ألعاب ليست آمنة تمامًا

هذه التدوينة اشترك في كتابتها الزميل ممدوح رزق.

محاولات البقاء

إمساك الفراشة – ممدوح رزق

فوق السرير ظلت ( ملك ) تشير بإلحاح إلى موبايلي فشغّلت لها أغنية ( كان فيه فراشة صغنططة ) .. بدأت ( ملك ) ترقص كالعادة وأنا أتأملها مبتسما حتى وصلت إلى حافة السرير وخطت إحدى قدميها في الهواء .. رفعتني يدا أمي المفزوعتين من على الأرض ولم أكن أشعر بأي ألم .. كنت أصرخ وأبكي لرغبتي في الإمساك بالفراشة التي كانت تلعب مع ( نيللي ) في التليفزيون .. اقتربت أكثر من الشاشة هاربا من سباب أبي لأمي ولعناته للسُفرة التي سقطتُ من فوقها .. مددت يديّ الصغيرتين محاولا اللحاق بالفراشة .. تلقفت ( ملك ) قبل وقوعها من على السرير وأنزلتها على الأرض .. كانت أصابعي تتحسس مكان الألم الذي شعرت به الآن في رأسي بينما جرت ( ملك ) مع الأغنية لتحاول الوصول إلى الفراشة التي لم أنجح أبدا في الإمساك بها.

ألوان مرسومة بعناية موزونة بخطورة على سطوح بيت ليس بعيد

رِفيف – أحمد زيدان

الصُفرة كافرة والصمت عتيق. مليارات من حبات رمل يستغيث من بطش هذه الكرة المشعّة البعيدة. الأفق مزمومٌ، وقد لوحّته العزلة النائية وواراه العطش، ولم تتوانَ الضواري عن مؤانسته. الطريق لا تنتهي، والسير أربعة أيام متواصلة بصحبة الرياح المُتعبة، لا يماثله إلا الموت لمدة أربعة أيام في غرفة مُزهرة. لا يكاد يرى إلا سراب الحنين بين ثنيات التلال الموحشة، حتى تقاعدت كل أفكار النجاة عن روتين دورة العقل المزمنة. قدماه أفلتت من ربقة جهازه العصبيّ، وتهدلت منها الأوردة وذابت الأظافر وتساقطت الأصابع. لم يكن منهكًا. كان يحتذي مسيرًا مشوّشًا يعوزه كل عناصر الحياة الأولية – إلا التراب. بينما المصيرُ خال الوفاض من أساطير النجاة القديمة. جثا على ركبتيه اللذان انفكّا من الأربطة المعيقة للحرية، وتعلّقت راحة يديه، الخالية إلا من البنصرين المضمومين الضامرين، بحفنتيّ رمل مستغيث، ومن ثمّ استدار في نصف دائرة خاطفة مستسلمًا لخفة جسده اللامتناهية، وارتمى على ظهره غير عابئًا بنداءات الاستغاثة البكماء. فتح عينيه الغافلتين، وكان قد نسي أن يجفف بلل جسده، فشعر ببرودة خفيقة تخترق عظامه. شرب من كوب ماء طويلة باردة، ونهض من على الشيزلونغ الأخضر، فغطس في المسبح الدافئ. خرج بعد قليل، ليجفف نفسه جيدًا. ثم ما لبث أن كبس السمّاعتين البيضاويتين من جديد في أذنيه، وعاد لاستكمال قراءة عشيّة الرابع والعشرين من آيار.

أفول تدريجي

ترتيبات الوداع – ممدوح رزق

سيخبر أبويه وإخوته بأنه سيأتي إلى بيت العائلة لزيارتهم .. في نفس الوقت سيطلب من زوجته أن تسبقه إلى الكازينو الذي كانا يتقابلان فيه في بداية حبهما ـ لو سألته لماذا لا يذهبان معاً سيتحجج بأن الأمر سيكون واقعيا ورومانسيا أكثر لو ذهب كلا منهما بمفرده .. سيتصل بأكثر عدد ممكن من أصدقائه ويعطيهم جميعا نفس الميعاد في المقهى الذي تعوّد الجلوس فيه …

حينما لن يأتي ، وحينما سيتصل به أي منهم ليعرف سبب تأخره سيجد موبايله مغلقا وسماعة الهاتف الأرضي مرفوعة .. حينما سيفتحون باب شقته ـ سيتعمد ألا يجعلهم يبذلون جهدا في ذلك ـ سيجدونه مستلقيا في فراشه عاريا تماما وعينيه المبتسمتين تحدقان في سقف الحجرة بامتنان .

نصف دائرة فارغة

قلوية متعذر اجتنابها – أحمد زيدان

لم أكن لأدرك كارثية خطيئتي إلا بعد تأنيب أبي الشديد لي ولها. التأنيب الذي استمر لأكثر من ساعتين، والذي اختلط بتوبيخ وتعنيف مدببين، وكاد ليتطور إلى صفعات متتالية ومزرية، لولا موتي. لم نقترف فاحشةً كبيرةً محرّمةً تُفضي لأطفال بأذناب خنازير، بل استجبنا لنداء الغريزة الطبيعي الذي يمليه علينا شبابنا الفوضوي. ازداد الأمر فداحةً عندما حاولت الدفاع بكلمات تلطيفية بترها سيف أبي الأصمّ. كان غضبه قاسيًا هذه المرة، وكانت كلماته المتحشرجة تنزّ قطرات ماري الدموية. انهمرت دمعتين على وجنتيّ أختي، ولكني كنت أدرك تمامًا مدى نفاقهما؛ لأنها لم تشعر في أي وقت مضى بأي غضاضة فيما مارسناه – ولا أنا. ولم يكن اصطناعي للدمع، تجاوبًا معها، إلا محاولة أخرى فاشلة لتقصير مدة التأنيب الأبدية هذه. استمرت أختي في دمعها المتصل المنافق، ولم أجد أنا بُدًا من مسايرتها. بكت أختي، وبكيت أنا، وبكى أبي، وبكت أمي التي ظهرت لتوّها في المرآة العجوز. عجز أبي عن مواصلة التأنيب؛ لأن موجة البكاء كانت قد تمكنت منه ونشبت مثل نار يصعب إطفاؤها في هشيم البيت القديم. واسته أمي الباكية. كنت أسمع ضجيج تسعة وتسعين جارًا يقفون، بطفيليّة مألوفة في مثل هذه النواحي، وهم يحشرون آذانهم جميعًا في هويس الباب. يبدو أن هناك أذن، من التسعة وتسعين، تماثل أذن عائلتنا الكبيرة وراثيًا، ففُتح الباب على مصراعيه، وانخرطنا جميعًا في بكاء جهيري. لم نكن نبكي بكاءًا عاديًا، بل ندبًا صارخًا، حيث كانت أصوات النشيج ملائمة لفرقة كورال تمامًا – كان مثل أنين ضخم يسع موسيقى الغرفة. تسلّقت قدميّ بعض الدمعات المتذمّرة من تكدّس الدموع في الأسفل. تجعّد جلد أخمص قدميّ، ولم أعد أشعر بهما. وكأنّي المسؤول الأول عن موجة البكاء المستعرة هذه، توقّفت عن البكاء علّهم يتوقفون، ولكن أحدًا لم يستجب، فعاودت البكاء بحرقة أكثر وغزارة أكبر، مما جعل الدموع تبلغ ساقيّ. ساعة ونصف مرّت، البعض مازال يرتقي مراحل البكاء الأولى والبعض يبكي بحُرقة، وقد بلغ فيضان الدموع لمستوى يصعُب السكوت عنه، ولكننا واصلنا البكاء على أي حال، وبلا سيطرة، حتى بلغت الدموع أصابع يديّ ليتجعدا بدورهما. تحوّل الحال لعويل فاجع مصاحب لفرك في عيون محمرّة، وقرع على أبواب خشبية قرضتها الفئران، وخبط رؤوس في جدران متكلّسة، ونُواح سيدات بلغن من العمر مائة وسبعين عامًا. نوبة البكاء كانت جنونية بدرجة كبيرة حتى ارتشحت الدموع خارج الشقة واجتاحت الطرقات غير المرصوفة. كنت أسمع بسهولة نحيب الجيران، والبيوت المجاورة، وسائقي المقطورات على الطرق السريعة، وبائعي الأحذية، ومذيعي النشرة، وأبطال الفيلم. كان نحيبًا عالميًا استمر لمدة ساعتين متواصلتين. وكان جسدي، والحالة هذه، قد تحوّل لبطاطس مقليّة انغمست في سائل أمنيوزي لعشر أمهات معًا. كاد البكاء يبلغ أنفي، وما لبث أن غمرني تمامًا. حاولت العوم لأعلى كي أواصل التنفس، ولكني لم أستطع بلوغ السطح، فجسدي كان أثقل من خفة سبّاح. غطس أبي لينقذ أختي، ولكنه لم يُنقذني. ومُتُّ يومها!

سِلم غير مشروط بتوقيت معيّن

أن ترى الفراغ – ممدوح رزق

بعد موته لن يتغير الأمر كثيرا .. ستظل تنظر كل ليلة إلى صورته المعلقة على الحائط أمام السرير وتقول في نفسها : كان طيبا ورقيقا ، لكنه الآن لم يعد كذلك …

ما سيتغير فقط أنها لن تظل تقول هذا بسبب توقفه عن احتضانها برومانسيته القديمة بل لأنه أصبح ميتا …

ربما ستفتقد أيضا إصراه كل ليلة قبل النوم على أنه يسمع صوت دقات ساعة قوية ، ورغم أنها كانت تقسم له بأنه لا توجد أي ساعة في الحجرة وأنها لا تسمع شيئا إلا أنه كان يصر على كلامه حتى تتوقف عن الرد عليه فيصمت ويحاول النوم رغم الصوت الذي لا يعرف من أين يأتي .

أحمر

فراولة بلون الدم – أحمد زيدان

– “هيا بنا نرقص!”

يرقصان، ويتبادلان القُبل والهمسات واللمس وأشياء أخرى قصيرة.

– “الجو هنا حارًا للغاية، أريد أن أخرج.”

– “بالعكس! الجو رطب فقط، والكريمة الداخلية للكعكة تضفي شهوانية بالغة بتساقطها اللطيف على رؤوسنا. أمّا هذه الحرارة فليست إلا لأننا نرقص منذ سبع دقائق متواصلة.”

– “الكريمة مُرّة، أو هكذا أتوهّم. وقد قلت لأمي ألف مرة قبلذاك أن تحسن صنعها!”

ينهمكان مرة أخرى في الرقص الهائج. يبتسمان، يضحكان، يصرخان من فرط النشوة والشراب والمخدرات جميعًا. كانت سماعات الموسيقى السوداء، المعلّقة على جدران الكعكة الداخلية، تطرق طرقًا عنيفًا تتدحرج معه شرائح الفراولة على الكعكة من الخارج. وحالما تتدحرج الشريحة الحمراء على حواف الكعكة من الخارج لتفسد شكلها، يضرب في الداخل زلزالًا بمقياس تسعة أفيال، فيهتزان، فوق لا اتزانهما الأوليّ، ويترنحان، ويتقلّبان في الهواء بحركات آكروباتية تشبه مهرّج عربيد. تتباطئ وتيرتهما عندما تستهل أغنية العلم الأبيض. كانا يقضمان بعض المكسرات من داخل الكعكة بحُرية تامة، فقد كانا وحدهما هناك على مائدة بائسة على مقربة من إحدى حواف كعكة الفراولة التي يسيل منها عصير فراولة أحمر. كانا يرتشفانه بحرقة لذيذة.

– “هذه الكعكة التي نرقص بداخلها جوفاء من أيّ مكونات! ماذا سيأكل المدعوون عندما يتوافدون قرابة منتصف الليل؟”

– “سوف يأكلوا الفراولة في الخارج. فهم لن يشتهوا الكعكة الإسفنجية، طالما هناك فراولة بغزارة. فلا أحد يحتاج للجودة إذا كان العدد كبيرًا.”

– “أتقصد ما أحوجنا للجودة، خاصةً إذا كان العدد كبيرًا؟!”

– “لا، أنا لم أقصد ما قلتيه. أنا قصدت ما قلت تمامًا!”

– “وأنا لا أتفق وما تقول!”

– “كلٌ حرّ!”

– “إذن سوف أخرج الآن وأتركك وحيدًا!”

خرجَت هي من كعكة الفراولة الشهية، ولم تنتظر كثيرًا حتى قدم المدعوون، الذين كانوا يتحدثون بلغة غير مفهومة، بينما لم يخرج هو. احتفل الجميع بعيد ميلادها إلا هو. ومن ثمّ استلّت هي السكين الحادة، وقطعت كعكة الفراولة طوليًا. ولمّا نجا هو، والمائدة البائسة، في القطع الأول، فهم لن ينجوا، وفق نظرية الاحتمالات، من شفرة السكين الحادة في القطع الثاني. وبالفعل كسرت السكين الحادة، في المرة الثانية، المائدة البائسة وبترت قدمه اليمنى. لهث بعشوائية التفكير بقدم واحدة تجاة حافة أخرى من حواف كعكة الفراولة، ولكن السكين الحادة كانت أسرع من عدوه اللاهث، فقطعت يده اليسرى في المرة الثالثة. لم يستطع الركض، فانزوى زاحفًا لحافة لم تؤكل بعد ولا مسّتها سكين الزمن الغادرة. بينما كانت هي تغني في الخارج مع المدعووين أغاني مبهجة، كان هو يصرخ للنجدة داخل الكعكة. لم يستطع طلب الشرطة لأنه ترك هاتفه المحمول في الخارج. أكل كل المدعووين وشبعوا، ولم يتبقَّ إلا قطعة أخيرة لها هي. دسّت الشوكة بيدها اليسرى في قلبه الأيمن، وتلذذت بكعكة الفراولة الجوفاء. لم يلحظ أحد الدماء على الطاولة، لأنهم كانوا يسمعون لمحمود درويش في إحدى زوايا الغرفة يردد إحدى قصائد “لماذا تركت الحصان وحيدًا..؟”

وسادة ليست زرقاء

ما يحتاجه الموت – ممدوح رزق

فوق صفحة بيضاء منتزعة من كراسة رسم مدرسية رسم بالقلم الرصاص سماءً وشمس وبيوتً وأشجاراً .. رسم طفلاً يحمل بالونات كثيرة ، ويمرح مبتسماً بين الزهور .. أثناء نومه .. دخلت أمه لتنظف الحجرة من الأشياء التي لا أهمية لها .. طوحت بورقة الرسم من النافذة لتسقط أمام رجل عجوز يمر بالصدفة .. الرجل العجوز التقط الورقة ، وبعد أن تأمل طويلا ما بها طواها ووضعها في جيبه ثم راح يواصل السير محاولا السيطرة على رعشة قدميه .

مثلثان لا متماثلان

رِهام – أحمد زيدان

رحلة عبور الشارع من الرصيف الرمادي للرصيف الرمادي المجاور هي رحلة عصيبة تصرُع كل يوم أكثر من مائة وخمسين في حوادث شنيعة. وقد كانت حفلات التأبين الصغيرة عبارة عن مواساة أرامل الراحلين، أو أزواج الراحلات، عن طريق تكريمهم بقضاء ليلة جنس حميمية مع أعتى أفراد الفصيلة، بل وإعطائهم راحة سلبية من رحلة المرور للرصيف الآخر في اليوم التالي. فمن يستشهد في سبيل تغذية القبيلة هو بطلٌ مغوار ولا شك، أو بطلة. ولكنها كانت رحلة ليس منها بُدّ للاقتيات على حبات السكر اللامعة لمتجر الفطائر المجاور. خرجا اثنان في ظهيرة يوم شتائيّ قارس. كانت رحلة عصيبة، لأن المجازفة لن تكون اعتيادية بالتعرّض لأهوال السيارات والمارة والرياح وإجازة المتجر الأسبوعية فقط، ولكن يهددهما أيضًا احتمالية هطول أمطار أو هبوب عواصف قد تجرفهما لتقاطع الميدان الشاسع، بحيث يضلا السبيل إلى الأبد وينزفا في عرض الطريق المتكدسة، ويقاوما وحوش متفاوتة الأحجام. خرجا في الصباح، وتحثثا طريقهما المعهود الذي رسمه قبلهما مئات الملايين. وصلا للجانب الآخر، وحمل كل منهما حبة سكر لامعة من الحبات الكثر المتناثرة على أعتاب المتجر الكئيب. فقدت إحداهما التوازن أثناء هبوطها من على الرصيف، ولكنها ما لبثت أن استعادت توازنها. عبرا الشارع مرة أخرى، ولم يكن ضغط السيارات كبيرًا في مثل هذا الوقت من اليوم. لقد اقتربا كثيرًا من جحرهما ومأواهما ونجاتهما وحياتهما، ولكن الإرهاق الشديد قد نال من نشاطهما، فتلكئا قليلًا ممنّيَين أنفسهما بقرب اللقاء.

– “لقد بلغنا جحرينا سالمَين.”

– “هناك وفرة في حبات السكر بالداخل، ولكن زيادة أعداد الصغار بشكل ملحوظ هذا الموسم هو ما دفعـ…”

لم تكن لتكمل جملتها حتى دهستها قدم متورّمة لطفل صغير يعدو هربًا من مدرسته الشمولية، بعذر مرضيّ، بصحبة أمه، في اتجاه متجر الفطائر المجاور – ولكنه كان مغلقًا.

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s