Déjà vu

ديچا ڤو
،حساسية الأحرف الأولى تصيبني بالدوّار

على رسلك أيها السائق المتهوّر، فنحن مازلنا تائهين على ضواحي المدينة!
والأنوار على مبعدة ألف ذكرى.

مئات الآلاف من آثار الأقدام في حيّز ضيّق،
والشمس تحرق الأحرف،
وأحرفي مصابة بالأرق،
ليس شللًا، بل أرقًا،
بيت خشبي كبير على طرف الشاطئ الوحيد،
وشبح يباغتني في أعقابي،
الأمواج قواعد للغة الطبيعة،
والمحار ينحت كلمة جديدة تفيد ضياع الأفكار،
ومصرع المعاني في معركة واترلو.

الأمواج تواعد آثار الأقدام عند مغيب الشمس،
تناوشها الأصابع الخالية وتناجيها،
وتهدهدها الأمواج مستجيبةٌ على استحياء من وجودي،
البحر خالي من الكوليستيرول،
مثل خلوّ غموضي من الأحرف،
أين ذهبت المعاني؟
لقد تركتني وهاجرت إلى الشاطئ الآخر،
عند أدونيس،
ومسحت الأمواج آثارها،
وأصبح تعقّبها دربًا من دروب روما – قبل احتراقها،
وداسها المترجّلون،
وتحولت معانيّ النفيسة لبترولٍ بخس استخرجوه من خليج العقبة،
موّنت به سيارتي الزرقاء لتوّي،
وشربت سواد المعاني،
وتقيأتها على الشاطئ الوحيد،
خلف البيت الخشبي،
متجنبًا نظرات الرمال،
التهم البحر الشاسع قيئي،
وتغذّت أسماك صغيرة ملوّنة على ما تبقّى من حساسية حروفي،
وأصيبت الأسماك بعدوى الأرق،
الأسماك التي شبكها صيّاد فلبيني،
وأكلها مهندس مدني لم أقابله قط،
وسكنّ في بناية أفكاري كثيرات،
أُصبن جميعًا بحساسية تجاه الشوكولا،
لم أزر هذه البناية منذ قرابة العام 1986،
تمامًا مثلما لا أعرف لغة أفكارستان،
لقد قررت اجتثاث العلل،
واحتذاء أثر قدم رجل مُسنّ،
كشطت الأيام بريق قدميه – كتلميذة بليدة في اختبار نصف العام،
وحاك عنكبوت خيوط الزمن على أصابعه الطاعنة في الرمال،
قادتني لبيت بغاء بنفسجي سيطرت عليه عاهرات الديچا ڤو،
شربت ماءً مملحًا – ولكن الرجل قد مات،
والعزاء أُذيع على كافة قنوات العالم،
وغنّى فريق بيتلز عند اللحد،
فالكهل لم يدرك الحقيقة العلمية “أن الصابون يقتل”،
الحقيقة التي كشطتها تلميذة بليدة في مدرسة چيزوييت.

سبعة شارع السبع بنات،
بناية مرفوعة مؤقتًا من الخدمة،
أزالها مسؤولي الحي خشية الالتباس،
ولم يشتكِ المستخدمون،
لأن الإصدار الأخير لم يُطرح للسرقة بعد.

راعِ حساسية حالة الأحرف عند تسجيل الدخول!
الفكرة طريدة… شريدة… خائفة… ومضطربة،
قطفها طفل من دماغي،
واليوم عيد ميلاد ڤينوس الثالث والعشرين،
احتفلت به على سطح مكتبي الخالي من الأحرف،
بقطعة حلوة اشتريتها بحرف واحد فقط من مخبز كرموز،
الحروف انخفضت قيمتها في بورصة شارع جدار،
وقد ذهبت هي لابتياع دواء الحساسية من أجزاخانة الخواجة مع واقي ذكري بنكهة الموز،
تتبّعت أثر الطفل عاري القدمين،
علّي أشارك في إيوائه،
قادني لنُزُل مسيو چيلينورمان في جادة فتيات كالڤير رقم ستة في ضاحية پاريسية لم تتعرّف عليها خرائط غوغل،
ولم يكن الطفل الصغير سوى ماريوس بالذات يتدرّب لتأدية دوره في رواية البؤساء،
لم أكن أعرف أن السمّاعات البيضاء تنزف موسيقى بألوانٍ متباينة،
تشارك الأمواج وآثار الأقدام جنسًا ثلاثيًا بريئًا في حانة نائية،
تعمل بها فتاة غير متعلّمة،
شاركت بأصابع قدميها المنمنمين في عزف مقطوعة آثار الأقدام على مسرح البحر الملكي،
بمصاحبة أوركسترا الأمواج السيمفوني،
التي تصرّ على نطقها “السينفوني”،
ويخترق الكمان أحشاء نشوة الموجة في الجزر والمد،
ويحترق البخار.

لقد قلّبت الأوراق التي حبّرتها لتوّي،
ولكني لم أجد لها أثرًا،
بحثت عن آثارها وسط آثار التائهات على الشاطئ وعلى ضواحي المدينة،
ولكن الصفحات كانت كلها بيضاء كالسمّاعات،
تحتضر بمرض حساسية الأحرف المزمنة،
قصدت طبيبي الخاص،
ولكن لم يمرّ عليه مثل هذه الحالة منذ ثلاثمائة وواحدة وعشرين عامًا.
فحص دماغي بسمّاعته الفضيّة،
ولكنه لم يسمع إلا صدى البحر،
وقت المغيب،
لعل أفكاري ممتزجة بخشب قلم رصاص أوشك على الفناء يسطّر به مؤلف تشيكي سيمفونيته التاسعة،
قبل أن ينتقم السُل منه،
كونه اعتدى على حُرُمات أفكاري،
مما أصاب أحرفي بأرقٍ فوق أرقها،
ليس شللًا، بل أرقًا.

كُن دقيقًا سيدي الطبيب!
لأن الجنس ليس مجرد انتصابًا،
كما أن الأفكار ليست أحرفًا،
فأنا لم ألد الشين إلا بعد ولادة قيصرية،
بمساعدة رئيس فريق الأطباء،
الذي اتّضح في الأخير أنه الابن غير الشرعي لزياد رحباني،
وضعته إحدى المحظيّات في مولان غوچ،
وما المحظيّة إلا أخت الشمس الصغرى،
وابنة النبي يوسف من عشيقة سرية،
فأفكاري من نسل الأنبياء،
ولكنهم ماتوا جميعًا في حادثة قطار.

استعارت مني غانية من جادة كالڤير سبعة حروف كي تقدم بهم استعراضًا على السيرك القومي مدى الحياة،
كما التقط مني والدي حرفين كي ينقذ صاحب دكان الكي لينتهي من قميصي الليلة،
القميص الذي سأقابل به مسؤولي السفارة الأسترالية،
والذين استهلكوا مني أربعة عشر حرفًا مقابل ڤيزا للهجرة على ظهر كانغارو.

قميصي بلا رقبة!
ذهبت أعنّف صاحب دكان الكي،
ولكنه قد مات،
فهو لم يكن إلا كهل بيت البغاء البنفسجي،
وفي الصباح، تذكرت أني نسيت أن صديقي استعارها لمواعدة على العشاء مع مناضلة فلسطينية على ساحل يافا،
أربعة حروف سقطوا مني في البحر سهوًا أثناء صلاة الغروب،
الصلاة التي أمّيت فيها الأمواج وآثار الأقدام والموسيقى والشبح الذي مازال يراقبني عن كثب،
والذي لم يكن سوى قس الدير البحري.

لم يعُد في مقدوري الكلام،
بيد أن المعاني لا تقتصر على الكلام،
كما أن الجنس لا يقتصر على الانتصاب والأفكار لا تقتصر على الأحرف،
لا أستطيع مواصلة الطباعة،
لأني لم أعد أستطيع قراءة ما أكتب،
ولا فهم ما أفكر،
لقد أصابني بُكمًا صارخًا،
ولكني أستطيع تمييز صوت ارتطام جناح طائر بالأرض أثناء عدوه على مهبط الطيور الخاص برحلات فرانكفورت،
الطائر لم يعد يطير!
ولكن المستحيل لا يخلو من المحاولات،
كما لا يخلُ البحر من بعض آثار الكوليستيرول وغموضي من بعض الميكروغرامات من الأحرف،
وكما لا تخلُ آثار الأقدام من عِبر،
عِبر الذين رحلوا ولم يعودوا،
وعِبر من عادوا بلا رحيل،
وجنود الحرب العالمية الثانية الذين لم يتركوا أي آثار،
كونهم مبتوري الأقدام.

أحمد زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في سوريالية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s