أمل حياتي لأم كلثوم (مراجعة)

اعتدت أن أستيقظ خلال هذه الأيام الخوالي في الثامنة صباحًا، رغم أنني رجل الصحو المتأخر الأول في العالم، وأشغّل الأغنية بالقرب من عينيها عند هذه الجملة تحديدًا “وكفاية أصحى على ابتسامتك بتقولّي عيش”. كانت تبتسم. وكنت أعيش.

وبعد هذه المزحة خفيفة الظل، كنت أمشي على أطراف أصابعي كي لا أوقظ الطفلة النائمة فيكِ. كم مُحبّبة هي طقوس الصباح إن استيقظت حدَّ من تحبَّها.

مطلع “أمل حياتي” هو طلقة رحيمة. ولكن في وجود غيابك، تُمسي طلقة تنثر ملحًا في أعماق جروحي وجروحك وجروح المسافات… والطبيب؟ الطبيب غائب لأن اليوم هو عطلة نهاية الأسبوع.

الكونترباص رائع في الخلفية. والكمان يتكلم ثم يبكي ثم يتكلم ثم يبكي. أتذَكرُ جيدًا أنهُرَ رحيلك للجامعة.. كانت أنهُرًا طويلةً جدًا وأحيانًا مملة.

أتأمل تشابه بين جملة “خُد عمري كله بس النهار ده خليني اعيش” وجملة مأمون الشناوي في “بعيد عنك”، “خد من عمري، عمري كله، إلا ثواني أشوفك فيهم”.

“خليني جنبك في حضن قلبك..” هي انكساراتي.. انكساراتي وحيدًا بعيدًا عن أرض زرعك. وأود أن أعترف لكِ يا حبيبتي أنها أكثر العبارات إيلامًا في هذه الأغنية البهيجة. أليس غريبًا أننا قضينا ربيع هذا العام في “حقل الربيع”؟ بيد أنه كان ربيعًا قصيرًا جدًا يا حبيبتي، تمامًا مثلما الربيع العربي. لقد رحلتِ، وأتي الشتاء وأبى أن يرحل.

“أملي حياتي عينيّ..” هذا التدرّج المنطقي من اللامرئي للمرئي لا يشبه إلا جسرًا قصيرًا يفصل بين حقل الربيع والزمالك.. “يا أغلى منّي.. يا أغلي منّي عليّ”.

نسيت أن أحكي لكِ أني جالست أحمد شفيق كامل ومحمد عبد الوهاب في بار “كابدور” في وسط المدينة بين نوڤمبر وديسمبر 1964، وعمدت توثيق هذه اللقاءات في دفتر أحمر احتفظت به لفترة طويلة. لم أتدخل في النقاشات الحادة التي دارت بينهما في هذه الأثناء سوى مرة واحدة عند مقطع “يا حبيبي امبارح وحبيب دلوقتي”، إذ عبّرت عن رغبتي في إضافة كلمةَ “بُكرة”.. وبعد تفكير استغرق دقيقتين ورشفة ستلا، أضاف شفيق “وحبيبي لبكرة ولآخر وقتي”.

أعتقد أن أسعد لحظات حياتي، أو من ضمن الأسعد إطلاقًا، هي وقوفي قبالة حوض ستانلس ستيل أغسل فيه أطباقًا بيضاء أكلنا فيها العشاء، ثم أُعد فطورًا لجميلتي التي استيقظت لتوّها. “إيه مالأماني ناقصني تاني وانا بين إيديك؟”

“عُمري ما دُقت فول في طعامة هذا”، تقولُ ضاحكةً. كان إفطارنا مصريًا خالصًا، باستثناء القهوة التركية. إنها التاسعة والعشرون دقيقة بعد التاسعة.. حان ميعاد حافلة الجامعة.. اللهاث اللهاث.

متى ستشتفي داري وتنتهي عطلة نهاية الأسبوع ويعود الطبيب من مهجعه الصيفي الطويل؟!

الانتظار لمُدرّسة يافعة لساعات طوال حتى تعود من تدريسها كان أقصر من انتظار طالبة مجتهدة لشهور طوال حتى تستهل دراستها. ولن نتحدث عن كوابيس التأشيرات وجوازات السفر و”البلاد الراعية للإرهاب” لأن هذا سيستغرق منّا وقتًا طويلًا نحن في أمسّ الحاجة إليه، ولكن، على أي حال، يمكن اختصاره في قول رشيد طه “معنديش الباسبور، معنديش الڤيزا، معنديش الكارت بلو“.

دائمًا ما تشككت في أهمية الموسيقى البهلوانية التي تبدأ عند الدقيقة 19:54، قبل أن تنثر أم كلثوم “يالّي حبك خلّى كل الدنيا حب.. يالّي قربك صحّى عمري وصحّى قلبي”.

تتمثلُ الست بحنجرتها وتتمايل بجسدها أثناء الغناء، ولهذا نرى الأشياء في صوتها ونُحس بحركة الجفن المترددة عندما تقول “وانت معايا تصعب عليّ رمشة عينيّ لو حتى سانية، يصعب عليّ لا يغيب جمالك“. بل وننتظر ساكنين ساعة اللقاء المرتقبة. وهذا العكروت الصغير المسمّى “بِلّو”.. متى سأراه؟ ومتى سيحتلّ فخذاي مرة أخرى لينام ويعطّلني عن العمل؟

إيه الكلمة اللي “متقلتش لحد التاني واللي قد هواك ده كله واللي قد أشواقي وحناني؟” تضحكين أنت على اللهجة المصرية، بيد أن الست نفسها تقول “قد كده”.. اضحكي بقى عالسّت! اضحكي!

“كل الناس حلوين في عينيّ حلوين” هو المعادل البصري لـ”إل إس دي” الحب.

“وكفاية أنام على ابتسامتك بتقولّي عيش” هي نهاية ليست تخيلية ستحدث في غضون تسعة أيام (أو ثمانية إذا كنت تعاني من اختلال التوقيت).

Advertisements
هذا المنشور نشر في قلة أدب. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s