!لا تتجاوز السّرعات المقررة

                                             السّرعة تعرّضك للحرية!

     طائر يعدو في مطلع الفجر.

إنها الموسيقى السّارية في الفضاء الداعر،

في الجفنين،

والليل يدقّ،

وأضواءٌ تشي بالمراد.

رغبة حمئة،

كعين شمس مثخنة،

وحبات رمال تصلي تحت كعوب الوديعات.

طوبى للوديعات!

لأنهن يرثن الأرض وما عليها،

وما عليّ!

فإني أرض!

الشّراب يتباطئ في ذهني،

ويتفتّق في اتجاه معدتي،

ومُقلتيّ

بصلف وغرور،

مثقل الخطو كالعكاز،

كأنه يمنحني مساحة سطح إضافية،

كأنه يريدني منتشيًا مغشيًا،

بقدر كل قطرة في كل لحظة،

والموسيقى،

بوقع كل نبضة.

إنّي كامل

بشتّى أنواع الكمال

في البساطة والوجود والعدم.

فأنا هنا وهناك،

وزوجتي تلعب على أوتار الحزانى،

فتنعش فيّ ذكرى خضراءًا

كالصّحراء الزّانية.

ومحفل مقدس،

فيه نصهل،

وتتبارى بين أصابعه أصوات الغرف،

ويجتمع فيه المؤمنون.

لقد أوشك الليل على النهار،

ورائحة القطط القديمة

تموء شبقًا ويقينًا.

انتظري يا ذا العصا البيضا!

والرّداء الأسود المحتل العاري!

يا غازية القفّار، أقبلي!

فإني لست مستسلمًا!

ولا منتصرًا!

والندى!

أربعة أعوام من العطش الملحد.

والنهم يتكالب على جسدينا

كمصبّ فقد نهره.

والرّغبة!

والقيظ!

ولتران من التكيلا ليسا حلًا مجديًا.

فأنا قادم من أقحل مكان في العالم

لأكثر منحنيات العالم انحدارًا واصفرارًا.

والرقص في مرحاض فارغ

فارق،

لا يرمز لبياض السّحب في الخارج،

وإلا ما كانت النجوم تتنفّس حتى الآن،

ونهوى نحن السكر على أنغامها

البضّة،

كالبطة.

والسّنى!

والعاهراتُ تقدُّ قميصي من دُبر،

وقهوتي السوادء التي ثلجت،

وشعيري المفضّل الذي اختمر،

وخمري الأسود الذي احمرّ،

ونزوتي،

وحنيني،

واحتياجي وامتلاكي،

وانطلاقي،

واجتيازي،

واشتباكي،

واحتراقي،

واهتياجي،

ومأذنتي،

ومشجبي الفضيّ الذي

نسيت عليه اسمي وشرابي.

وزهريّة الألوان،

وموقد الذكريات،

ومهبط المحترقين شوقًا مآله الأقفاص لا محالة.

هل هذه مهدي ومكاني وسيفي ورقبتي؟!

إنها!

وعزائي البدائيّ ومثواي الأخير وشاهد قبري!

وخاتم عُرسي!

والرّقص!

تسكب الثمالة علينا هي مشبوكةً

بخيوط النهار الأولى،

وتستلّنا للانطلاق بلا هوادة،

نحو العقارب والثعالب والمستقبل.

وطائرٌ يهوى في جحر الأرانب!

يا ليتني كنت طائرًا!

حتى يجري،

ويسطل

على ضوء الموسيقى،

وصوت النهار،

ومقابس الليل،

وحفيف الفناء الأزليّ.

عندما أفارق هذا المرقص،

لا تدفنوني!

ولا تواروني!

ولا تحرقوني!

ولا تُغرقوني!

فأنا لست أهلًا لذلك،

فجسدي يأبى الانحطاط،

ولكن لا يهاب الظلمات.

عندما أموت قريبًا،

احتفلوا وتناكحوا عراةً حفاةً!

في حفل تأبين جماعية لون جسدي،

تراقصوا واشربوا في جنازتي!

بلا هوادة!

تراقصوا حتى الثمالة!

واشربوا حتى التّرنّح!

وطوفوا!

فإني مهيب!

اشربوا نخبي!

ونخب المؤمنين!

اضحكوا واصرخوا وانتشوا أجمعين!

فاليومُ عيد!

وأنا لا يليق بي السّواد!

ولا تسعني أقمشة البكاء والعويل القديمة!

لا تنثروا فوقي التراب!

ولكن الموسيقى!

ولتكن جنازتي

حفلًا صاخبًا يجتمع فيه المارقون من كل فجّ عميق!

لتكن حجًّا!

لتكن تظاهرةً وابتهاجًا!

لا تبكوني!

فأنا لست حائطًا غربيًا لآمالكم وآمالكن العراض!

لكم الموسيقى من بعدي!

فأنا لست ممن يألفون الوحدة أو يعلقون بالكآبة،

أو يلعقون التراب.

وليكن شاهد قبري الرّمزي

اسطوانةٌ قديمةٌ!

كنبيذ أسطوريّ شربت منه إيزيسٌ!

والتهمت أنا إيزيسًا!

ومثواي الأخير

لحنُ الذي ليس منه بد!

غسّلوني بالخمر الأبيض!

واتركوا معي زجاجةً وأغنيةً وعروسة نيلٍ!

واسمحوا لصوت الموسيقى أن يبلغني!

بدلًا من نحيب الفراق أن يبلغكم!

ثم طوفوا بجسدي في السّفينة الكريستالية!

ولا ترسوا بي إلا على جزيرة نائية!

فيها بشرٌ غيرُ مبالية،

ليست كجزرنا البالية،

تخترقها شجرات جوز الهند

الضخام!

فأتحدّ بكأس هناك

وأخلد.

صلّوا أمام جسدي بصخب وفحش!

وجنون!

لتكن طقسًا روحيًا!

وصلاةً خاشعةً!

كشرابي هذا!

وأملًا!

اذكروا كلماتي وأبياتي!

غنّوها!

واضحكوا كالصّرعي!

وليختلط ضجيج الرقص والتعانق

بفحيح الثعابين وعدو السناجب وزرقة الأمواج

وزفيركن المقدس بعد الجنس!

تلك ساعةٌ صادقةٌ كنَمِر،

لا يكذب فيها السّيد ولا يخون،

ولا يقول ما لم يكن،

أو ما يكون،

ولا يعدّل جدول الضرب أو يؤخر هروب عقارب السّاعات.

تلك ساعةٌ طاهرةٌ،

لا كذب فيها ولا مراء،

ولا افتراء،

فلتنام الأعين السّاهرة،

وليتني أبقى ها هنا

في هذا المكان،

حارسًا،

يحرث الجنس الذي يقع

في كل أخدود ينمّ عن البياض والمِنى

والبحر

تحت طائرٍّ يعدو لمخدعه النّهاريّ،

بتهوّر السّكارى.

الطابق العاشر: البناية تُفضي إلى الجنة الآن!

الجنة على مبعدة مترين،

ولكن لا تتجاوز السّرعات المقررة!

فتعرّض نفسك للحرية!

                                                 أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في سوريالية. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to !لا تتجاوز السّرعات المقررة

  1. Amira كتب:

    الجنة الآن!

  2. Ahmed كتب:

    ولا مساومة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s