رسالة إلى ملك الملوك

إلى قائد الأمم وعميد الحكّام العرب وملك ملوك أفريقيا وإمام المسلمين وقائد ثورة الفاتح وزعيم الجماهيرية الليبية والقائد الأعلى للقوّات المسلّحة/ الأخ العقيد مُعمّر القذّافي،

تحيّة طيبة وبعد،

بدايةً لن آخذ من وقتكم الكثير، لأن ساعاتكم المتبقيّة لن تطول على أيّ حال.

سيادة القائد، لا أعتقد أن عمادة الحكام العرب لقب يحتفي به صاحبه، ليس فقط لما في اللقب من اعتراف بالسلطوية والوحدوية والشمولية التي استمرّت لعقود، ولكن أيضًا لأنه ليس من بين الحكام العرب من يدعو للشرف أو الفخر بزعامته، لأن الأغلبية العظمى من دول المنطقة هي ديكتاتوريات بالأساس وليست دولًا، ولا كان من بين حكّام العرب يومًا واضعي خطط أو نافذي بصر، ولا مُنشئي حضارات أو ثقافات، ولا مؤسسي أفكار أو أيديلوچيات. هذا بالإضافة لما تجرّعه مواطنو هذه المنطقة على أيديكم، يا سيّدي، من كؤوس الذل والهوان التي اختلطت بنشركم الجهل ورعايتكم للإرهاب. ولكنك تبرُز الأجبن والأحقر بينهم جميعًا.

سيّدي القائد، لقد أمسيت مُسخًا بين الأمم؛ ليس قائدًا لها، بل صرت قائدًا لامعًا للكوميديا في العالم. ارجع لخطاباتك ولقاءاتك وتصريحاتك التي كان ينتظرها العالم بشغف كي يضحك. عزيزي العقيد، يؤسفني أن أخبرك أنك أضحوكة الأمم ولا تدري. ولكن يبدو أن كوميدياك قد تحوّلت لتراچيديا ثقيلة الوطأة يصعب معها التحمّل، حتى لوّح في الأفق تنحّيك، سواء برضاك أو عدمه، ليكتب الفاصل الأخير من هذه المسرحية الهزلية التي راح إبانها مدنيين عُزّل وأبرياء لا حصر لهم، ولا جريرة سوى وجودهم في ليبيا تحت وطأة بطشك.

أيا ملك الملوك! إن جنون العظمة يكاد يقتلك وينهش ما تبقّى من شحمِك! تعتقد أنك الأعلم والأقوى والأعظم، ولكنك في الحقيقة الأجهل، والأقوى استبدادًأ، والأحطّ شأنًا.

أيها الحاكم! يا من تدعّي الحكمة، ما هذا الكتاب الأخضر؟! أنا أخشى إن عرضنا هذا الكتاب على طفل لا يتعدّى سنين عمره ثُمن عمرك أن يضحك من فرط ما يحويه هذا الكتاب من طفوليات وسخافات لم أستطع استكمال رُبعها. إني أصدقك القول عندما أقول أنني انتظرتك مساء الإثنين وصباح الثلاثاء الماضي أكثر من خمس ساعات متواصلة فقط كي أضحك. ولكنك استطعت، في ظل هذه الظروف العصيبة، ناقضًا لأيّ منطق وضاربًا لكلّ توقُّع كعادتك، أن تدهشنا بقدرتك الاستثنائية على الفُكاهة في أقصر خطاب سجلته عدسات التاريخ، وتدهشنا، في نفس ذات الوقت، من قدرتك غير الأخلاقية على قتل كل هؤلاء المتظاهرين السلميين، بينما أنت في سيّارتك العسكرية تحت مظلّة حمقاء مثلك تمامًا.

أيا من يدّعي الفهم! لم أعايش، ولم أقرأ في الأساطير يومًا عن حاكمًا فقد عقله للأبد ومازال يعيش في عالم آخر موازي لعالمنا الحقيقي سواك. إنه تغييب أسطوري تعيشه أنت ويُغمسك فيه من حولك. إنك أسطورة بكافة المقاييس، ولكنها أسطورة سوف يزبلها التاريخ في أقذر صفحاته. ليس الشعب الليبي من يتناول المهلوسات، ولكنك أنت من تمارس الهلوسة المزمنة على مدار أربعة عقود، هي مدة حكمك لليبيا.

أيها الكاتب والشاعر والفيلسوف، تدّعي أنت وعائلتك، عكس كل الشواهد الحيّة، أنكم لم تستخدموا العنف “بعد” ضد الأبرياء، ولكني أعرف مدى كذبكم تمام المعرفة. لا أدري إذا كنت قد شاهدت هذه المواد المرئية أو لا، ولكن هذه الجرائم، التي لا تعرف الكذب أو المراء، قد التُقطت على أرضك، وارتكبها المرتزقة المؤجرون من جانبكم. أمّا إذا كنت لا تدرك بعد أننا في عام 2011 ميلاديًا، أي في عصر الإنترنت ولسنا قبل اثنين وأربعين عامًا مضت، الفترة التي تغيّرت فيها معالم العالم للأبد، فتأكّد حقيقةً أنك لا تستطيع مسايرة تقدّم العالم بعقلك القبلي الهمجي وعنجهيتك المزيّفة. إنك لاتزال قابعًا في أحلك عصور الظلام والتعتيم، عندما كانت تُرتكب الجرائم، وتُمحى الآثار، وتُحرق الجثث، ثم تبتسم في الصباح أمام كاميرات الپروپاجندا التي تستضيفها عندك في العزيزية كأن شيئًا لم يكن. إن هذا التعسّف الأمني والتعنّت السياسي والتغييب الإعلامي الذي تمارسه أنت وحاشيتك قد فاق كل الحدود، بل حتى قنواتك وإذاعاتك وإعلامك الموجّه، الذي أكل عليه الزمن وشرِب، والذي تُملي عليها كل شيء، بدايةً من المظلّة البيضاء حتى أغاني الثمانينات السقيمة التي تمتدحك وتغني بحمدك وتسبّح لك، في إجراءات رقابية صارمة لا أعتقد أنها تحدث في أيّ مكان في العالم

وكيف أيها المنافق تنبح نهارًا جهارًا بالثّوريّة ثم تقف حائلًا ضد نفس الطّريق التي اتبعتها منذ أربعة عقود؟ بل والأدهى أن تصم المتظاهرين بالعمالة والتخوين. أيّ ثورة التي تتشدّق بها؟ وأيّ جبروت تمارسه؟ وأي فصام تعانيه؟

أيها الزعيم، حالما تخترق قوات الحلفاء مدينتك، بعد أن تحترق روما، لا أعتقد أنك ستنتحر مثلما هِتلر، ليس فقط لأن الأخير كان يمتلك فكرًا ويدافع عن عقيدةٍ، مع أن كلاكما مجرمي حرب، ولكن أيضًا لأنك ستظل تعاني من حالة الإنكار المزمنة هذه حتى يواريك الثرى، فأنت خاوٍ من أي شيء – عظمٌ على لحمٍ على فراغ.

لقد ولّت أيامك عزيزي المعمِّر بغير رجعة، وكل ما أتمنىاه الآن هو أن أراك خلف القضبان بقيّة عمرك المعدودة أيامه، فور انعقاد محاكمة عادلة لك وأعوانك. المحاكمة التي لن تُعيدك من مسّك المتعذّر تصحيحه. لقد فقدت رشدك منذ زمن، وأزهقت، في سبيل تمسّكك بالعرش الأخضر والسّاحة الخضراء والكتاب الأخضر والعلم الأخضر وجماهيرية خضراء من إثر هلوساتك الملوّنة، أرواح كثيرة، ولكن حان كشف الحساب.

أتمنى أن تقرأ رسالتي هذه، ولكنك مُستعلي تظنّ أنك الأرجح، بينما العالم يهرُف كلّه بالتآمر ضد دولتك، ومعهم الكلاب والجرذان والأفيال والعنقاء. قد أصغرك بأكثر من أربعين ربيعًا، ولكنك يا سيّدي، قد شاب شعرك وألمّ الدهر بك من الوهن العضلي والعقلي، ما أدعو معه العالم لتقدير قواك العقلية وظروفك النفسانية.

في الأخير، أطلب منك أن تتنازل عن زعامتك الآن وللأبد حقنًا للدماء، ولتُبقِ على ألقابك ونياشينك الكثيرة إن شئت، ولا أعدك بأكثر من محاكمة عادلة افتقدها عهدك. ولكني أتوقع منك ما هو الأسوء، فماذا بعد قصف المدنيين بالطّائرات الحربية والأسلحة الثّقيلة؟! لا أظن أنك ستسمع لأي صوت سوى صدى غبائك ورجع وسوساتك، فغباؤك فاق جميع التوقعات. وعلى كل حال فأنا أعتقد أنه مهما كانت نتائج الثورة الليبية الحالية، رغم أني من المتشككين بالثورات أساسًا، فهي لن تنتج نظامًا أكثر استبدادية من نظامك المهلهل، والذي يفتقد لأي مفهوم لفكرة النظام. وآسف إذا كنت تطاولت عليك، ولكني حاولت تمالك أعصابي لأبعد مدى والحفاظ على أكبر قدر من دماثة الأخلاق، التي لا يعرفها أمثالك، ولم يسمع عنها.

عفوًا، ولكن في العنوان ألقّبك بالأخ، ولكني لا أضفي بهذه الرسالة أي نوع من أنواع روابط الأخوّة بيني وبينك أو أمثالك، وما هو إلا لقب اشتهرت به أنت، لعلّه يُلفت انتباهك الذي أشك في مدى قوامته الصحيّة أساسًا.

سيادة القائد والملك والإمام، إلخ مما تحب أن تُضفيه على نفسك من ألقاب لن تنجيك من العقاب المُنتظر على أيّ حال، لقد استطعت إدهاشي لدرجة أنك استفزّتني كي أُهدر ساعتين من وقتي الثمين في طبع هذه الرسالة لك.

ألا قد حان خريفكم، وازهرّ ربيع المستقبل!

أحمد زيدان

25 فبراير 2011

* الصورة من صحيفة ديلي تلغراف.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أخبار وملاحظات سياسية. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s