رائحة اليود الأخيرة

هالوچين أرجواني

     عاندتُ نصيحة طبيبي الخاص، رغم
مرضي الشديد، وقررتُ زيارة الشاطئ للمرة الأخيرة قبل سفري الطويل
.

     لم أكن أعرف يومها، وربما
حتى الآن، سبب ولعي بمجالسة الشواطئ؛ لمراقبة حشرات الرمال، وحُمرةُ الغسق في
اختلاطه بريم الماء المُزبّد، وصوت فيروز يوحي من السماء، ومراسم تشييع جثمان
الشمس، وآثار أقدام ناس لا أعرف عنهم شيئًا سوى اتجاههم، ولا يعرفوا هم عن معرفتي
الضئيلة شيئًا كذلك. وبعد قليل، تلْتَهِم الأمواج تفاصيل هذه اللوحة المثيرة، بلا
اهتمام كبير من جانبها
.

     تلعب النّوسطالچيا دورًا
كبيرًا في العملية المتكررة والممتعة لارتيادي الشواطئ، حيث أنني أحتفظ بذكريات
كثيرة على شواطئ شتّى من الرباط حتى حيفا، وسواء كانت هذه الذكرى سعيدة أو مؤلمة
أو حسيّة، فإن ميكنة النّوسطالچيا الغامضة تجترّهم جميعًا بلا تفريق دقيق، حالما
تحطّ قدميك على الشاطئ
.

     أمّا سبب اختياري للكيلو 40
بالتحديد، على الطريق الساحلي الطويل، للتوقّف عنده، يعود لفتنة صديقتنا داليا
وجموح تجربة ممارسة الجنس معها في بيتها الكبير المحاذي للشاطئ. حيث أنها لم تعود
إلى هنا إلا اليوم بالتحديد. بالإضافة إلى أن المنطقة المحيطة تعجّ بالهدوء المزمن،
لندرة المصطافين الذين يرتادوها صيفًا نظرًا لخطورة البحر المعروفة في هذه البقعة،
فما بالك بمثل هذا الوقت المتأخر من العام
.

     أنفي يرشّح قطعًا كبيرةً من
المُخاط، والذي لا أجد مفرًا، مع كثافته، سوى لدمجه بالرمال الذهبية، ومراقبة هذا
المركّب الفريد وقد جرفته الرياح بعيدًا. بيد أن رائحة اليود تحول دون زُكامي
وفقدي المرضي لحاسة الشم، والتي لازمتني طيلة الثلاثة أيام الماضية، فيخترق اليود
الأرجواني شعيرات أنفي الدقيقة رغم أنفي ورغم قواعد علم الأمراض التي درسناها في
الماضي
.

    لم أتناول أي أقراص مما وصفه
لي الطبيب، واعتمدت، بدلًا عنها، على الأعشاب والڤيتامينات وهواء الشاطئ النقي،
لإتمام شفائي الذي بلغ مشارف مرحلة النقاهة، كونه يحتوي على خصائص لا تحويها
الأقراص الكيمائية. قد تُغضب هذه الإجراءات البدائية حبيبتي الكيميائية، كونها قد
تؤثر على تجارتها الرابحة، ولكنني أؤكد لها أنه لا يقرأ رسائلي سوى قلة من
الأصدقاء، ولذا، فإن هذه النصائح لن تجد الصدى الكبير على أي حال
.

     أمّا سبب زيارتي لداليا
قبيل الرحيل بليلة واحدة، بإيعاز من النّوسطالچيا والشهوة، هو كونها صديقة حبيبتي
المقرّبة. وقد مارسنا الجنس الثلاثي كثيرًا في الماضي، ولكن منعت الظروف الطارئة
الكيميائية من اللحاق بنا هذه المرة لقضاء ليلة جديرة بالوداع بي. وفي زيارتي هذه
لداليا، قد أعثر على رائحة حبيبتي في ملفات الحب القديمة وبين جدران البيت الكبير
الذي شهد على أيام ممتعة في رحلاتنا وصولاتنا
.

    
"
لا تعتب
عليّ أخّرني القمر… ضيعتنا هنيّة وطالعلا السّهر… يا خجلة عنييّ لو يعرفوا
فييّ… لومك مش علىّ لومك عالقمر." بهذا المطلع الساحر استقبلتني صديقتنا
داليا بالشوق والابتسامة العريضة، وأضاف سطوع البدر على ابتسامتها عبقًا لا
يُقاوم. لم أتعثّر على الرمال عن قصد إلا لأراقب ملامح داليا من على بُعد لأطول
فترة ممكنة. لقد افتقدتها كثيرًا ولكني لم أكن أعلم هذا، أو لعلّ مشاغلي وسِفراتي
الكثيرة منعتني من الإقرار بهذا. كان اختيار الأغنية موفقًا تمامًا، فلمستنا
سويًا. وكأنها، بهذه الأغنية، تعتذر لي عن تأخيرها، حيث لم تحطّ الرحال على الساحل
إلا الليلة فقط، وهي نفس الليلة التي أستعد فيها للرحيل بعد قضاء أكثر من شهرين،
على مقربة عشرة أميال من هنا، للعلاج
.

     لنقل أنها كانت ليلة
رحبانية بجدارة، فقد شغّلت داليا كل الاسطوانات التي كان يغنيها ثلاثتنا في الأيام
الخوالي
.

     ليلة ما قبل الرحيل يكتنفها
كثير من ترتيبات الوداع، كما يسمّيها صديقي ممدوح رزق؛ قنينة نصف ملآنة من نبيذ
الشيراز، أهداني إياها صديقي مينالك، قبيل رحيله من رواية اللاأخلاقي لآُندريه
چييد، صبيحة ليلته الشهيرة مع ميشيل على صفحات الرواية، عشاء سمك، ثرثرة، ضحكات
مخمورة، وجنس في نهاية السهرة بكل تأكيد
.

     ولكن دهمتنا مفاجأة غير
متوقعة في أثناء حمى الجنس في دورته الثالثة في تلك الليلة، حيث طرق باب البيت الكبير…
إن هذه الطرقة ليست غريبة عليّ، ولا على داليا. نعم، لم تكن إلا هي، فلا أحد يعرف
طريق البيت الكبير المهجور سوى حبيبتي الكيميائية
.

     عدد ليس قليل من القراء
الذين أثّرت على وظائف مخّهم الأفلام والمسلسلات المصرية، خاصةً إذا كانوا لحقوا
بنا لتوّهم عند هذا المشهد بالتحديد أو كانوا هائمين ولم يتنبّهوا إلا لمشهد
الجنس، سوف يتوقعون خاتمة الرسالة: أن هذه القادمة من السفر قفشتنا متلبّسيَن،
وسوف تصرخ بدورها في وجهي "يا خائن" ثلاث مرات، ثم تتوجه إلى داليا
وتقول، "كان هذا آخر ما أتصوره منكِ يا دودي،" ثم ترحل بلا عودة.
والمشهد التالي المتصوّر هو أنني أخرج من شرفة غرفة النوم مرتديًا فانلة بيضاء من
الكستور، وأنادي عليها بصوت ضعيف متحشرج مبررًا بلهجة ندم مصطنعة، "لا
تفهمينا خطأ يا حبيبتي." إلى آخر هذه المشاهد المتوقعة من فيلم الخيانة
.

     لم يكن هذا ما حدث بالطبع،
لأننا خرجنا، أنا وداليا، مرحبّيَن عاريَين، ودعونا الكيميائية إلى غرفة النوم،
بعد أن عبّرنا لها عن سعادتنا الكبيرة بهذه المفاجأة السارّة. ولكنها كانت عائدة
من سفر طويل لتوّها، قبل موعدها بخمسة أيام كاملة، لوداعي، وكانت جائعة. ولذا
اقترحَت أن تأكل أولًا، ثم تجتمع إلينا في غرفة النوم بعد قليل
.

     استأذناها أنا وداليا لمواصلة
ما تبقّى من دورتنا الملتهبة الثالثة، على أمل الاجتماع بها في الدورة الرابعة حتى
الصباح الباكر، لأننا كنا مهتاجيَن مثل قطتين في موسم التكاثر، ليس بينهما مِنِرڤا
.

     لم نقلق بشأن النبيذ
الشيرازي، لأن حبيبتي كانت قد جلبت لنا واحدة من هاروكي موراكامي
.

                                                                                                                                            
أحمد
زيدان

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s