تفسير رباعي لأحلام الكيتش

هذه التدوينة اشترك في كتابتها أربعة..

البهايم – أحمد مختار عاشور

رآني جدي صامتاً حزيناً منكسراً هذه الأيام، سألني عن آخر كتاباتي فأخبرته بمئات الأفكار أعجب بها جميعاً وسألني أن أكتبها، فأخبرته أن مزاجي غير رائق للكتابة.. فرائحة البهائم أصبحت تزعجني، سألني إن كانت حياة المدينة قد أنستني حياتي القروية التي لم أكن أضجر منها من قبل.. فأخبرته: “هذا قبل أن تكبر زريبة المواشي هذه..”

سأل: وهل تعرف لغتها؟

دُهشت: لغة البهائم؟! إنها مقرفة ومقززة..

سأل: واللبن واللحم؟

أجبت: نطعمها لقائه.. فالمنفعة متبادلة..

ابتسم ثم قال: سأعلمك شيئاً.. يجعلك تعرف كيف تفكر البهائم..

تتداول البهائم فيما بينها قصة “الثور الهائج” الذي عـَشـَّر وحده عشرات الأبقار، حتى انتهى به الأمر أن قام البشر بـِ خصيه وذبحه عندما حاول أن يعتدي على طفلة صغيرة لم تتخطَ الـ9 سنوات.. كان يريد اِغتصابها..

ورغم أنه لم يتبق منه إلا العظام التي دفنوها في مكان قريب من المزرعة، يسير عليه البهائم يومياً إلا أنها تؤمن أن جسده مدفون بصورة كاملة تحت الأرض ولم يتحلل.. ورغم أنها قادرة على النبش في الأرض برفسات أرجلها لترى جثته إن كانت كاملة أم مجرد عظام كما دُفـِن إلا أنها تحرِّم وتـُجـَرِّم هذا الفعل.. وهي باقية على الإيمان به حتى مع غياب الدليل المادي الوحيد الذي قد يثبت إيمانه..

البهائم مستعبـَدة من قـِبـَل الإنسان.. إلا أنها تؤمن بيوم سوف يظهر فيه “الثور الأعظم” من تحت مياه الترعة ليهلك البشر أجمعين ثم يدخل البهائم في زريبة ممتلئة بكل أنواع الحشائش والبرسيم.. حيث يكون من حق كل ثور أن ينكح مائة بقرة أو ما يزيد..

لذلك عندما تجف مياه الترعة ويسري بعض من الجفاف والتقشف في الجوار تسعد البهائم على اعتقاد أن ثورها الأعظم يرسل إليها برسائل خفية يخبرها خلالها أنه لا ينساها.. ويطلب منها ضمنياً أن تتذكره أكثر من هذا حتى يرضى عنها..

تؤمن البهائم أنها خرجت إلى الدنيا وهي تعلم بوجود “الثور الهائج” و”الثور الأعظم”.. دون أن يلقنها أحد هذا.. وإن سرت اختلافات بينها هل “الثور الهائج” هو اِبن “الثور الأعظم” أم مجرد أقوى تابع له ومن منحه صورته..

عندما تـُذبح الأبقار.. يتمسك غيرها -من الشهود- أكثر بإيمانها بوجود ذلك الثور الأعظم الذي سيظهر بتابعه المخلص “الثور الهائج” ليفتك بالبشر.. وينصب البهائم كـَ سادة العالم الجديد الذي فيه سوف يـَستـَعبـِدوا البشر..

رغم هذا.. إلا أنها ترى أن الثور الأعظم قد يتدخل في بعض الأحيان.. فالعديد من الأبقار سبق لها أن شهدت على جرائم ثأر بين البشر.. بشر يحرقون أراضي بشر.. أبقار غيرها سلمت نفسها لبشر يسرقونها من بشر غيرهم..

تلك الحكايات التي تتبادلها البهائم فيما بينها بأصواتها الرتيبة -المبهمة التي قد لا تعني لك شيئاً- عن عدم نسيان ثورها المقدس الأعظم لها وكيف أنه يتدخل أحياناً ليريها العبرة والعظة حين يؤذي أسيادها في هذه الدنيا الفانية.. فتزداد على إيمانها أكثر وأكثر..

تؤمن البهائم بشعائر خاصة تتقرب منها إلى ثورها المعظم.. أكثرها تقديساً هي عبادة اللف والدوران حول الساقية.. التي للأسف لا تـُفرض إلا على كل بهيمة قوية.. يمكنها أن تلف دون كلل أو تعب أو ملل.. وتصل عظمة الثور الأعظم هنا أن يقوم بتسخير الإنسان ليختر أقوى البهائم لهذه العبادة..

البهايم إن جاعت تأكل أيما تجده أمامها.. لا تملك حرية الاختيار.. تأكل ما تجده أمامها ولو كان أمام بهايم أخرى.. إنها تؤمن أن الحياة تـَستـَحـِق أن تـُعاش ولا يشغلون أنفسهم بمصطلح “بهايم” الذي ندعوها به.. البشر يلقوا إليهم بالطعام فتأكل -حتى تسمن- وهي تخطف الطعام من بعضها البعض.. يندر أن تجدها تعترض على أسيادها..

في حالات نادرة قد يثور بعض الثيران.. ورغم أن إيمان البهائم بالثور الهائج قوي وعميق إلا أنها تعتبر أن أي اِعتراض ثوري على استعبادها.. ليست إلا حركة خارجة عنها.. وستجد الأبقار تـُعرض عن الثيران الهائجة حتى يقوم البشر بخصيها كي تفقد هياجها.. وسط فرحة الأبقار..

البشر يحددون أي ثور سيخصب أي بقرة.. ينتظرون تعشير الثور للبهيمة الذي سيزيد من عددها.. والبهائم تؤمن بحسن حظها، أنها في هذه العلاقة التي حددها واختارها لهم البشر.. أو “الثور الأعظم”.. فكلها تؤمن أن الثور الهائج يحب العـُشر حتى يتباهى بها يوم خروجه من الترعة لتحقيق العدالة..

يصمت جدي، فأخبره أني كنت أرى هذه الأفعال من البهائم لكني لم أكن أعلم أنها تـُشـَرِّع كل ما تفعل.. فيخبرني جدي: الحياة ممتعة.. ومتعتها في أن تظل سعيداً، تأمل في الخير دوماً.. لكن كل الكائنات الحية ضعيفة.. هذا الضعف يجلب الخوف.. والخوف ينافي السعادة في الدنيا.. وهنا تظهر التبريرات.. تلك التي لا تمنع الخوف ولا النفاق ولا القذارة لكنها تبرر لكل هذا.. البهائم فقط تريد أن تعيش.

***

ولادة المذكّرات – أحمد زيدان

امرأة محتجبة بدينة في منتصف العمر – تناولت منّي مذكّرة المُحاسبة بوجه عابس تُقلّصه نظارات مُقعرة كبيرة، مستفسرة إن كنت أريد تصويرها كلها متضمنةً صفحات الرسومات البيانية أم لا. الواجهة الزجاجية لمتجر الأدوات المكتبية “آمال” يعجّ بعرائس صينية غير مُرتّبة ورديئة الصنع تخترقها لمبات نيون، نصفها غير مضيء، معيقةٌ للرؤية أكثر منها مُعينةٌ لها. تعتمد الإنارة داخل المتجر بالأساس على ضوء ظهيرة الثالثة والنصف – موعد خروج الموظفين من عتمة المكاتب.

سيارة بيضاء فيات 128 ترجع إلى الخلف، وتكرر، أثناء هذا العود الأبدي، المقطع الأول من “فور إِليزَه” بنغمة مونوفونيك يتخللها عادم رمادي يقتحم المكان فيستثير مزيد من بكاء طفلة صغيرة ذات خمس سنين وشعر أجعد، والذي يبلغ ذروات متكررة من الحشرجة دون التفات أمها، عاملة المتجر الثانية، التي تتابع عملية غليَان الشاي من خلف ستار أزرق باهت في يوم ليس صيفيًا أو شتويًا، إنما مذرور بالرياح.

أتلفت حولي وأسرح قليلًا مع حلقة مجلس الشعب اليومية التي يظهر فيها رجل يقرأ من ورقة زاعقًا ومتوعدًا بسبّابته من تلفاز صغير كُتم صوته أعلى رفّ جانبي، وأسامع صوت خفيض في الخلفية لقرآن يصدر من مذياع قديم لا يمكن تمييز كلماته بقدر إيقاعه الرتيب. الصمت ثقيل الوطأة لا يشقّه من آن لآخر سوى حشرجة الطفلة، أو طقطقة الآلة الكاتبة، التي تطبع عليها عاملة ثالثة، أو نشاز ماكينة التصوير، أو طنين ذبابة متوسطة الحجم فوق رزمة ورق على وشك التصوير، أو ساعة حائط بُنيّة ببِندول. زمن انتظار ولادة المذكّرة لمذكّرة أخرى قد يستغرق أحيانًا أكثر من توقعاتك.

يوم أصمّ لمجلس الشعب مثلما للمتجر الضيّق الخالي من الأُلفة كما خلوّه من الإنارة. لا يشغل المساحة الممتدة من مكتب العرض الداخلي لمدخل المتجر سوى شخصين غيري؛ أحدهما ينتظر بقيّة حسابه بملامح ضجِرة، والآخر يتفحّص بيده العرائس، وأغلفة الكتب الخضراء الداكنة، وأقلام الرصاص المقصوصة، والكتب الخارجة عن نص منهج الوزارة في مادة اللغة العربية للصف الثاني الابتدائي.

***

الارتجال الخامس والثلاثون للرتابة – ممدوح رزق

هاپي بيرث داي تو يو .. في السكون والعتمة شيء ضئيل جدا ينفض بوهن .. لا أستطيع أن أبعد عن ذهني احتمال أن الاستيقاظ فعليا هو معاودة النوم وأن ما يعتبر نوم هو الاستيقاظ الحقيقي ..  صحراء شاسعة يسير عجوز فيها ببطء شديد وعلى شفتيه ابتسامة خافتة ، يتساءل بمزيج من الضيق والاندهاش والتلذذ في الدافع الذي جعل يد امرأة ما تترك عضوه وترتفع نحو ثديه !! ..  أبوان ميتان يحلو لابنهما أحيانا أن يتخيلهما هكذا : أبوه يحني جسده العاري في الفراش رافعا مؤخرته وخلفه تدخل أمه العارية قضيبا خارجا من أسفل بطنها داخل شرج أبيه .. يجلس بينكم ويتحدث ويضحك ويصمت .. كم مرة فعلتيها ؟ ؛ حينما كنتِ ترين في عينيه وعلى ملامح وجهه بوادر غضب وثورة ؟ .. رأيتك وأنت تنظر إليها ، هي لم تكن منتبهة لك لكنك كنت تنظر إليها نظرة لا علاقة لها بغضبك الدائم ولا سبابك ولا أوامرك التي اعتدت أن توجهها لها بصوتك الغليظ .. تسألني زوجتي مستغربة عن كل تلك الضحكات العالية التي أضحكها بينما أكون مستغرقا في النوم .. ترددت يداك يا زوجة جاري وهي تغلق فتحة جلبابك حينما رأيتيني أخرج إلى النافذة .. سنوات في هذا المنزل : ماذا لو أحضرت كرسيا أو سلما كي أصعد لملامسة هذا الجزء من السقف الذي لم ألمسه أبدا ؟ .. تقف في الشرفة و تنزل سروالك لأسفل ثم تمسك بعضوك وتبدأ في الاستمناء .. شيئ ضئيل جدا أصبح لا يتحرك على الإطلاق .. أستعيد نفس الحلم المأساوي المعتاد في انتظار أن أستيقظ منه أثناء النوم .. العجوز يتذكر أشياء كثيرة ستجعله ينظر لأعلى ثم يضحك .. لا يتبقى من تمثالي أبويه بعد تفتتهما إلا أربعة عيون محدقة .. فجأة سينهض واقفا ممسكا برقبته ويشهق بحشرجة عالية وعينين جاحظتين بينما لا يزال جالسا بينكم يتحدث ويضحك ويصمت .. كنتِ تسارعين لحظتها بافتعال ابتسامة أو ضحكة مرتبكة كي لا يبدأ في سبابه القاسي وصياحه المحشو بالإهانات لكِ ، رغم أن هذا لم يوقف أبدا بكاءك داخل البلكونة أو داخل المطبخ وأنتِ تعدين له الطعام  .. هل ( ليس بخاطري ) التي أردت أن تقولها لها ثقيلة إلى هذه الدرجة ؟ .. لم أستطع أن أقول شيئا قبل أن أنام فاستغرقت في النوم لأضحك .. زوجك يتحسسهما ويعتصرهما ويقبلهما ويغرز أسنانه في حلمتيهما و يضع عضوه بينهما ويحكه كثيرا لكنني أيضا مثله لا أعرف طريقا للهروب من حجرة المعيشة .. لن أترك شيئا دون أن ألمسه ؛ ألست في بيتي ؟ .. في الخامسة والثلاثين من عمري لازلت أريد أن أعرف فقط لماذا جعلتني معلمة المدرسة الابتدائية أكتب عشر مرات : أبي سعيد .. أمي سعيدة .. إخوتي سعداء .. أنا أحب أسرتي ، رغم أن هذه المعلمة لم تكن تعرف عني شيئا ، وحينما رأتني أبكي ذات مرة لسبب لا أتذكره طلبت مني الذهاب لدورة المياه كي أغسل وجهي .. فقط أغسل وجهي .

***

يومنا الصينى قليل الجودة – حسام شادي

لا أستطيع الكتابه إنها لحظة موات ، كتلك الأيام التى نحياها ، كثير أحداثها ، لكن لأنها متنوعه ، كبيرة  وصغيرة ، حميمية ، وعابرة ، مصيرية ، ولحظية ، مجدية ودائماً غير مجدية ،  لا شئ يمس القلب حقاً ، إلا نادراً ، إذن فهى إلهامى ، هى الحقيقي ، لكنى غائب عنها وعن كل حقيقي فى عالمي الواسع المتشعب ، لماذا لا أحد يدرى ولا حتى نحن ، أُخرج صديقى الصينى من جيب البنطلون الصينى أيضاً ،  أتصل بها ، أحكى لها عن أيامى الفائتة بعيداً عنها ، عن محاولات العمل اللامجدية ، عن تفليستى الدائمة ، عن هذا الذى أتى ويأتى من القاهره ، كى يشاركنا فى جلسات النميمة على القهوه ، وعن الجرافيتى الجديد ، وعلب الإسپراى التى فرغت بسرعه ، حينما كتبنا كلمات ضد السلطة العسكرية ، ولحظات المرح ونحن نصور خشب كوبرى السكة الحديد ، الذى قارب عمره على المائة عام ، وتلك السيدة الفقيرة هى وأولادها التى تسكن خرابة خلف الكوبرى ، وكيف كنت أزوم عليها بكاميرا صديقى ، وأسرق من حياتها ثلاث لقطات ، وأنى كنت أصور بيتاً قديماً ، لابد وأنه كان لإقطاعى ، قريباً من حى الأجانب والأغنياء ، فى مصر الليبرالية ، أظل أحكى وألقى ما هو مكوّم بداخلى ، أرتكب حماقة أنى نسيتها وأنا معها ،  وفى تسارع حكاياتى أضحك بعنف ، حينما أحكي عن هذا الرجل الفقير الملامح ، الذى كان خائفاً من صفير الكاميرا ، الواقفة وحدها كى تصورنا صورة جماعية ، وصديقنا يجرى مسرعاً يتحاشى قضبان الحديد ، كى يأخذ مكانه ، على شريط القطار الخشبى المغلف أطرافه بالقضبان ، تستأذن فى إنهاء المكالمة ، صوتها كان مخنوقاً ، لها حق ، فأنا أحيا حياتى وأجري وأمارس هوايات ومتع ، بعيداً عنها ، لكننى فى أول المكالمة ، أخبرتها أنى سأقضي معها الثلاث ساعات كاملة ، فلدي رصيد يكفي لتشغيل عرض الاتصالات ، وأيضاً كنت قد أخبرتها ، أنى كنت فى حاجة لممارسة الجنون مع أصدقاء جدد ، لكي لا أنتحر مما كانت تشتكى منه هي ، أننا نفعل نفس الأشياء ونبكى نفس البكائيات كل يوم ، ونرى بعضاً يومياً . كالعادة سرح عقلى بعيداً عنها ، وعن ما طلبه صديقى ، لكن نتيجة كل ذلك أدخلتنى مرة أخرى داخل جعبة الحالة المزرية ، لأعود لحالة الجنين ، الذى يفكر داخل عقله أنه وحيد للغاية فى كون مظلم ، لكن الحقيقة التى ينكرها هى أنه هناك، خارج سجنه الاختيارى، من يفضلون مشاركته ملل اليوم الصينى .

***

إضغط على الصور للاستماع للملفات الصوتية المُلحقة.

اللوحات والتركيبات الصوتية للفنان حمدي رضا، وهي من مشروع تحت اسم “سيمفونية رتيبة من أربع حركات.”

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s