بين معضلة النجاة من فخّ البول في قطار نيويورك وقرار مجلس الأمن رقم 2209

image1(1)

على رصيف محطة الكنيسة، تأهبتُ لطلوع قطار خطّ البي البرتقالي المتجه لمانهاتن في ذلك الصباح الربيعي من شهر مايو، وهذه محطة قابعة وسط أحد أحياء المهاجرين في نيويورك القادمين مما وصفها ترامب بـ”بلادِ الخراء”. وهندسيًا يظلُّ رصيفها شبه نفق، فنصفها مغطّى والنصف الآخر عارٍ. اخترق القطار شبه نفق الكنيسة كطلقة، فأمسكتُ بقبّعتي مُحكِمًا موقعها على رأسي كي لا تطير مثل الأحلام في تلك المدينة. لمحتُ مقعدين خاليين في ركن العربة، وهو موقع استراتيجي لركوبة صباحية رائقة، فزعمتُ احتلالهما. وعادةً، وأنا رجل محبُّ للاعتياد، أعمدُ وضعَ نصب عينيّ على الموقع المراد، وأقصده مباشرةً متفاديًا لعبةَ طفلٍ أو عُكازَ عجوزٍ أو ساقَ فاتنةِ. ونصيبي في الربح في ذلك الروليت الصباحيّ عادةً ما يتناسب مع عزمي. وفي ذلك اليوم تحديدًا، لم تكن أيّ من المعوقات المعتادة في طريقي، نظرًا لمهارتي في تفادي ساعة الذروة وإقناع مديري بأن لا حاجة لي في المكتب قبل الحادية عشرة صباحًا. وبينما كنت أمشي قاصدًا غنيمة المقعدين، حذّرتني امرأة في منتصفِ العُمر ألا أجلس، وبما أنّي أمسيتُ أحد أبناء المدينة الخالدة، وعيتُ أن لتحذير المرأة سببًا مقنعًا ولا شك. لم أهتم لسؤالها عن السبب الوجيه لتحذيرها، واتجهت من فوري، كسوفًا ومجاملةً، للجلوسِ بجانبها، وعمومًا إذا كان الوقوفُ في القطار خيرًا من الجلوس على بَولِ متشرّد نيويوركي، فإن أي جلوس آخر بالمقارنة خيرٌ من الوقوف، خصوصًا بُعيد خضوعي لعملية جراحية مؤخرًا. ولكنها لم تتوان عن كشف السرِّ لي، قائلة إن أحدهم قد تبرّع ببولِه على المقعدين الاستراتيجيين. وقد رأيت بالفعل أربعة خطوط سائلية متداخلة على أرضية عربة القطار السوداء. استنتجت أن هذا الشخص ربما مريض، أو سكّير، أو كاره للتفّاحة الكبيرة والكادحين لتقشيرها.

فور ما وضعت سمّاعات آيبودي الأحمر، الذي تتبرّع شركة آبل جزءًا من ثمنه لعلاج السرطان، وشغًلت أغاني زياد رحباني عشوائيًا، جاء صوت جوزف صقر هاتفًا بـإحدى الـ”عتابا” من ألبوم “بما إنو”:

“بما إنو بموسكو كتار أبطال الأولمبّيك،

ودُغري انسحبت قال دبّ الألم بيك،

قرِّب لهون ومضيلي بقلم بيك،

إنّك جبان جرّست البلاد.”

ثم فتحتُ كتاب “الخلافة الرقمية” لعبد الباري عطوان فتحًا عند الصفحة التي انتهيت منها الأسبوع السابق، وتحديدًا عند تكوين مجموعة “أصدقاء سوريا” في عام 2011. انشغلت عن الأصدقاء والأعداء بمعضلة النجاة من فخّ البول، إذ أمسى ذلك مشروطًا بالوقوع في فخ الناهين عن الوقوع في فخِّ البول. وفكّرت في أن السيدة، وقد شهّدتني على واقعة البول، العمل المشين الذي ربما وقع أثناء تمتّعي بحمام ساخن في منزلي أو تمشيتي للقطار، قد ورّطتني معها في أمرين، أولًا، سينبغي عليّ الآن، كأي رجل راشد في مكاني، ولمدة أربعين دقيقة قادمة على الأقل، أن أعلن عن اشمئزازي الواضح من الواقعة المزرية وتضامني غير المشروط في دعم السيدة الفلبينية في التحذير من مغبّة الجلوس على المقعد البرتقالي، وثانيًأ، النيابة عنها في إصدار التحذيرات إن انشغلت هي بحياكة صوفها أو مهاتفة ابنها أو عشيقها من خلال هاتفها السامسونج. وأدركت فشلي المُحتّم في المهمتين سلفًا.

ثم قال زياد في “مربى الدلال”:

“ولقد، فيطيبُ لي بأن،

فإن هذه الواقعة وقعت، فهي إذًا واقعية،

وبالتالي فقد تمّ تلحين هذا اللحن بعد أن وقعت هذه الواقعة،

وكان ذلك في العام 1975. حِكمة.

لذا أودُ، لواقعيتها، أن أغني مقطعًا منها في الأول ومقطعًا في الآخر،

شكرًا جدًا جزيلًا.”

عدّت محطة “حديقة الأمل”، ولحُسن الحظ لم يطلع أحد لتلك العربة التعيسة، فتنفستُ الصعداء، واستكملت قراءة كتابي عن سوريا الأسد ونشأة الدولة الإسلامية ودور بوش الأب والتمويل الخليجي لـ”المقاومة المعتدلة”.

وصلنا لمحطة الجادة السابعة، وإذ بشاب أميركي من أصول آسيوية يقصد الجلوس على إحدى المقعدين المشؤومين، قبل أن يعتدل عن قرارِه بعد ڤيتو السيدة الفلبينية، والتي لم أجد مفرَّا معه سوى بدعمها عبر تحريك كفّي الأيمن كإشارة للاعتراض على جلوسه المحتوم مع إبداء تعبير استياء مصطنع على وجهي.

صعد آخرون للقطار في محطة جادة ديكالب، وقد أعلنتُ، سرًا، ومن طرف واحد، عن انسحابي من معاهدة التحذير بشأن الجلوس على البول، فحملت السيدة الفلبينية على عاتقها وحدها حِمل تحذير الراكبين الجدد، ووجدت في إصرارها على تحذيرهم واحدًا واحدًا أمرًا أفتقده تمامًا، وهو روحُ الخدمة العامة.

وصلنا لنهار جسر مانهاتن، ومارس 2015 في كتابي، عندما أطلق مجلس الأمن قراره رقم 2209، الذي أُقرّ في اجتماع رقم 7401 رمز S/RES/2209، وأدان استخدام المواد الكيميائية كسلاح في الحرب الأهلية السورية، ولوّح بالقوة الحربية إزاء استخدامها “مرة أخرى” في الصراع، وذلك بتأييد 14 عضوًا وامتناع فنزويلا.

في الحقيقة لم أكن مستاءًا بما فيه الكفاية من بولِ أحدهم على مقعد القطار، ولن أكترث إن جلست حسناء على بولِ المشرّد، أو حتى إن لعقه شاب أميركي من أصول آسيوية. فأنا معتني أكثر باستخدام داعش لتويتر، والخط الأحمر الوهميّ الذي رسمه أوباما.

انهمكت السيدة في كتابة شيء ما، فاعتقدت أنها أخيرًا تتبعت إثري و”باعت القضية”، فارتاح ضميري بعض الشيء. ولكن قبل نزولها في برودواي لافاييت، تركت ورقة على إحدى المقعدين المبللين، وقد كتبت عليها بحروف إنجليزية صحيحة وكبيرة: “PLEASE DO NOT SIT HERE! IT IS URINE!”

* كتبتً هذه التدوينة بإنجليزية متعثرة أولًا هنا، ولكني لم أشعر أنّي قد وفّيتَ السيدة الفلبينية حقّها المشروع، فعمدتُ كتابة القصة بلغة أممية إضافية. شكرًا جدًا جزيلًا.

Advertisements
هذا المنشور نشر في عبثيات. حفظ الرابط الثابت.

رُوُح

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s