة قُبيل مغادرته، باستخدام ما تبقّى من قطرات الويسكي، فأعطت المرآة بعدًا داكنًا، نظرنا لبعضنا البعض و ابتسمنا لحبّ يشرق في الصباح و تعانقنا بحرارة، كانت الرسالة من كلمتين، مفادها، “واصلوا المسير!”

     – ليس من قبيل المصادفة:

* نُشرت هذه القصّة لأول مرة في اليوم الحادي عشر من الشهر الخامس من التقويم الجريجوري، بحيث يعطي مجموع أرقامهم (أحد عشر و خمس) العدد ستّ عشر كاملًا.

* نُشرت في الساعة الرابعة عصرًا أو السادسة عشرة تمامًا.

* قدما چوني ووكر في الصورة المصاحبة للقصّة، و التي تجسّده على الرجل الفيتروفي في لوحة دافنشي الشهيرة بلا مواربة، تشيران إلى الساعة الخامسة و السابعة في الدائرة، و اللذان يعطي مجموعهما (خمسة و سبعة) الرقم إثنى عشر.

* القصة تتكوّن من ستّة عشر مقطع بالتمام و الكمال.

* عدد كلمات القصّة هي ثلاثة آلاف (3000) كلمة تمامًا، و هو العدد الذي يقبل القسمة على أربعة ليعطي العدد سبعمائة و خمسين (750)، و هو العدد الذي يعطي مجموع أرقامة (سبعة و خمسة) العدد إثتى عشر.

* ناتج قسمة عدد كلمات القصّة الكليّ، و هي ثلاثة آلاف (3000)، على عدد كلمات القصّة حتى الرباعيّة، و هي ألف و ثمانمائة و أربعة و خمسون (1854) كلمة، يساوي نفس ناتج قسمة عدد كلمات القصّة حتى الرباعيّة على عدد كلمات القصّة المتبقيّة حتى نهايتها، و هي ألف و مائة و ستّة و أربعون (1146)، يساوي الناتج 1.618، و هو ما يسمّى بالقسمة الإلهيّة أو الرقم الذهبيّ.

* جميع الشخصيّات و الأماكن و الأحداث في هذه القصّة خياليّة.

                                                                                                     أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to رباعيّة چوني ووكر

  1. Mai كتب:

    ur phrasing is veryyyyyyy interesting indeed..keep on ;))

  2. Amira كتب:

    O\’ my Johnnie Walker!

  3. Ahmed كتب:

    مولانا جوني

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s