ميم

كُتبت هذه القصة القصيرة على هامش ورشة “أنا الحكاية” في ديسمبر 2009

   م: يوم عطلتي اكتمل بمغيب الشمس خلف السحب الكثيفة. الجو غائم، مُعتم، وقارص… وتدركي أنت مدى جنوحي الأزليّ للرماديّ والأسود!

م: لما لا تزورنا أمك هنا بدلًا من إلحاحك المتكرر لزيارتها؟

م: لقد سمحت لها أن تأتي لتراكِ حتى أرتاح من قرفك المزمن، ولكن أن تأتي بطولها على ألا تبيت!

م: هي ليست عجوز لهذه الدرجة، فهي تستطيع الحركة على أي حال!

م: لن أذهب هناك! فالشّارع ضيّق ومتّسخ وسخيف، وسيارتي القديمة تتعطل دائمًا في هذه الناحية المنحوسة!

م: الحاج والدك هاتفني البارحة؛ كي يتكلم بخصوص قسط الثلاجة الرمادية… ما خطب هذا الكهل الأخرق التافه؟

م: لقد ابتعت الثلاجة الرمادية، وأنا أفهم كثيرًا في الأجهزة الكهربائية، من صديقي أنا؟ ما دخل هذا الشائب العائب في قصة كهذه؟

م: أم لأن البائع هو صاحب البناية الوضيعة التي تقطنون فيها؟ وقسطي أنا هو مخرجه المؤقت والوحيد من الضغط المستمر لصاحب البناية، والثلاجة الرمادية، كي يسدد له أبوكِ الإيجار المطلوب؟

م: كانت زيجة مشؤومةً أتت بالخسارة عليّ! فأنا أعرف هذا النوع من أنصاف الرجال؛ البخل يسيطر على حياتهم! وأنا أعي صنوف البشر جيدًا!

م: ما الذي حدث إذا تأخرتَ أسبوعين أو ثلاثة في السداد؟

م: لم تعُد في قلوب الناس رحمة… فضاع العدل!

م: أنا أعيلك في شقة تمليك يا بائسة… شقة لم تحلمين ليلة، لا أنت ولا أهلك، في أقصى أحلامكم جموحًا، بامتلاك حتى ربعها!

م: أنا الذي انتشلتك من الوحل والعنوسة، ومنحتك حياةً كريمةً في شقة كبيرة مع زوج فاضل مثلي! وأنا أفهم كثيرًا في الأصول والعادات والتقاليد يا عديمة التربية!

م: وما أخبار أخوك العاطل؟ أمازال سكّيرًا مجرمًا كعادته؟!

م: وأمك المفضوحة؟

م: ما هذه النجاسة؟! بلاها هذه الثلاجة التي عكّرت مزاجي بالخوض في سيرة هذه العائلة المائلة!

م: لماذا تأخر الأولاد في المدرسة هكذا؟ ألم أنبّه عليك ألا يتأخروا ثانيةً؟

م: ولماذا تشتكِ المدرّسة السمراء من ابني النبيه؟ ألم أخبركي مرات عديدة أن تذاكري له جيدًا؟ وتعدي له الواجب والفطور قبل أن يرتاد مدرسته؟

م: الجسم السليم في العقل السليم يا موكوسة!

م: سوف أختبره في الحساب غدًا عقب رجوعي من عملي الشاق المُمل. وإن لم يُجب، سوف أُبرحُكِ ضربًا!

م: أنا أفهم كثيرًا في الحساب يا جاهلة! يا من لم تُكملِ دبلومك!

م: فاشلة!

م: وحتى ابنتي الجميلة، التي تُشبهني، شوهّت مظهرَها بعدم اكتراثك بها!

م: أنت أبدًا لا تعتنين بفلذات أكبادك الذين هم أولى بالرعاية!

م: وحتى أنتِ نفسك… انظري لمظهرك المزري في المرآة!

م: هل تودّين تعليل ذلك بسبب الطبخ والغسل والتنظيف؟

م: أليست كل حُرمة، من حريم الحي، تطبخ وتغسل وتُنظّف؟! أنت لا تقومين بعملٍ فذٍّ على كل حال!

م: يجب أن تُحسِّني مستوى أكلك… طبخك لا يتعدّى مهارة طفلة فلاحة جاهلة!

م: هناك، على الجانب الآخر، أكُل طعامًا أشهى من هذا مرات ومرات!

م: لا أحب الأكل الأبيض، ولن أبتاع إلا الذي أحبه أنا، ولتطفحوه أنتِ والأولاد صاغرين!

م: الأولاد يحبون ما أحبه من الأساس… أنتِ الشاذة الوحيدة ها هنا!

م: يجب أن تُحبّي ما أحبه أنا وأولادي، أليسوا أولادك أيضًا؟ أين الرحمة والأمومة؟ أين ستذهبين من عقاب الآخرة يا عاهرة؟!

م: لماذا لم تأكلين الفاكهة التي ابتعتها لكم منذ أسبوع؟ لقد عطُنت وأنت لم تمسّيها بعد!

م: إنها مفيدة لكِ يا حمقاء! وأنا أفهم في الڤيتامينات كثيرًا!

م: أنت لا تقدّرين المال التي تختلط ورقاته بعرقي وكدحي، يا ناكرة!

م: ولماذا لم تستخدمين بعد الصابون الأزرق الذي ابتعته لكِ من السوق الأسبوعي؟

م: هل ستظلين على هذا القبح الأبديّ؟!

م: سوف أوسعك ضربًا لو لم أجد كل الصحون والسجادات مغسولة في الغد! وسوف أضربك أيضًا إذا لم تعتنِ بنفسك، وتصبحِ وجيهة ونظيفة، وتنتظرِني في فراش الزوجية غدًا بعد انقطاع هذه المخروبة عنك!

م: وما كل هذه الدماء على جلبابك؟!

م: النظافة من الإيمان! ألم أعلّمك هذا من ذي قبل؟!

م: أريد أن أشرب قهوة سادة ثقيلة! ولا تتلكأي مثل كل مرة يا حقيرة!

م: لماذا لم ترتدين قميص النوم الأسود الذي ابتعته لكِ أثناء سهرة عطلة نهاية الأسبوع الماضي؟!

م: ولماذا لم تصلين الفروض منذ يومين؟ أنا أراقبك يا كافرة، وأنا أعلم منك بأمور الدين والدنيا!

م: لقد أخبرني أحد الجيران، مشكورًا، أن صوتك ارتفع منذ ليلتين وأنا غائب؟

م: لا أريد أن أسمع صوتك يرتفع على الأولاد، سواء في وجودي أو غيابي! كل خبر يبلغني! فلا تحاولين حفظ سرٍ، أيّ كان، عني، وإلا عاقبتك عقابًا شديدًا! أنا أعرف كل شيء!

م: وإن سمعت ثانيةً أنك حدّثت هذه الجارة الفاجرة من شباك المطبخ، سوف أقتلك!

م: منذ أن ترمّلت، وهي تدور على حلّ شعرها مع صديقي النقّاش! سيرتها على لسان الحي كله!

م: وأنا أعرف جيدًا الشقة التي ترتادها بصحبته في هذه المنطقة النائية!

م: أنا الذي أقوّم الأطفال وأربّيهم… وما عليك فقط سوى تنفيذ ما آمُرِك إياه بالحرف الواحد! والوعيد.. الوعيد إن لم تنفّذي أوامري يا وليّة!

م: كل الأديان أمرت بضرب النسوان لتقويم اعوجاج الضلع الغاوية! ومن حقي عليكِ الرعاية والاهتمام بي وبأولادك أكثر من هذا!

م: إذا كان على الباب، فأنا أغلقه عليك من الخارج لفّتين، وإذا كان على الشباك فهو مسدود. ماذا أفعل أكثر من هذا؟!

م: إني أريد أن أحميكِ! ألا تقدّرين هذا يا حمقاء؟!

م: أنت عديمة الإحساس تمامًا! مثلك مثل هذا الكرسي الأبكم عديم التفكير والحيلة!

م: ثلِّجي الجعّة في الثّلاجة الرمادية الجديدة قبل ميعاد مجيئي في الغد! إذا جئت ولم أجدها مثلّجة، سوف أضربك! فأنت لا تشعرين بزوجك حبيبك الذي يعمل ليلًا نهارًا كي يستقيم هذا البيت الكئيب!

م: الآن، سوف أذهب لأحضر الأطفال من المدرسة، وأبتاع لكِ سمًّا تطبخينه، وبعد ذاك سأبيت الليلة عند الموكوسة الأخرى!

م: كلكم في الهمّ سواء!

م: بالمناسبة، لماذا تطول مدة العادة عندك لهذا الحدّ؟! ماذا تفعلين حتى تطول هكذا؟!

م: المرأة التي تكثر آثامها.. تطول عادتها الشهرية! هكذا سمعت من فمّ أحد الشيوخ الأفاضل!

م: إن طالت عادتك عن ثلاثة أيام في الشهر المقبل، سوف أهشّمُ دماغك الخاوية إربًا!

م: والويلُ إن رجعت غدًا ووجدتك لم تغتسلِ وتتطهرِ بعد!

م: هذا هو النظام الوحيد الذي يتماشى معكِ يا بنت حواء! أنا أعرف صنفَ الحريم هذا كما لم يعرفه أحد!

م: لماذا لا تردين عليّ يا عديمة الذوق؟ ألا تقيمين وزنًا لكلامي؟؟

م: يا …؟ يا …؟

م: ما خطبُكِ؟!

م: أنمتِ أم ماذا؟

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s