قناع الحرية فيه سُمٌّ قاتل

منذ اليوم الأول لحكم العسكر لمصر بعد ثورة 25 يناير، والقرارات مشوّشة وعشوائية، بل ومُريبة في أحيان أخرى. اعتقالات المدنيين ومحاكمتهم عسكريًا لا تنتهي ولن تنتهي على ما يبدو. كما أنه حُكم على بعض النشطاء عسكريًا؛ البعض ينفذ العقوبة وآخرون مع إيقاف التنفيذ، والبعض مازال محتجزًا، وحُكم على مايكل نبيل ثلاث سنين غيابيًا. لا ينقص إلا قطع الإنترنت وقنبلة واحدة مُسيلة للدموع، وتكتمل دائرة جديدة، ويقوم المجلس العسكري بإعادة اختراع العجلة، وتقوم ثورة أخرى.

دعى كثيرون لجمعة غضب جديدة يوم السابع والعشرين من مايو/آيار في الميادين العامة، وخرج البعض للدعوة لها في الشوارع بتوزيع المنشورات ولصق لوحات جدارية “جرافيتي.” فنّ الثورة كما شهدناه وشهدنا عليه من موسيقى، وفنون الشارع، وتصوير، ومعارض، وأفلام إلخ. هذا كله ليس جديدًا، ولكن الجديد القديم هو اعتقال القوات المسلحة للنشطاء “المتهمين” بتوزيع المنشورات ولصق اللوحات، مما حدى بالبعض لوصف الوضع المآساوي كله بأنه لم يختلف كثيرًا عن الأيام التي سبقت الخامس والعشرين من يناير بتحديث حالتهعلى تويتر:

@shadysamir:

“حد غيري تويتر عنده بايظ؟ عمال بيجيبلي تويتس من قبل ٢٥ يناير عن ناس اتقبض عليها لأنها بتعلق بوسترات!”

هذا هو الجو العام قبل ساعات قليلة من جمعة الغضب الثانية، أو الثالثة، لا أعرف؛ الدهشة تسيطر على البعض، ولكن انقطعت عند البعض الآخر، فأداء المجلس العسكري الباهت في الفضاء العام لم ينجح في إقناع أكثر برامج اكتشاف المواهب تفاهةً، فالبيانات العسكرية المتلاحقة تسلك اتجاهًا آخر تمامًا أقرب للخيال العلمي منه إلى الواقع. الفصل الأخير من هذه المهزلة هي القبض على فنانان بينما كانا يحاولان لصق هذه اللوحة المُعبّرة اليوم ، كما قُبض على آخرين بينما كانوا يوزعون المنشورات، وقد ذكرت مصادر غير مؤكدة أن عمليات الاعتقال والاحتجاز امتدت من القاهرة للسويس. وكأن، كما علّق أحد مستخدمي تويتر، ثورة 25 يناير قامت كي يظل موزّعي المنشورات ولاصقي اللوحات يرتعشون خوفًا ويحيطون حذرًا بينما يعبّرون عن رأيهم في سلام، وكأن هذه المنشورات “السرية” غير موجودة على الإنترنت مثلًا، وكأننا مازلنا نوزع منشورات في خمسينات القرن الماضي. إذا كان المجلس العسكري يعشق القبض على موزّعي المنشورات ولاصقي اللوحات، فليقبض على آلاف، بلا ملايين النشطاء، الذين روّجوا لهذه الصورة على الإنترنت، كإجراء احترازي لكتم الصوت تمامًا كما تعبّر هذه الصورة – منعًا للتسرّب ومن ثمّ البلل.

المفارقة التي حدثت، والتي لا تتوقعها عادةً الأنظمة الشمولية كونها أُحادية الفكر، هي أن لوحة الجرافيتي المدهشة هذه انتشرت على الإنترنت بسرعة الضوء، حتى أصبحت كل مواقع التواصل الاجتماعي تعجّ بها، ولا يتحدث أحد إلا عن قناع الحرية الذي قُبض على صاحبه، ومازال البحث جار عن صاحب القناع. إن الإعلام الاجتماعي قد ساعد، مرة أخرى، في جلب نتيجة عكسية تمامًا لافتراضات السلطات الأمنية؛ لأن توقيف الفنانيَن للحدّ من انتشار هذه الصورة، كونها صورة حقيقية تعبّر عن الوضع الحالي، لم يساعد فعلًا سوى في انتشارها السريع والڤيروسي، بصورة فاقت بالتأكيد توقعات جنزير وعايدة، اللذان رسما ولصقا اللوحة، اللوحة “الصفراء”، التيي لا يخلو صفارها من معنى. أعتقد أنهما يضحكان الآن حتمًا، كونهما استخدما، عن غير قصد، تعسّف المجلس العسكري، لنشر لوحتهما الجديدة ومشاركتها مع الملايين إلكترونيًا عبر وسائل الإعلام الاجتماعي. بل قد نجد هذه الصورة مرفوعة ومُلصقة بكثافة غدًا في ميادين التظاهرات، وقد يُقلِّد أحد المتظاهرين “المبدعين” بطل هذه الصورة، بارتداء القناع الأحمر ذاته الكاتم للصوت والمانع للضوء، بالإضافة إلى أن هذه الاعتقالات أعطت سببًا كافيًا للمترددين بالتوجه غدًا للميادين العامة.

الإعلام الحكومي على الجانب الآخر يتسطّح بأمجاد القوات المسلحة، ويتعمّق في نقد النظام القديم، ولكن الديمقراطية ليست نقد الأنظمة السابقة، بل الأنظمة الحالية، كما عبّر أحدهم على تويتر كذلك. لا أعرف ما هي نهاية المسرحية السخيفة التي يظل أبطالها دائمًا المجلس العسكري، والإسلاميين، والإعلام الحكومي – هذه المعادلة، أو المفارقة، التي لا تريد، ولا يبدو أنها تنوي، مفارقتنا! قد يكتمل العرض غدًا على مسرح التحرير، بيد أن المجلس أبى أن يخذلنا، وأصدر البيان الثامن والخمسين، البيانات التي لم يعد أحد يتابعها للملل والتكرار. تسلسل هذا البيان الحقيقي هو 5800، وليس 58، امتدادًا من انقلاب 52 حتى الآن.

إن المجلس العسكري يملك الأسلحة، ولكن يتسلّح النشطاء بوسائل الاتصال الحديثة كلها، وإن ظنّ المجلس العسكري للحظة، خاطئًا، أن أسلحته الثقيلة أقوى من جهاز آي.فون. الذي يستخدمه جنزير ذاته لخداع الأجهزة الأمنية، لأنه يدرك تمامًا أنهم لم يبلغوا بعد مرحلة التطور الطبيعي التي تتيح لأحد منهم باكتشاف فكرة عبقرية، مفادها “هيا نتابع جنزير على تويتر” مثلًا، ولذا حدّث جنزير حسابه، مطمئنًا، “قمت بخداعهم، وأنكرت رسم هذه اللوحة.” هذه التويتة التي أعاد نشرها، حتى الآن، أكثر من ثلاثين مستخدمًا على تويتر، ولكنها لم تبلغ بعد مقر النيابة العسكرية!

* نُشرت هذه المقالة على موقع شباب الشرق الأوسط سابقًا (مجال حاليًا) في يوم 26 مايو 2011.

Advertisements
هذا المنشور نشر في PowerBlog. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s