لن يسقط المشير!

رشّ مواطن ثلاث عبارات متعاقبة، تفتقد لأي تناسق جمالي، باللون الأحمر على جدار سجن طرة:

“لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين!”

“لا لحكم المجلس العسكري!”

“يسقط المشير!”

حلّ مواطن آخر ضيفًا ثقيلًا على نفس جدار السجن المتآكلة قشرته، وإذ امتعض من العبارات الثورية الثلاث، ارتأى له نفيها حفاظًا على استقرار السجن والمدينة والبلد، بغير أن يُفسد منظر الجدار أكثر مما هو عليه، فاستخدم نفس الدهان الأحمر الرشاش، وبنفس الخطّ المقزز تقريبًا، لإضافة نفي للعبارات المؤكدة، وتوكيد للعبارات المنفيّة، مما زاد تشوهًا بنائيًا على التشوه البصري، فباتت العبارات الجديدة كالتالي:

“نعم لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين!”

“نعم لا لحكم المجلس العسكري!”

“لن يسقط المشير!”

بل وأضاف عبارتين جديدتين لمهرجان الرشّ العشوائي هذا:

“النصر لمصر… ادخلوها بسلام آمنين… أكتوبر 73.”

“لن تسقط مصر أبدًا!”

المثير هو أن المارّة وأهالي السجناء، بين ذهاب وإياب، لا يعيروا أدنى انتباه لجهد مواطنَين، يبدو أن أولهما من المواطنين الثائرين وثانيهما من المواطنين الشرفاء، خاطرا بحياتهما واستنزفا من وقتهما لرشّ عبارات سيئة التكوين.

الأكثر إثارة هو أن العبارات الجديدة، وكما هي موجودة الآن على جدار سجن طرة، معظمها مُصاب بتشوش في التركيب، وهو ما يعبّر عن المرحلة الانتقالية ببلاغة. وفيما يبدو أن المواطن الأول توقع قيام مواطن ثان بنفي عبارة من عباراته المناوئة، فعمد ألا يترك حيّزًا على الجدار قبل عبارة “يسقط المشير”، أمّا العباراتين الأخرتين، فيستحيل نفيهما كونهما منفيَين بالأساس. ولكن المواطن الثاني كان أشجع من أن يستسلم بسهولة، فقام برشّ “لن” في مساحة الجدار الشاسعة المُتاحة فوق عبارة “يسقط المشير”، وذهب بعيدًا عن ذلك بتوكيد العبارات المنفية عبر إضافة “نعم” مع ترك أداة النفي محلّها، ربما لإتاحة مجال حرية الرأي. بل وأضاف عبارتين جديدتين، ربما لدحض حجّة المواطن الأول نهائيًا والقضاء على من خرب البلد.

ليس هذا كل شيء، فعبارة “لن يسقط المشير” بالذات تعدو، بفانتازيّة جامحة، في مقام العبارات الدفاعية أكثر منها الهجومية، وكأن المشير على حافة الهاوية، وقد بات سقوطه ليس منه مفرّ، بيد أن أقلية من الأوفياء الموالين له، في شبه تنظيم سرّي هارب من العدالة، يتسللون ليلًا لرشّ عبارات مناهِضة للنظام الجديد ومُندِّدة بملاحقة المشير الذي شارك في حرب 1973.

Advertisements
هذا المنشور نشر في عبثيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s