فِراشٌ لا يطير!

كُتبت هذه القصة القصيرة على هامش ورشة “أنا الحكاية” في يونيو 2010

    لم أهتمّْ كثيرًا ليلتَها؛ لأن لهفتي لملامسةِ أحدهم، بعدَ كلِ تلك السّنينِ المنتظرة، حجبت كلَ ما عداها. ولكن ما أثارَ حفيظتَي هو تكرارُ نفس المشهدِ في الأيام التالية، بدرجة تستعصي على الاحتمال.

لم يكُن ثمّةُ دقائقٍ، إلا وقد غطّ هو في نومٍ بليد، بينما مازالت تتنهد هي في رغبةٍ مُلحّةٍ تصيبُني بالأرقِ. وتُزفرُ أنفاسًا يشوبُ حسرَتَها حرارة – حرارةٌ تبعث الروحَ في حوافي التي خنقتها رطوبة الصيف.

الاتّزانُ ورقةٌ مفقودةٌ بينَ أضلعي منذُ زمنٍ طويل. هنالكَ شيءٌ مكسور!

غابا عني لفترةٍ طويلة، ضاق فيها صدري المُثقَل بعوادمِ الفِراق، ولكني استرحتُ على أيّ حال. ثُمّ عادا، وليتهما ما عادا؛ لأنه لم يكُن ثمّةُ دقائقٍ، إلا وقد غطّ هو في نومٍ بليد، بينما مازالت تتنهد هي في رغبةٍ مُلحّةٍ تصيبُني بالأرقِ. وتُزفرُ أنفاسًا يشوبُ حسرَتَها حرارة – حرارةٌ تبعث الروحَ في حوافي التي بترتها برودةُ الشتاء.

الحُبُ لُعبةُ مطاردةٍ سخيفةٍ تستمرُ ثلاثَ دقائقٍ في أحدِ أركاني الضيّقة… تنتهي بشخيرِهِ ونحيبِها. قواعدُ اللعبةِ غيرَ مُستوفاةٍ. غالبًا هنالكَ شيءٌ مكسور!

استلقت فوقي يومًا متأوهةً. أتذكرُ جيدًا أنها كانت تنزفُ لونًا أحمر – لونٌ أشدُّ قتامةٍ، وأكثرُ غزارةٍ من فيضِها الشّهري البرئ.

بكت بحرقة، مثلما لم يبكِ أحدٌ فوق قلبي من قبل، حتى أصابتني بإحباط. وبعد ذلك لامتني أنا! أنا الذي حمِلت ثُقلَهما ليالٍ كثيرةٍ وأيام. لقد رثيت حالَها، ولكني أبيت أن أبكي؛ لأني لم أتعلمْ البكاءَ في هذه المدينةِ القاسية، والتي ليس من المُقترحِ مسبّقًا أن يبكي فيها الذكور.

لا أستطيعُ أن أرى يدَها اليسرى جيدًا، ولكني أُحسُّها، فهي لا تستطيعُ حملِها، مثلما لا تستطيعُ حملَ شيءٍ أكبر مني، ومنها، ومن يدها اليسرى المُقيّدة… من الأرجح أن هنالكَ شيءُ مكسور!

خفّ العبءَ عني قليلًا بعد هذا اليومِ القاني، ولم تعد تستلقي فوق ظهري إلا هي – وحيدةٌ.

ان هذا مثارَ نشوةٍ لجسمي العجوز وجِلدي المهترئ، فقد كنتُ أستمتعُ بجسدِها الناعمِ الأملس، بعيدًا عن جسدِه الثقيلِ البارد. لقد كان يثيرُ اشمئزازي هذا الذي كان يغطُّ في النومِ بعد ثلاثِ دقائق، ويؤرّقني أنا طيلةَ الليل!

أطبقتُ الوَحدةُ، ولم يكن هنالكَ ثمّةُ اتّصال… من المؤكد أن هنالك شيءٌ مكسور!

لقد هجرَها في عراءٍ مادي، بيد أن وجودَه لم يكن يضيفُ إلا عراءً عاطفيًا.

زارها في يومٍ رمادي. عرفتُهُ على الفورِ من رائحتِهِ وخشونته الاعتياديتين. سمعت صوتَه يهزُ أركاني، “اخرجي من بيتي!” لم يكن هناك جواب، فدائمًا ما كان هنالكَ شيءٌ مكسور. لم أعرفْ صوتَها يومًا، ويبدو أن هذا اليومُ لم يختلفْ عن سابقيه.

هرِبَت إلى الغرفةِ الصفراء ناحيتي، واندفع هو في إثرها. هرعت إليّ، واستنجدت بي، ولكني عجزت عن مساعدتها. اضطرّبت من جرّاء الضربات المتتالية؛ فهجومُه الضّاري أصاب كل عظامي بالآلم، حتى انكسرت قائمتي. فقَدتُ توازني، وكدتُ أهوي، ولكني استنجدتُ بالأرضِ الجافة – التي لم تسلمْ، هي الأخرى، من بطشِه المتجبِّر.

صرخَتْ، واخترقَ صِراخُها وسادتي القطنية المرتعشة. انقطعَ الصوتُ، وقطع الصمتُ الظلام. ظلام شديدُ الوطأةِ كمضاجعٍ مهجورةٍ، وصمتٌ شاسعٌ مثل هذا الفضاءِ الذي يحتلُّني وأتوسّطُه – لا… لم أعد أتوسّطه بعد حادثِ قائمتي المروِّعة. بل وحتى عظامي ارتخت، كوني لا أرى الشمسَ ولا تزورني.

المضاجعُ عاجزةٌ… رجالٌ يهجرون فيها، وفئرانٌ تعدو من تحتي!

ألقت عليّ نظرةً أخيرةً هلِعة، ورحلت بحقيبةٍ زرقاءٍ تلُمّ شُتاتَ جروحِها وجُرحي، وآلامها وألمِ ظهري، وهشاشتِها وهشاشةِ عظامي.

شعُرتُ بالفراغِ يتّمددُ حولي يومًا تلو الآخر، حتى جعلَ يبتلعُني ببطء. لم أعد أتوق لملامسة أحدهم. هل أصابني البرودَ والعطب؟! أم أنّي كرهتهم جميعًا؟ لقد شاب دائرة إدراكي تشويشٌ من جرّاء الحادثِ، على ما يبدو.

كنتُ أعتقدُ أن كلَ هذه الكائناتُ لا تتطلّع إلا إلى ملجأٍ فوق ظهري فقط، ولكن يبدو أنها تعوز شيئًا آخر غير الفراش – شئ أكبرُ منّي ومن الغرفةِ الصفراءِ، معًا.

لقد تهدّمتُ، وتفككت مفاصلي التي بيعت رخيصة في سوقٍ بعيدة، وأعتقد كذلك أني مِتّ. ولكني لاحظتُ إبان ترحالي الحزينِ في أرجاءِ هذه المدينةِ الصّمّاء، أنهُ لم يستلقِ عليّ اثنان، إلا وبينهما أشياءٌ كثيرةٌ مكسورة – يبدو أنها مدينةٌ مكسورةٌ، وما هؤلاء إلا أشباحُ مدينةٍ خالية.

لقد كان أول درسٍ لي في مدرسةِ الأشباح أنني فِراشٌ ذكر، ولي مثلُ حظِ الفراشات جميعًا. فهناك فِراشٌ، ولكن لا يوجدُ ثمّةَ فراشة. فالفراشاتُ تطير… ولكن هنالك جَناحٌ مكسور!

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s