عنِ العَرَق ولا مبالاتي

في شهر أكتوبر الماضي، نزلت مع رولا ضيفًا على أهل بيت “فراش وفطور” في مدينة بوسطن ليس بعيدًا عن البيت الذي سكنه ذات يوم جبران، ولكني لم أهتم بتقييمه على موقع “إير بي آند بي”. ومنذ عدة أيام وحتى الآن، أعكف على قراءة كتاب رائع عن زياد الرحباني لن أهتم كثيرًا بنشر ملاحظاتي عنه على الإنترنت، أو إضافته لمكتبتي الرقمية على “جود ريدز” مثلًا. وفي العموم لا أساوم على رغباتي وبهجتي إلا لو توفى عزيز مثلًا أو وُلد توأمأن. وفضلًا عن الاستمرار في كتابة هذه الأفكار، فضّلت أرشفة هذا الملفُ الإلكتروني الذي أدوّن عليه، في مجلّد رقمي على قرص جوجل السحابي (جوجل درايف) حتى أقرأه في المستقبل مع شُربِ كأس عرق مثل الذي أتناوله الآن، نصفُه عرق مسايا ذات الـ53% كحول ونصفه ماء وثلج، مسكوب من قنينة زرقاء تشبه صاروخ النادي اللبناني.

قد يستنتج نبيه، أو نبيهة، منكم، إن قررتُ في نهاية المطاف إطلاقَ هذا الهراء على الفضاء السيبراني، أني لا أكترث كثيرًا إن قرأ أحد ما أكتبه أو لا. وذلك تمامًا ما عمدتُ إليه من مقدمتي. قد أكون مدعيًا كاذبًا عندما أقول ذلك، بحيث لم أكن لأقوله لو أن عشرات الآلاف مثلًا يصطفون على باب مدونتي يوميًا لقراءة ما تنقره أناملي المُقلّمة بـعناية موزونة بخطورة، أو قد أكون صادقًا صريحًا في عدم اكتراثي بقرائتك لما أكتبه من عدمه. وهي لا مبالاة شبيهة بلا مبالاتي بنفسي المستقبلية ومعاناتها في شهر مايو 2010 عندما خطّيتُ تدوينة بعنوان “الرأسمالية تاج فوق رؤوس الأذكياء“، والتي قلت فيها إن “أحزاب اليمين الجديد تحديدًا هي حائط الصدّ الأول ضد المدّ الإسلامي الرجعي الزاحف إلى الغرب. هذا بخلاف أن اليمين الرأسمالي يضمن تقليص الضرائب، التي تعدّ قمعًا حكوميًا ضد حرية السوق، وهو النظام الذي ‘ينتشل’ أموال المنتجين والمفكرين والنبغاء، على غير إرادتهم الحرة، ليعطيه للكسالى والعاطلين، سواء مهاجرين أو سكان أصليين. تقليص الضرائب للحد الأدنى يمكّن أصحاب الأعمال والعمّال على السواء من مراكمة رأس مالهم وثرواتهم.” هذه هي تحديدًا أجندة دونالد ترمب، والتي تتبنى سياسات طرد المسلمين والمكسيكيين من أميركا بحجة الإرهاب والجريمة، وتقليص الضرائب. هل كنت لأنتخب ترمب إن كنت أميركيًا يعيش في نيويورك في عام 2010؟ لا، لأني وجدت “حقيقة مغايرة” هنا منذما عشت في الولايات المتحدة منذ عام 2013، حقيقة مغايرة لما اعتقدته قبل ثماني سنين عندما كتبت تلك التدوينة. وأضع “حقيقة مغايرة” بين قوسين كونها لفظة شبيهة بـ”ما بعد الحقيقة”، اللفظة التي اختيرت ككلمة عام 2016 لقاموس أكسفورد لما كان في ذلك العام من حرب معلومات، وأكاذيب، أدت فيما أدت لـ، أو ساهمت في، تغيير خريطة العالم الغربي “الحُر” (أقلُه على الورق) إلى عالم شعبوي يَنتخبُ ترمب، ويصوّت بانسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الآوروبي.

وهناك استنتاج آخر، وهو أنّي آخذ ولا أعطي، أستهلك ولا أنتج، أي أنّي أهتم بقراءة الأدب الجيد والاستماع للموسيقى المفضّلة وتذوق الأكل الشهيّ وجَرع البيرة الألمانية، بيد أنّي لا أهتم كثيرًا بإنتاج أيّ منها، وإن كنت أحاول إنتاج الأدب والبيرة بلا مواظبة ولا تميُّز. وأقول دومًا إنني أنتمي لأقلية تقتات على إنتاج الآخرين، ولو كنا الأغلبية لفنَت البشرية، على الأقل نظريًا.

الحقيقة الحقيقية، المغايرة لحقيقة ملتون فريدمان ومدرسة شيكاجو والمدرسة النمساوية التي آمنت بها في عام 2010، هي أن الولايات المتحدة واقعة في شِرك عنصرية تاريخية ضد السود والأقليات، وأنه لا وجود لنموذج رأسمالي يُطبّق أفكارًا رأسمالية كلاسيكية مثل سميث أو حديثة مثل لودفج فون ميسس على أرض الواقع، تمامًا مثلما اعتقدت ولا زلت أن “الشيوعية” هي محض خرافة يوتوبية تناقض رغبات الإنسان الجذرية (الحيوانية)، وأن تطبيقها سيصيبه عللُ ما، أو أكثر، يخلّ بنظريتها.

الآن أنا مخدّر تمامًا بفعلِ الإنفلونزا والعَرَق.

بدأت تلك التدوينة من سويعات، وشغَلت قبل كتابتها فيلم “هدوء نسبي” لزياد الرحباني في الخلفية، فمكثتُ أكتب وأتباحث وأصبّ العرق، وتبع ذلك “أبو علي“، ثم بعض أغاني فيروز الرحابنة، إلى أن انتهت القائمة بفيديو للأطفال حول ماكدونالد العجوز الذي امتلك مزرعة في يوم من الأيام. إنها عبثية اللوغاريتمات اليوتيوبية، مع أن فيروز لم تكن يومًا فلّاحة، وزياد قطعًا لا يحبُ منتجات ماكدونالد العجوز.

ثيمات حياتي تتكرر باستمرار، وكأن في تمديد اللحظة الراهنة يكمن شغفي الأبدي، بالرغم مما يترتب على ذلك من محدودية الإبداع ونَدرة الخيارات، وهكذا دواليك في حلقة تغذية سلبية كارثية. في هذه الصورة مثلًا، أقف منتظرًا أمام لافتة تحظر الانتظار. لا أعرف كم مرة اصطنعت ذلك الوضع في صوَري، عشر مرات على أقل تقدير.

 

الاستنتاج من كل ذلك “الهري” أنّي شخص فرديّ جدًا لا مبالٍ، لا يحب مشاركة الآخرين سوى في الشراب، ولا يتطلع لجلسة ليس فيها حسناوات أو موضوع يهمّه. وقد ترى أن ذلك عَطَبٌ آخرُه هلاك، وقد أتفق معك، ولكن جيناتي لا تتفق معنا، وتكوين الإنسان لا يكترث بنا، مثل عدم اكتراثي باتفاقك مع جيناتي من عدمه. أنا ذلك الكائي الهيدوني المحكوم بالشهوانية وقِصر النظر الأبدي.

هل أملأ كأسَ عَرقٍ جديد؟ طبعًا.

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في عبثيات. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s