الزحف نحو الربيع “مراجعة ألبوم رقصوك لمشروع ليلى”

في “رقصوك”، ألبوم مشروع ليلى الثالث الصادر مؤخرًا، جُبرت النساء على الصمود، وجُنّ عبدو جراء انعدام الحب، فصام عنه، ورُمي بالأخ في قاع البحر بعدما شاف السر.

وبينما يتجول حامد وفرقته أرجاء المدينة بعربية تاكسي وردية اللون، نرى مشاهد متفرقة مثل
عبودية الحبيب لسيّده، وسياقة الإمام لقطيعه، وترقيص السلطة للمستضعفين، وتخوين المطالبين بالتغيير.

يعلن مطلع الأكورديون في “البرولوغ” أن مشروع ليلى سيجولون معنا أثناء هذا الألبوم في رحلة راقصة.

العود الأبدي (سيزيف وجهًا لوجه مع حامد سنّو)

يحدّ الألبوم، كما المدينة، عتمات البحر، فالفريق اللبناني يحنّ للبحر والحرب، ولكن بالتأكيد ليس للسياسيين “الصيادين”. في “بحر”، يرثي حامد صديقه “أخويا”، ويحاول الاحتجاب بعتمة الليل، واستلهام السلوان والقوة منه.

“القفص ياللي صرناه” هو تشبيه لغوي مثير، فالفرد في مواجهة السلطة هنا ليس حيوانًا محبوسًا، بل قفصًا يحبس نفسه وغيره من البشر. وقد تكون “ونعيد” أغنية غارقة في مثاليتها، ولكنها تعبر تمامًا عن الاتجاه العام للألبوم، فحامد وفرقته ومن آمنوا معهم لن يأكلوا لحم البشر، حتى وإن عُرض عليهم ذلك. ولكن للأسف، وفي هذه اللحظة المستقبلية من عمر البشرية، إن لم تأكل لحم أخيك، سيأكل أخاك لحمك، فالفناء هي نتيجة مُحتّمة لدى مجابهة العبثية بالمثالية.

ذكّرني كورَس الكيبورد في “ونعيد”، الذي تؤديه أميّة مَلاعب بمهارة، بـ”غدًا يوم أفضل”. وعند الجملة المفصلية “فينا نحلق فينا نطير”، تطير بنا “ملاعب” وتحلّق، وتحلّق بنا “ملاعب” ونطير.

مناهضة الرقص

“الرقص” في “رقصوك” هو التماهي مع السلطة، و”الإيقاع” هو البيروقراطية، إذ تمارس السلطة مواهبها المتعددة كالتعليب والقولبة والتأطير والاحتواء (ركبوا عداد مصمم ع ما راق لهم بمحل قلبه) سواء عبر الترغيب أو التعذيب (ضربوك وركعوك) لبرمجة الفرد على رقصة واحدة، حتى أمسى هذا الأسير لا يسمع دقات قلبه، لأنه اختار الانحياز للسلطة والرقص في فلكها سواء بإرادته في أغنية “رقصوك” (كان في خيار وانت رقصت) أو عبر تخديره، على غرار بينك فلويد، في أغنية “للوطن”، وتلقينه النشيد وألوان العلم، وختمه بالدين الرسمي، ودمغه بالعادات والتقاليد.

وإذ يناضل مشروع ليلى ضد المستعبِد على مدار الألبوم، ففي أغنية “رقصوك” تحديدًا يلومون المستعبَد الذي امتثل للسلطة فصار مسخًا، حتى صار الحل الوحيد هو ذبح صورته.

ويقترب مشروع ليلى أكثر من الحراك السياسي الإقليمي في أغنية “للوطن”، والتي تُعد ذروة الألبوم. وإن نجح الفريق في تصويرركاكة هذا النوع من الرقص، فإن المعادل المرئي لكيتشيّة الإيقاع، من وجهة نظري، هو لمبات نيون متعددة الأشكال والألوان تتراقص وتتراقص.

ولكن ما هو خيار حامد وفرقته من مناهضى “الرقص”؟ الانتحار، وهو الحل الذي سيغضب الراقصين والراقصات، ولا سيما المؤمنين بأنه “كُتب عليكم الرقص”.

“ما تتركني هيك” هي عقدة الألبوم، وفيها نعرف أن خيبة الأمل السياسية متصلة بخيبة أمل عاطفية (خيبة الهوى) كذلك. والتدرج الحزين لأسفل في جُمَل “ما تتركني هيك” المتعاقبة هو من أفضل ما أدى حامد. وهو عندما يقول “حبيبي خليك نشرب القمر” نتخيل حامد مع صديقه، في ثورة على ذكورية اللغة وكليشيهات الحبيب في الأغاني العربية، جالسين في الخلاء يرتوون من نور القمر ويقطفون النجوم، ونستمع لقرع الكؤوس، ونرى العفاريت و”تخوت الناس”.

عربية تاكسي وردية اللون

“بيشوف” هي أغنية تنويم مغناطيسي بطلها تابع كفيف يأكل سم متبوعه ويحيك جسده على مقاس خياله. وبما أن الترهيب هي وسيلة رجال الدين لمواصلة العرض وجني الإيرادات، فإن فرح المؤمنين خيانة، والحزن شريعة.

ويغيّر حامد صوته ليحكي قصة “اسكندر معلوف” مثليّ الجنس محبّ البوب أرت بإيقاع متوتر يتقدمه الكمان، ثم ينتقل الألبوم “على بابه” الرومانسية التي تحكي رجوع وركوع وخضوع واعتراف جارف بالذنوب والعيوب يصل لحد جلد الذات (ندوبي) من جانب المستعبَد، ورفض تام بل وخنق وحرق وأذى متعمد من قبل المستعبِد. وقد تكون هذه لعبة متفق عليها سلفًا مثلما في حالة ممارسي العبودية والسادية والمازوخية (BDSM)، أو لعبة غير مأمونة العواقب مثلما في حالة السلطة والمستضعفين.

“رقصوك” هو ألبوم مضاد للسلطوية على طول الخط، بداية بالتمويل الجماعي وليس نهاية بالتاكسي وردي اللون، إذ يبشّر مشروع ليلى بأن “تحمّل الشتي” سيجلب ولا شك الربيع، لأن مصير العربية هو المشي سواء شئنا أم أبينا.. ولكن قبل التحليق، علينا أولًا أن نزحف قليلًا.

Advertisements
هذا المنشور نشر في مزيكا. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s